فاختلف الأحزاب من بينهم
الإثنين | 10/08/2009 - 10:17 مساءً

فاختلف الأحزاب من بينهم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

قال تعالى:

وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) [الزخرف]

قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ) قال ابن عباس:

1- "يريد إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، وخلق الطير، والمائدة، وغيرها".["الجامع لأحكام القرآن ـ القرطبي"]

وقال قتادة:

2- (الْبَيِّنَاتِ) هنا الإنجيل".

فعيسى ـ عليه السلام ـ جاءهم بالأمور الواضحات، التي لا تقبل الرفض بتاتاً، وخاطبهم لأنهم قومه المبعوث إليهم، فقال: (قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) قال قتادة:

3- "أي: النبوة".

 بادأهم عليه السلام بهذا القول (قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) فإنه جاءهم بما تقبله الفطر السوية ويقبله العاقل ويقدم عليه كل مؤمن، تمهيداً وترغيباً لهم ليتواصل معهم ويقفوا على تفاصيل رسالته التي فيها الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وترك الشرك ومحاربته، ففي دعوته عيه السلام الرحمة والمخرج من الاختلافات والفتن والاجتماع على الحق، يقول لهم مشفقاً عليهم (قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) لأعلمكم إياها.

وقال: (وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) قال مجاهد:

4- "بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة".

وقال ابن جرير:

5- "من أحكام التوراة".

وذهب قوم إلى أن "البعض" ها هنا بمعنى "الكل" لكن الزجاج صحّح وقال:

*- "والصحيح أن "البعض" لا يكون في معنى "الكل"، وإنما بيَّن لهم عيسى بعض الذي اختلفوا فيه مما احتاجوا إليه".

وقال الشوكاني:

6- "وقيل إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم".

فعيسى عليه السلام جاء بالبينات، وبالحكمة، وقال: وجئتكم لأبين لكم ولأصحح لكم بعض الأمور التي تختلفون فيها، إني أدعوكم إلى الصراط المستقيم الموصل للنجاة في الدنيا والآخرة.

وإنما لم يقل: (كل الذي تختلفون فيه)، لأنه لم يفعل ذلك، بل ترك بيان كثير من الأشياء، ليقف عند قضايا هامة هي من أس الفقه الأكبر، فاهتم عليه السلام في تصحيح مسائل الإيمان والمنهج، ومجادلة رؤساء الفرق الضالة فيما انتحلوه من مذاهب وحزبية حملتهم إلى الانحراف عن دين الله الحق، فدلّت الآية على اهتمامه صلى الله عليه وسلم ببيان القضايا الكبرى التي اختلفوا فيها بسبب ما ابتدعه الضلاّل من ألوان التأويلات التي خرجوا بها عن نصوص التوراة، أو قال به أنبياء بني إسرائيل، هذا إن لم يكونوا هم أصلاً تلاعبوا بتبديل النص ذاته.

ومع هذا فإن أهل الضلالة حين علموا أنه دعاهم إلى الحكمة التي تتوافق مع أصول شريعة التوراة لم يخل حاله من صدود مريع عنه وتكذيب. وإنما بعث ليبيِّن لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم.

فدعاهم عليه السلام لتقوى الله وطاعته وقبول نصيحته، فقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) قال الطبري:

7- "فاتقوا ربكم أيها الناس بطاعته، وخافوه باجتناب معاصيه، وأطيعون فيما أمرتكم به من اتقاء الله واتباع أمره، وقبول نصيحتي لكم".

وعنون لهم ذلك بقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ). فإذا أطاعوه عملوا بما يبين لهم فيحصل المقصود من البيان وهو العمل. وهو الدين الحق، (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). والسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، مثال ذلك تفسيرهم الصراط المستقيم: فقال بعضهم: هو القرآن، وقال بعضهم: هو الإسلام، ومنهم من قال أن الصراط المستقيم هو: السنة والجماعة. وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، وقول من قال: أنه الطريق الهادي إلى دين الله، وقول من قال: طريق الجنة، وقول من قال: طريق الحق، وقول من قال: هو دين الله الذي لا يقبل من عباده غيره، وقول من قال: صراط محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآله (عليهم السلام)، وقول من قال: طريق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحباه (يعني: أبو بكر وعمر)، والصراط المستقيم هو أيضاً الدعوة السلفية، فالكل أشار إلى ذات واحدة لأن الأقوال كلها متفقة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.

قال ابن كثير:

8- "وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً ولله الحمد".

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري:

9- "أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو الطريق المستقيم الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى".

بعث عيسى عليه السلام فجاء بالبينات، وبالحكمة، وجاء ليبيِّن ما سبّب لبني إسرائيل من اختلافات وتباينات وشطط في الدين، جاء من أجل ألا يكون هناك عذر في الانحراف والضلال، فما الذي كان بعد ذلك؟ قال تعالى: (فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) قال قتادة:

10- "يعني ما بينهم".

والأحزاب: جمع حزب، والمراد بهم الفرق التي تحزبت جماعاتها على الباطل، فالفرق المتحزبة من أجل ظهور الحق اختلفت اختلافاً نشأ من بينهم، ليس من قوله تعالى، ولا من قول عيسى عليه السلام. بل من تلقائهم، قال ابن عطية:

11- "بمعنى من تلقائهم ومن أنفسهم ثار شرهم، ولم يدخل عليهم الاختلاف من غيرهم".

نشأ اختلاف الأحزاب بسبب ظلمها وعنادها للحق، وهذه سنة الله في دعوة الرسل والأنبياء والمجددين، والدعوة السلفية حجة على الأحزاب المخالفة لحزب الله، فلم يكن للأحزاب عذر بعدها أن تتملص من تبعات مواجهة الحق بعد قيامه، فهذا الاختلاف الذي وقع بينها هو من مقدمات العذاب الأليم في الآخرة، فعلى الأحزاب بشتى ألوانها وأشكالها وطوائفها وهي حتماً باعت دينها لغير ربها، أن تعيد حساباتها من جديد، وأن تستقيم على الهدى، وتتبرأ من الضلالات والمصالح الدنيئة وتترك الهوى بعد ظهور الحق.

قال الطبري:

12- فاختلف الفرق المختلفون في عيسى ابن مريم من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته، وهم اليهود والنصارى، ومن اختلف فيه من النصارى، لأن جميعهم كانوا أحزابا .. مختلفي الأهواء مع بيانه لهم أمر نفسه، وقوله لهم:(إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).

وقد توعد الله هؤلاء الأحزاب الضالة والتي استحق رؤوسها غضب الله بسبب بشاعة موقفهم من الحق بقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ).

إعداد: هشام بن فهمي العارف

5/8/1430 الموافق 27/7/2009