السلفية حزب الله حقاً ولو كره الكارهون
الإثنين | 10/08/2009 - 10:00 مساءً

 

السلفية حزب الله حقاً

ولو كره الكارهون

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد ،

فكيف في زماننا هذا ؟!!

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: (المتوفى عام 790) في "الاعتصام" (1/33) :

1- "فلما أردت الاستقامة على الطريق؛ وجدت نفسي غريباً في جمهور أهل الوقت؛ لكون خُططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد، ولم يكن ذلك بدعاً في الأزمنة المتقدمة، فكيف في زماننا هذا؟! فقد روي عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك الكثير".

وذكر ـ رحمه الله ـ عن ميمون بن مهران عن أبيه قال:

2- "لو أن رجلاً أُنْشِرَ فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة".["الاعتصام"(1/33)]

كن مع الفرقة الناجية

الفرقة الناجية هم السلفيون؛ لأنهم مشوا على طريقة السلف الصالح، قال الذهبي ـ رحمه الله ـ:

3- "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون، وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف".["سير أعلام النبلاء" (16/457)] 

والانتساب للسلف سنة، وهي نافعة مأجور صاحبها؛ لأنه: متبع لقول الله في الكتاب، ومتبع لقول نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة، ومتبع لفهم صحابة نبيه محمد ـ رضوان الله عنهم جميعاً ـ.

والمنتسب للسلفية منصور بنص الكتاب والسنة ـ كما نصر الله ـ صحابة نبيه والسلف، ويصدق عليه ما صدق من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما أخبر به صحيحاً:

4- "لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم".

ونسبتهم ليست كنسبة الحزبيين، لأن أحزابهم لا تعود عليهم بالنفع بل تعود عليهم بالضلال والويل، وقد استعملوا الدين تلبيساً زوراً وبهتاناً

5- (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111) [سورة البقرة]

 ومن أشهر أقوال أئمتهم الحزبية الضالة قولهم:

6- "فلنعمل فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".

وهذه دعوى خبيثة روَّجوا لها ودلَّسوا بها على العامة ، إذ كيف يكون للمبتدع في دين الله عذراً في هدم الدين؛ إنه مخالف لنصوص الوحي من الكتاب والسنة، ومخالف لمنهاج النبوة والسلف، وبئس هذه المخالفة الملعونة التي جنى أصحابها على الأمة وجاءوا بسببها بالويلات، ومن خلال هذه القاعدة الخبيثة وصل الأحبار والرهبان (علماء السوء) إلى غاياتهم من التضليل، وعاثوا في الأمة فساداً.

فالدعوة السلفية حزب الله حقاً، وليست حزباً من الأحزاب الشاذة، أو جماعة من الجماعات الضالة، أو فرقة من الفرق الهالكة، أو تدعوا لفئة معينة، أو قومية، أو دولة ما، أو حكومة ما، أو شخص ما بحيث توالي عليها أو عليه أو تعادي عليها أو عليه، بل تدعو لله وحده بحق لا شريك له، فهي إذن دعوة مباركة، وأهلها منصورون بنص الكتاب والسنة وشواهد حال الأمة، فالانتساب للسلفية ليس من التحزب الباطل بل من التحزب الخالص لله تعالى وهو عين الصواب لأنه انتساب إلى دين الله عز وجل، وانتساب لحزبه الحق، وانتساب للجماعة التي أمر الله بها، أما التحزب لغيرها فهو من التحزب الباطل الملعون. فالسلفية تحارب التفرق، وتحذر من الاختلاف، وتدعو إلى ما دعا الله ورسوله من الاعتصام بالكتاب والسنة، وهذا الفهم عاش عليه السلف الصالح ـ رضوان الله عنهم ـ وماتوا عليه، فهل من مدّكر؟

لكن كلام أهل الحق لا يعجب أهل الباطل!!! وقد نقل عن سيِّد العبَّاد بعد الصحابة أويس القرني أنه قال:

7- "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقاً، نأمرهم بالمعروف، فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك أعواناً من الفاسقين، حتى  ـ والله ـ لقد رموني بالعظائم، وأيم الله؛ لا أدع أن أقوم فيهم بحقه".

وقال أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله ـ:

8- "علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر".["شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"(1/179)]

وقال ابن القطان ـ رحمه الله ـ:

9- "ليس في الدنيا مبتدع، إلا وهو يبغض أهل الحديث".

وقال أبو اسماعيل الصابوني ـ رحمه الله ـ:

10- "وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم، شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واحتقارهم لهم، واستخفافهم بهم".["عقيدة السلف"]

وعن قتيبة بن سعيد ـ رحمه الله ـ قال:

11- "إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث، فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع".

احذر المبتدعة! إنهم أكذب الناس

عن علي بن حرب الموصلي:

12- "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي".["الكفاية" للخطيب (ص123)]

وأخرج الحافظ عبد الله بن محمد بن عبيد في عن مطرِّف بن الشِّخِّير قال:

13- "من صفا عمله، صفا لسانه، ومن خَلَط خُلِط له".["ذم الكذب وأهله"]

ومن الخلط الذي يعيشه الكثير من الناس ـ اليوم ـ أنهم لا يعرفون ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

14-  اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذماً مطلقاً، لا يفرقون بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواطن الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة، كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة عن الكتاب والسنة". ["مجموع الفتاوى" (12/467)] 

وقال ـ رحمه الله ـ:

15- "وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة، أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة".["مجموع الفتاوى" (4/51)]   

واعلم أن الله ـ تعالى ـ خاطبنا بقوله في سورة التوبة:

16- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119).

بعد أن حذرنا من أهل البدع الذين خرجوا من هذا الخطاب واختاروا بمحض إرادتهم أن يكونوا مع الكذبة والمنافقين فوصفهم لنا في السورة نفسها مرشداً مخبراً

17- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ..(34).  

لقد اتفقت كلمات السلف الصالح على وجوب مجاهدة أهل البدع وهجرهم لأنهم أكذب الناس، وخطرهم على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد، قال الذهبي ـ رحمه الله ـ:

18- "من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم، خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه".["سير أعلام النبلاء" (7/261)]

إن أساليب المبتدعة خبيثة لأنها تعتمد على الكذب والنفاق، فهي أساليب خطيرة جداً على دين أمة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، قال أبو الفضل الهمداني فيما نقله ابن الجوزي في "الموضوعات" (1/51):

19- "مبتدعة الإسلام أشد من الملحدين لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من الداخل".

وذكر ابن مفلح في كتابه: أن المتوكل أرسل إلى الإمام أحمد رسولاً يستفتيه، فقال:

20- "ترى أن نستعمل النصارى في أعمال الدولة أو أهل الأهواء؟

فقال:

21- يستعمل النصارى، ولا يستعمل أهل الأهواء.

فلما خرج رسول المتوكل سأل الإمام أحمد مَن عنده، فقال: ـ رحمه الله ـ:

22- "اليهود والنصارى مفضوحون، وأما أولئك فيلبِّسون على الناس دينهم".["الآداب الشرعية" (ص165)]

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

23- "حينما تكون فرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدع والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود بأنه منهم".

أخرج الترمذي  عن ثوبان مرفوعاً:

24- "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين".["صحيح الترمذي" (2229)]

وأخرج الهروي في "ذم الكلام" عن الأوزاعي ـ رحمه الله ـ:

25- "عليك بآثار من سلف، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها بالقول".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

26- "وقال بعضهم: لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا، وفلان كذا. فقال: "إذا سكت أنت، وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟! وقال: "ومثل أئمة البدع من أهل المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين". حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: "إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين وهذا أفضل".

فتبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، ودينه ومنهاجه وشريعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً ، وأما أولئك فهم يفسدون ابتداءً".

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

وأعداء الدين نوعان: الكفار، والمنافقون، وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله تعالى في سورة التوبة :

27- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..(73)

في آيتين من القرآن".["مجموع الفتاوى" (28/231-232)]

من أجل أن يُقرأ القرآن كما نزل

إن الدرب الذي يسلكه مبتدعة اليوم على شتى ألوانهم ومسمياتهم وتوجهاتهم في جميع أنحاء البلاد الإسلامية، وفي أنحاء أخرى من شتات العالم،  هو ذات الدرب الذي سلكه اليهود والنصارى في أوائل انحرافهم عن هدي أنبيائهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وحذر منه النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا تزال آثار ضلال أهل الكتاب عن هدي أنبيائهم واعوجاج أفهامهم وكفرهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ماثلة للعيان، ولا تزال آثار خزيهم في الدنيا واضحة المعالم لا يحتار فيها من العقلاء اثنان، فمن أحب الاعتبار  فعليه أن يحذر أهل البدع في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فاستعمال التزييف والتحريف من أمهر الحرف التي يتقنها هؤلاء كما أتقنها أسلافهم من أهل البدع والأهواء في بني إسرائيل وكان الهدف إخراج السذج عن الجادة، وإخراج الناس من النور إلى الظلمات.

إن من أخطر ما يلبس به على الناس تلك الأوراق المكتوبة بخط المبتدعة، إنهم يجعلون باستدلالاتهم المفرقة المأخوذة من كتاب الله ـ تعالى ـ أو من حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألعوبة يبنون عليها آرائهم السقيمة؛ إمعاناً في التلبيس فينخرط في سلكهم الكثير ممن انطوت عليهم الشبهة فيصبح الناس بعدها تائهين حائرين لا يدرون أين الصواب !! فإلى الله المشتكى .

ويهدف هؤلاء المبتدعة طمس الحقائق وإظلام النور، وصدق فيهم قول الله ـ تعالى ـ - 28- (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) [التوبة]

وقال:

29- (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8)[الصف]

فبيّّن الله تعالى حرصهم الشديد، وسعيهم الحثيث، (لِيُطْفِئُوا) فعدى إرادتهم ـ سبحانه ـ باللام ليدلَّ أن وراء إرادتهم سعياً لإطفاء نور الله بالأكاذيب والافتراءات واستعمال الحيل والمكائد للتشويه، فهؤلاء لم يخرجوا من الصف فحسب ليرتاحوا من جهد التسوية، بل استأنفوا من أجل زعزعة الصف وإفساد تسويته، وهدم اللحمة فيه، لأن تسوية الصف التي علَّمنا نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهمية إحياءها في الصلاة، وبيَّن عظيم أثرها على المسلمين،  تغيظ أهل البدع والأهواء وكلهم خوارج غيظاً شديداً، لأنهم لا يرغبون في إمام سلفي يصلون خلفه، ولا يرغبون في سني  يحكمهم، فهم لا ينصاعون إلى وحدة الصف التي أشارت إلى معانيها سورة الصف، ولا إلى وحدة الكلمة التي أشارت إليها سورة الجمعة التي نزلت بعد سورة الصف، لذا كان في السورة التالية للجمعة في ترتيب المصحف التحذير من المنافقين، الذين من صفاتهم زعزعة الصف وإطفاء نور الله، وبالتالي تخلوا الساحة لهم ليعيثوا فيها فساداً وإفساداً. ولو أننا رجعنا إلى آخر آية من سورة الفتح التي تلي سورة الجمعة في النزول وفيها:

30- (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)   

وجمعناها مع آخر آية من سورة الصف:

31- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14).

لأدرك العاقل اللبيب أن أتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرفون مع من يستعملون الشدة، ويعرفون مع من يستعملون الرحمة، وما هي صفاتهم وعلاماتهم، فهم الحواريون أنصار الله، والحَواريُّون: القَصَّارون لتبييضهم الثياب، ثم غلب حتى صار كل ناصر وكل حميم حواريَّا. وصفهم ابن القيم بقوله:

32- "يحبون الله ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه عملوا، ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا، ولا أماناً دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون".["عدة الصابرين"(1/184)]

فهم الفيصل الذين يستعملهم الله في طاعته ليميز الخبيث من الطيب، قال تعالى:

33- (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) [آل عمران]

ولمّا كانت خاتمة سورة الجمعة:

34- (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11).

أدرك كل عاقل مغزى هذا الترتيب الربّاني. وفهم لماذا ختم الله عز وجل سورة المنافقون بقوله:

35- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) 

فالحواريون قال فيهم ابن القيم ـ رحمه الله ـ في "عدة الصابرين" جعلني الله وإياكم من الصابرين:

36- "الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالاً وذكرهم إياها فواتا وفرحهم بما أصابوا منها حزناً فما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها فكانوا بها هم الفرحين ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة".

جاء عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم شيئا ـ فقال:

37- "ذاك عند أوان ذهاب العلم" .

قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرؤه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال:

38- "ثكلتك أمك زياد؛ إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما"؟.["صحيح سنن ابن ماجه" (4048)]

والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه 39- "ولهذا: كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركاً، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم".["اقتضاء الصرط المستقيم" (ص759-760)]

إن الله تعالى لهؤلاء المتلاعبين بكتاب الله وسنة رسوله بالمرصاد، ألا ترى إلى التوراة نوراً وهدى، فإذا تلاعب بها المتلاعبون فطمسوا ما فيها من النور والخير العظيم، بعث الله رسولاً، وأنزل كتاباً، فكان بعد موسى؛ عيسى ـ عليهما السلام ـ مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتاه الله الإنجيل، وهكذا جاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فترة من الرسل وبعد أن دخلت الحيرة والشك قلوب الناس واحتاجوا إلى النور من جديد كان القرآن مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رحمة الله بها أنه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد دينه ، فيشع النور من جديد .

قال الله تعالى في سورة المائدة (112/نزول) :

40- (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ(44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنفَ بِالأنفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(47).

 وقد دعا الله ـ تعالى ـ الناس الاستجابة للدعوة فقال مطلع السورة نفسها يحث من سبقنا من أهل الكتاب، ومن ضل من المسلمين وسار على طريقتهم فاضحاً أساليب الخبثاء منهم ـ ومنها ـ إخفاء الحقائق التي نزلت في التوراة والإنجيل:

41- (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16).

والدعوة السلفية تفضح ولا تزال تفضح ـ بفضل من الله تعالى ـ أساليب المبتدعة الخبيثة، وتزييفاتهم، في طمس معالم الدين،  لأنها وهي تغربل بإذن ربها  تحافظ على إحقاق الحق بالاستدلالات العلمية الباهرة الوارد ذكرها في الكتاب والسنة الصحيحة، وتقرب فهم نصوص الوحي للناس ليفهموها كما فهمها السلف الصالح فهي أي (الدعوة السلفية) ـ ولله الحمد ـ تبيِّن حقيقة الدين الذي أوحاه الله لنبيه المصطفى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنصارها حزب الله حقاً وهم السائرون باتجاه خلافة على منهاج النبوة والسلف.

وشتان بين أن يكون المرء في حزب الله زوراً وافتراءً عداءً (تقيةً) و (جهراً) ، وبين أن يكون على الجادة سلفياً واضحاً حقاً.   

 

  إعداد: هشام بن فهمي العارف

15/6/1430 الموافق 8/6/2009