التشنيع على جريمة التمييع
الجمعة | 14/08/2009 - 02:20 مساءً

التشنيع على جريمة التمييع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

فخذها بقوة

قال تعالى:

1- (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف/145]

قوله تعالى (وَكَتَبْنَا لَهُ) أي: كتب الله تعالى التوراة لموسى بيده،  وبيانه في محاججة آدم لموسى ـ عليهما السلام ـ قال آدم لموسى:

2- "وكتب لك التوراة بيده".[أخرجه ابن أبي عاصم في "ظلال الجنة"(145)، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، (وخطَّ لك التوراة بيده)]

وإضافة اليد إلى الله تعالى للتشريف، واليد يد الله تعالى ليست بجارحة، ولا جسم، ولا صورة، فنثبت له سبحانه ما أثبته لنفسه من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، فيده سبحانه وتعالى صفة حقيقية دالة على المعنى اللائق بجلاله سبحانه.  

وقوله: (فِي الألْوَاحِ) هي التوراة مما أمروا به ونهوا عنه.

وقوله: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: من كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم.

وقوله: (مَوْعِظَةً) نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكرة والتحذير مما يخاف عاقبته، وقوله: (وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ) أي: تبييناً لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود، والأحكام، والأخلاق والآداب.

وقوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) أي: بجد واجتهاد على إقامتها، وأداء ما فيها من الأمانة بصبر وجلد، وترك الوهن والضعف، وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لتحمل تكاليف الرسالة.

وليس معنى هذا التشدد، فشتان بين أن تأخذ دين الله بقوة، وبين أن تأخذه بتشدد وتنطع، أن تأخذه بقوة؛ يعني: بإخلاص وعزيمة، وأن تقيم الدين من غير إفراط ولا تفريط، بعيداً عن الحيلة والاحتيال في دين الله، وبعيداً عن التشدد الذي يصل إلى حدِّ العنف والإرهاب، وأخذه بقوة هي الوسطية التي أمر الله بها، وتعني التمسك بالحق والثبات عليه، وأحسن ما في الوسطية ضم أوامر المستحبات إلى أوامر الواجبات في طاعة الله لإقامة الدين. لذا قال: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) يعني أن فيها حسن وفيها أحسن، والتوراة فيها من كل شيء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

3- "والأمر يتضمن الأمر بالواجبات والمستحبات. ولا ريب أن الاقتصار على فعل الواجبات حسن، وفعل المستحبات معها أحسن". ["مجموع الفتاوى"(4/97)]

ولما وقع التمييع والتفريط منهم، صاروا إلى الضعف والوهن، مما جعلهم يتركون العمل بالكتاب، وترك العمل يؤدي إلى ضعف الإيمان واليقين، والضعف المهمل يصل بصاحبه إلى قسوة القلب، فكان لا بد من أمرهم بالعمل، لأجل أن تبقى قلوبهم لينة خاشعة مستعدة للاستجابة والطاعة، محافظة على الموعظة والاعتبار، متذكرة الآخرة تتقي عذاب الله لذا قال تعالى في السورة:

4- (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

قال مجاهد:

5- "هم المؤمنون من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرّفوه، ولم يكتموه، ولم يتخذوه مأكلة".

وقال الطبري ـ رحمه الله ـ:

6- "أي: والذين يعملون بما في كتاب الله، وأقاموا الصلاة بحدودها، ولم يضيعوا أوقاتها إنا لا نضيع أجر المصلحين".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

7- "أي: اعتصموا به، واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره".

ففي الآية الثناء على من تمسّك بما جاء في الكتاب عاملاً بما جاء فيه من الحق، ويثبت عليه. فلا يفعل فعل كثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، بل يمسك بالحق على الدوام، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر وفق ما جاء في الكتاب والسنة؛ ويحتمل الأذى فمن تمسَّك بهذه الشعيرة ـ على سبيل المثال ـ واحتمل الأذى وصبر فإن الله لا يضيع أجر المصلحين. وفي الآية تعريض بمن ترك العمل في الكتاب، وقد خصَّ الله تعالى الصلاة وهي داخلة في التمسك بالكتاب لعظم شأنها.

قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

8- "والمصلحون هم الذين يصلحون أعمالهم بامتثال أمر الله واجتناب نواهيه".["العذب النمير"(4/304)]

إن التمسّك بالكتاب يعني أخذه بقوة، وأخذه بقوة يتنافى مع التمييع الذي يميل إليه كثير من الجبناء بدعوى الحكمة والمصلحة!! ويتنافى التمسك بالكتاب مع التشدّد الذي يميل إليه كثير ممن تهوّروا من أهل الضلالة والأهواء والبدع بدعاوى متعددة بعيدة عن يسر الإسلام وسماحته ووسطيته.

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

9- "وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم".

ولمّا كان في الناس من لا يأخذ دين الله بقوة، ولا يتمسّك به كما أمر الله تعالى، ولا يعتصم بالكتاب والسنة، كان يستحق أن يفعل به ما فعل ببني إسرائيل في عهد موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ فقد قصَّ الله تعالى في الآية التالية ما جرى لهم فقال:

 10- (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) [الأعراف]

فقوله تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ) أي: رفعناه. قال مجاهد:

11- "أُخرج الجبل من الأرض، ورفع فوقهم كالظُلَّة، فقيل لهم: لتؤمنُنَّ أو ليقعنَّ عليكم".

وقوله تعالى: (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ) لم يبين هنا هذا الذي أتاهم ما هو؟ لكنه بعد ذلك في سورة البقرة بيَّن أنه التوراة التي بها فرق الله بين الحق وبالباطل، قال تعالى:

12- (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [سورة البقرة/53]

ولتذكير من ضلَّ عن الهدى بعد نعمة التوراة والقرآن، كان لا بد لمن أخذ منه الميثاق أن يؤمن به ويعمل. جاء هذا التذكير في المجتمع المدني بعد المكي وفيه اليهود، وفيه أيضاً مطالبة من آمن بالدعوة التي جاء بها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقوم بالدين حق القيام. ويعتبر مما جرى لبني إسرائيل من قبل، والميثاق مفعال من وثق يثق، مثل ميزان من وزن يزن. فجاء بيان هذا الحدث بأسلوب خطاب لبني إسرائيل، قال تعالى:

13- (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) [سورة البقرة]

قال في "التحرير والتنوير":

14- "وضمائر الخطاب لتحميل الخلف تبعات السلف كيلا يقعوا في مثلها وليستغفروا لأسلافهم عنها".

وقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

15- "الطور هو الجبل، كما فسره بآية الأعراف، ونص على ذلك ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وغير واحد، وهذا ظاهر".

وقوله تعالى: (بِقُوَّةٍ) قال البخاري: قال مجاهد:

16- "يعمل بما فيه".

وقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) أي: عليهم أن يتذكروا ما في التوراة من العلم والعمل، لذا قال أبو العالية والربيع:

17- "اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به".

قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

18- "ويفهم من هذه الآية أنه يجب على من خوطب بأوامر الله في كتبه المنزلة أن يلتزمها بقوة ونشاط واجتهاد، فلا يضعف فيها، ولا يفرط فيها؛ لأنها لا تمتثل على الوجه الأكمل إلا بالقوة والجد والاجتهاد".["العذب النمير"(4/307)]

ثم بعد مدة يسيرة من إلزامهم العمل بالحق، أعرضوا؛ قال تعالى في الآية بعدها:

19- (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ...) [البقرة/64]

قال ابن الجوزي:

20- "أي: أعرضتم عن العمل بما فيه من بعد إعطاء المواثيق".

وهكذا كانوا يرجعون إلى الإعراض مرة تلو المرّة من غير موعظة ولا اعتبار، على الرغم من فضل الله ورحمته عليهم بالعفو والتوبة، والإكرام بالهداية، والنصر على أعداء الله، إلى أن تعمّدوا العدوان بالحيلة والتأويل الضال في ابتلائهم بالسبت، فكانت النتيجة المسخ والإبعاد والطرد، لذا قال تعالى في الآية التالية (65):

21- (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).

قال ابن جرير ـ رحمه الله ـ:

22- "يقول: ولقد عرفتم، وهذا تحذير لهم من المعصية".

وقوله تعالى: (كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال ابن جرير:

23- "أي: صيروا كذلك، والخاسئ: المبعد المطرود".

وقال أيضاً:

24- "أي: مبعدين من الخير، أذلاء صغراء".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في "العذب" (4/286):

25- "والخاسئ في لغة العرب معناه: الحقير الذليل الخسيس، ولذا كانت (اخسأ) خطاباً للكلاب، كما قال ـ تعالى ـ لأهل النار مخاطباً لهم بالخطاب الذي يؤذن بالخسة والصَّغار:

26- (اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ(108) [سورة المؤمنون]

وأخرج ابن أبي حاتم عن شيبان النحوي، عن قتادة في قوله تعالى: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، قال:

27- "فصار القوم قروداً تعاوى، لها أذناب بعدما كانوا رجالاً ونساءٍ".

وقال الشيخ عبد القادر بدران ـ رحمه الله ـ:

28- "ليس بأمر لهم لأنهم لم يكونوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، بل المراد منه سرعة التكوين".["جواهر الأفكار"]  

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ":

29- "قال شيخنا ـ يعني ابن تيمية رحمه الله ـ: "وهؤلاء لم يكفروا بالتوراة وبموسى، وإنما فعلوا ذلك تأويلاً واحتيالاً، ظاهره ظاهر الاتقاء، وحقيقته حقيقة الاعتداء، ولهذا ـ والله أعلم ـ مسخوا قردة؛ لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له في الحد والحقيقة، فلما مَسخَ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جزاءً وفاقاً".["أعلام الموقعين"]

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

30- (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ) يا معشر اليهود ما حلَّ من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره إذ كان مشروعاً لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليس بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم، لما كانت مشابِهة للحق في الظاهر، ومخالفة له في الباطن كان جزاؤهم من جنس عملهم".

وبسبب معرفة الحق ومشاهدة الآيات ومعاينة ما يجري على أرض الواقع تعمّدوا التغافل عن شرع الله والعمل به، حتى غلظت قلوبهم وصلبت فهي كالحجارة لا تلين أبداً، وهل يرجى التأثير بعد ذلك في قلب تجاوزت قسوته صلابة الحجر الصلد؟ قال تعالى:

31- (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)  [البقرة/74]

قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

32- "يعني: قست قلوبهم ـ عن الإذعان لواجب حق الله عليهم، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم ـ أشد صلابة من الحجارة".

وقال ابن كثير:

33- "فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها أو أشد قسوة من الحجارة".

وهذا الوصف لقلوبهم إن دلَّ على شيء إنما يدل على مبلغ ما وصلوه في عنادهم وإصرارهم على الباطل، نعم وصلوا إلى هذا الوصف من القسوة لأنهم عرفوا الحق لكنهم اتخذوا منه مواقف متخاذلة فانقلبوا إلى الضد لدعوة الحق وأهلها.

وكما أمر الله تعالى موسى ـ عليه السلام ـ أن يأخذ التوراة بقوة، أمر عز وجل قومه أيضاً أن يأخذوها بقوة، لكنهم لما تهاونوا بدين الله، وتكرر منهم هذا التهاون على الرغم من التحذيرات والتنبيهات قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدَّ منها قسوة.

ويتكرر هذا التذكير في سورة البقرة بأسلوب خطاب لبني إسرائيل، خشية أن يفعل الخلف فعل سلفهم من التولي والإدبار وترك العمل بكتاب الله، فقال تعالى:

34- (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)[سورة البقرة]

فقوله تعالى: (وَاسْمعُوا): أي: سماع قبولٍ وطاعةٍ واستجابةٍ. فقالوا: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا): أي: عَلِمْنا وعَصَينا ـ يعني تركنا العمل (الطاعة والاستجابة) بعدما علمنا الحق.

ولعظيم مقالتهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) استحقوا هنا في الآية غضب الله تعالى وعذابه، بعد أن توعَّدهم بقوله في سورة الأعراف:

(سأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ(146)

ونالوا بسبب أعمالهم الفاسدة ما يستحقونه، فمنعهم الله من فهم الحجج والأدلة، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

35- "كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل".

فكان من جملة: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ..) أنهم بعدما قالوا: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) عاقبهم الله بأن صبغ حب العجل، وحب عبادته، وقوله: (وَأُشْرِبُوا) أي: وهو من الإشراب: وهو مداخلة سائغة كالشراب، نعوذ بالله تعالى من الفتن والخذلان.

وفي عهد زكريا ـ عليه السلام ـ  لم تتوقف خشيته عند حدِّ تخوّفه من الموالي بما لا يقوموا لله بدينه حق القيام، بل تعدّى في تخوِّفه من أن يضيع إرثه وإرث آل يعقوب من النبوة، والعلم الشرعي، والأخلاق الحميدة، والدين، وهذا الذي دفعه ـ عليه السلام ـ إلى الاجتهاد في الدعاء بأن يرزقه الله الولد، ليرثه ويرث آل يعقوب.

إن ضياع إرث النبوة في بني إسرائيل بالتمييع والتفريط، أو بالإفراط والتشدد، يعني الفلتان بكل الاتجاهات، وبالتالي هلاك بني إسرائيل، وضياع الدين، فمن أجل حرصه ـ عليه السلام ـ على استمرارية الصدع بالحق في بني إسرائيل من بعده، ولئلا يغيِّروا الدين أقبل على ربه ـ عز وجل ـ مجتهداً بالدعاء.

واستجاب الله دعاء زكريا فولد له يحيي وكانت ولادته قبل ولادة المسيح عيسى بن مريم  ـ عليهم السلام ـ وكلاهما ابني خالة، ويحيي أول من صدّق بعيسى.

لقد كان زكريا ـ عليه السلام ـ له خبرة في أعمال بني إسرائيل، ومخالفاتهم الشرعية التي كانوا يستحقون بموجبها أن يسلّط عليهم الأعداء يسومونهم سوء العذاب، لقد تخوَّف أن يقع فيهم شرّاً بسبب فسادهم، وبعدهم عن العبرة التي وقعت لأجدادهم في الفساد الأول الذي سلِّط من أجله عليهم (نبوخذ نصّر).

وسبب ما كان يقع لبني إسرائيل من ويلات هو تغلّظ الفساد في الأجيال المتأخرة منهم، على الرغم من وجود الأنبياء فيهم، ويعزو المؤرخون سبب ما فيهم من الفساد أن لهم طباعاً رديئة للغاية، ومن هذه الصفات: الطمع، والحسد، وعدم الاتفاق، والانهماك في الخلاعة واللذات، والتردي في مختلف المعاصي، وعدم الترفع عن اقتراف الدنايا في سبيل المال، وفي سبيل الغاية التي يرمون إليها.

أضف إلى هذا الفساد؛ فساداً أغلظ وهو العناد في الضلال، وإحداث البدع، وممارسة أخلاقيات النفاق، والوقوع في الكفر، والاستهزاء بالأنبياء، والصد عن الاهتداء بهديهم. وهذه الطباع لا تؤهلهم أبداً أن يكونوا قدوة يقودون الناس فيها إلى الخير، أو سفراء دعوة يدعون الناس إلى دين الله الإسلام، ولا يصلحون بهذه الطباع أن يكونوا قائمين على خدمة المسجد الأقصى الذي هو منارة دعوة الناس إلى توحيد الرب ـ عز وجل ـ كما كان في زمن أسلافهم.

واستجاب الله دعاء زكريا ـ عليه السلام ـ فبعد أن ولد يحيي ـ عليه السلام ـ وحصلت بولادته معجزة، وصاحبتها آية، تلتها ولادة عيسى بمعجزة أكبر من سابقتها، فشكلت تلك الأحداث المتتالية اهتزازات قوية في بني إسرائيل، وابتلاءات شديدة مهدت ليحيي ـ عليه السلام ـ حتى إذا ما ترعرع أوحى الله تعالى له:

36- (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)  [مريم/12]

والأخذ: التلقي والتفهم، والكتاب: التوراة، فكان المطلوب من يحيي ـ عليه السلام ـ أن يتلقى التوراة بتدبّرٍ وتفهّمٍ وإتقان وعزيمة وجد في العمل. فتفضل الله تعالى عليه بأن أعطاه الفهم والفقه والحكمة، فأقبل على التوراة بجد وعزم، وأقامها في نفسه قبل أن يأمر بها غيره.

قال العلامة الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

37- "دل الكلام السابق على ولادة يحيى، وشبابه، وتربيته، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره ولهذا قال: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو في حال صغره وصباه".

إن ترك العمل بكتاب الله، لا يؤدي إلى الضعف والوهن فحسب بل الاستمرار في هذا الجانب من الضعف يقلب القلب إلى جانب القسوة، قال تعالى:

38- (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) [الأنعام/43]

أي: فلم يتضرعوا لما جاءهم بأسنا، بل استمروا على المخالفة والضلال، والتباعد عن العمل بكتاب الله، فتسبب إصرارهم على المعصية وترك العمل بعد معرفة الحق ونزول البأس بقسوة القلب، فغلبهم الشيطان فانصرفوا لإعجابهم بأعمالهم عن الدعاء والتضرع لله.

قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:

39- "أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لكنهم لم يتضرعوا، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمرّدهم وغلوّهم في الكفر".

                 

المزيد