ولنعم المصلّى هو
الأحد | 15/03/2009 - 09:26 صباحاً

ولنعم المصلّى هو

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

قال الله تعالى:

1- (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108) [سورة يوسف]

قال القاسمي ـ رحمه الله ـ في ختام تفسيره الآية:

2- "وعلى الجملة؛ فيتأكد على العلماء أن يجالسوا الناس بالعلم ويحدثوهم به ويبثوه لهم، ويكون كلام العالم معهم في بيان الأمر الذي جاؤوا من أجله".

وقال:

3- "ولا ينبغي للعالم أن يخوض مع الخائضين، ولا أن يصرف شيئاً من أوقاته في غير إقامة الدين". ["محاسن التأويل"]

وعندما يكون أهل العلم النافع على حجة واضحة ناصعة ليلها كنهارها فإن الدعوة إلى الله تؤتي ثمارها بإذن الله، فكيف بهذه الدعوة المباركة إذا توافقت مع ما في هذا المكان المبارك ـ المسجد الأقصى ـ من خير، وأراد أهلها بعزم وإخلاص وعلى بصيرة إخراج الناس من الظلمات إلى النور؟

ولو تتبعنا ما جعل الله تعالى في المسجد الأقصى من الخيرات والبركات لأدركنا كيف أن الدعوة إلى الله على بصيرة؛ تكون بصيرات، بعيدة عما يعيشه للأسف خواص كثير من المسلمين من ويلات، بسبب ما انغمسوا فيه من البدع والمبتدعات، وشرور الضلالات، أو الحسد الذي هو رأس الآفات.

تعالوا أيها الخصوص، إلى ما نزل من كلام الوحي في النصوص، بشأن البركة في المسجد الأقصى ليسعد بذكرها الأخصا، ويبتلى فيها الجميع بالمحنة ليعرف الرفيع من الوضيع.

 النص الأول: ولنعم المصلى هو

كان قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ

4- "ولنعم المصلى هو".

جواباً عن استفسار الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ حين سألوا:

5- "أيهما أفضل أمسجد رسول الله أم مسجد بيت المقدس؟".["صحيح الترغيب والترهيب"(1179)]

وبناء عليه كان للمسجد الأقصى فضيلة عظيمة من أجل:

بركة المكان، فمحله أم الأرض المقدسة.

وبركة الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ على منهاج النبوة والسلف، فهو محل دعوة الأنبياء والرسل، وإليه أسري بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنه عرج إلى السماء.

وبركة الفائدة التي اجتمعت لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أعطيت تاريخ بني إسرائيل ـ لاستخلاص العبر، وتجنب الويلات.

لذا جاء في سورة الإسراء، وتسمى سورة بني إسرائيل: 

6- (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ...(7).

وقوله:

7- (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا(8).

وبلاد الشام جعلت أرضاً مقدسة لأنها محل دعوات الأنبياء والرسل، فهي أرض الدعوة إلى التوحيد والسنة، وأرض الجهاد ضد الشرك والمشركين، وضد المعصية والعاصين، وضد البدعة والمبتدعين، وضد النفاق والمنافقين، من أجل ذلك جعلها الله مبوأ صدق الصادقين، فكان هذا أولاً من حظ بني إسرائيل قال تعالى:

8- (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ..(93) [سورة يونس]

قال قتادة:

9- "بوأهم الله الشام وبيت المقدس". [أخرجه الطبري]

واستمر الحال صحيحاً في بني إسرائيل إلى أن عصوا، وضلوا، وانحرفوا، وحرَّفوا، وأشركوا، وخانوا الأمانة، وفسدوا، وخرجوا عن الجادة، فكفروا بدين الله تعالى الإسلام، فعاقبهم الله تعالى بأن سلط عليهم الأعداء، من كل صوب، وحرموا قيادة البشرية، وأبعدوا من مهاجر إبراهيم قصراً وعنوة، جزاء لهم على ضلالهم ونفاقهم وبدعهم وكفرهم، إلى أن جعل الله تعالى لأمة محمد تشريفاً ـ بعد ضلال بني إسرائيل ـ دخول الأرض المقدسة.

فينبغي لأهل الشام أن يعودوا إلى طاعة ربهم ـ عز وجل ـ، ويعالجوا ما وقعوا فيه من الفساد، ويتخلصوا من أوثان الحزبية والقومية والنفاق يعاونهم في ذلك إخوانهم من المؤمنين من شتى بقاع الأرض حتى يصير الخير في عامة المسلمين.

ولما كان الفساد لا تتم إزالته إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلى وأغلى مسائل الأمر بالمعروف الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده ـ سبحانه ـ بالعبادة ، وأنه لا معبود بحق إلا الله، وأنه لا بد من إزالة المنكر وأسوأ ما في المنكر الشرك. فلا أحد أجدر من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء أن يكونوا مجاهدين في سبيل الله، مؤازرين لإخوانهم على منهاج النبوة والسلف في الأرض المقدسة من أجل إعلاء كلمة الله وإزالة الفساد، وإحلال الإصلاح محله.

فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولنعم المصلى هو

لأنه المسجد الثاني الذي وضع في الأرض بعد المسجد الحرام.

ولأنه واحد من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.

ولأنه واحد من المساجد الثلاثة التي يعتكف فيها.

ولما فيه من مضاعفة أجر الصلاة فيه. 

ولأنه يرجى لمن صلى فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه.

ولأنه قدِّس، أي طهر من دنس الشرك.

ولأنه قبلة المسلمين الأولى.

ولأنه مكان اجتماع صلاة الأنبياء وقد أمّهم فيها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

ولأنه مسرى النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

ولأنه معراج النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات العلى.

ولأنه بورك فيه وبورك بمن حوله من أرض الشام "الأرض المقدسة".

ولأنه عاصمة مهاجر إبراهيم ـ عليه السلام ـ.

ولأنه منبر الأنبياء، منبر الدعوة إلى التوحيد، منبر كلمة الحق، منبر الكلمة العليا "لا إله إلا الله".

ولأنه خط الدفاع الأول والأخير عن عقيدة التوحيد، عقيدة الأنبياء وعقيدة نبينا محمد سيد المرسلين.

ولأن فيه تعقد مجالس العلم النافع ويتدارس فيها ما وقع للمؤمنين من ابتلاءات حتى صاروا إلى الفوز المبين، أو ما وقع للضالين حتى صاروا إلى ما صاروا إليه من غضب رب العالمين.

ولأنه الشاهد على حال المسلمين في ضعفهم بسبب بعدهم عن دين ربهم.

ولأنه الشاهد على من خذل المسلمين حسداً وبغياً ونفاقاً.  

ولأنه الشاهد على من انتسب إلى منهاج النبوة والسلف، منهاج الطائفة المنصورة وعمل صالحاً.

ولأنه رأساً في الثغور.

ولأنه رباط المجاهدين القائمين، ورغبة المجاهدين الفاتحين.

ولأنه طارد لكل كافر، وممتنع عند قيام الحجة على كل مبتدع وفاجر، وفاضح لكل منافق ممن تشدق بالدعوة إلى الله وزعم أنه سائر على درب الأكابر.

ولأنه عاصمة بلاد الشام عقر دار المؤمنين إذا وقعت الفتن.

ولأنه دار الإيمان وخلافة الإسلام في آخر الزمان.

ولأنه الشاهد على الآتي من أشراط الساعة.

قال الله تعالى:

10- (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(185) [سورة الأعراف]

وقال:

 11- (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1) [سورة القمر]

وقال الله تعالى:

12- (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) [سورة الأنبياء]

وقال:

13- (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ(97) [سورة الأنبياء]

  

  إعداد: هشام بن فهمي العارف

19/3/1430 الموافق 15/3/2009