ومنهم من أخذ الميثاق بنفاق
الجمعة | 21/08/2009 - 07:31 صباحاً

ومنهم من أَخذَ الميثاق بنفاق

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

من المواثيق والعهود التي أخذها الله على بني إسرائيل: أنه لا معبود بحق إلا الله، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والرأفة بالأيتام والمساكين، وأن يقولوا للناس حسناً، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونهاهم الله تعالى عن قتل بعضهم البعض، ونهاهم عن طرد بعضهم البعض من ديارهم، وأمرهم أن يأخذوا ما في التوراة بعزيمة وإخلاص، وأمرهم بالسمع والطاعة للكتاب والسنة، وأمرهم الله تعالى بإظهار الحق وعدم كتمان العلم، وأمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، ونهاهم عن الاحتيال في الدين.

وفي النص التالي ميثاق أخذه الله على بني إسرائيل يؤكد عليهم إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل والقيام بما يجب لهم من الاحترام والطاعة والنصرة، والإنفاق في سبيل الله تعالى.

واخترت هذا النص لتذكير المسلمين بما كان من أمر أهل الكتاب وانحرافهم ونقضهم مواثيق الله، فهل يفيق المسلمون اليوم فينصاعوا بعد هذه التذكرة إلى أخذ القرآن العظيم وسنة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوة، كما فعل الصحابة والسلف الصالح ـ رضوان الله عنهم ـ فتعود لهم العزة وترتفع عنهم الذلة؟ أم أنهم بمحض إراداتهم البائسة يطلبون بعد التذكرة الإصرار على الباطل ليظلوا حملة لكتاب الله من غير فقه؟!! فلا يتعظون مما وقع لأهل الكتابين فينتهي حالهم ـ إلا من رحم ربي ـ إلى مزيد من الذلة بسبب لسان حالهم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)!!  

نص الميثاق

قال تعالى:

1- (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) [سورة المائدة]

وإسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - للاهتمام بشأن هذا الخبر، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع الله - تعالى - حتى لا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم وعدم الوفاء بها. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

2- "لما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه، الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكَّرهم نعَمَه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطرداً عن بابه وجنابه، وحجاباً لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) يعني: عُرَفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع، والطاعة لله ولرسوله ولكتابه".

وأصل التنقيب التفتيش، لذا فمن عناية الله ـ عز وجل ـ بهم أن جعل عليهم من  يوجهونهم ويؤدبونهم، والنقيب في كلام العرب كالعريف على القوم غير أنه فوق العريف، والعريف يفتش عمَّن جُعل عريفاً عليه، ونقيب القوم من يفحص ويبحث أحوالهم وأسرارهم، ثم صار علماً على رئيسهم وصاحب التوجيه والأمر فيهم. فهو كفيل عليهم بالوفاء بالعهد توثقة عليهم. وفي "معاني القرآن" لأبي جعفر النحاس:

3- "النقيب في اللغة: الأمين الذي يعرف مداخل القوم".[2/176]

وقال الشيخ السعدي:

4- "أي: رئيساً وعريفاً على من تحته، ليكون ناظراً عليهم، حاثاً لهم على القيام بما أُمِرُوا به، مطالباً يدعوهم".

وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

5- "ينبغي للناس أن يتخذوا نقباء يرجعون إليهم في أمورهم عند النزاع يكونون مصلحين، وعند الإشكال يكونون موضحين، وما أشبه ذلك، ولهذا أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كانوا ثلاثة في سفر أن يؤمِّروا أحدهم من أجل أن يوجههم ويدبر شؤونهم ولا يكن الأمر فوضى".["التفسير الثمين"]

وقال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:

6- "فالنقباء قوم كبار من كل سبط تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله تعالى".

(وقال الله إني معكم) أي: بالنصر والتأييد، وهذه المعية خاصة، وفيها إشعار لمن موالاته ومعاداته خالصة لله، أنه عز وجل معه يؤيده وينصره، ويقيمه على الحق، ما دام محافظاً على الميثاق.

ولمّا أنهى الترغيب بالمعية ذكر الذي واثقهم عليه فقال: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) وقدَّم هذه على الإيمان تشريفاً للصلاة والزكاة.

وقال: (وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي) لأنه لا بد من الإِيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود. وإلا لم يكن لإِقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإِيمان بجميع الرسل.

وقال: (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) قال مجاهد:

7- "نصرتموهم".

من التعزيز بمعنى النصر والإِعانة، يقال: عزر فلان فلاناً إذا نصره وقوّاه، وأصل معناه: المنع والذب؛ لأن من نصر إنساناً منع عنه أعداءه. فلا بد من نصرتهم في حياتهم بالدفاع عنهم والجهاد معهم لإعلاء كلمة الله، ونصرتهم بعد وفاتهم بأن يكون على منهاجهم في الحق الذي بعثوا فيه.

وقال: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: بذلتم المال عن طيب نفس، وخصَّها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها.

لئن فعلتم كل هذا (لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) وهذا جواب القسم، وقد سدَّ مسدَّ جواب الشرط، (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ)أي: من كفر بعد هذا الميثاق ولم يقم بما واثق الله عليه (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فقد تاه عن الهدى ودين الحق.

عقوبة نقض الميثاق

8- (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

9- "وهذه من الذنوب التي ارتكبوها".

وقال البخاري ـ رحمه الله ـ:

10- "(فَبِمَا نَقْضِهِمْ): بنقضهم".

وقال أبو عبيدة ـ رحمه الله ـ:

11- "والعرب تستعمل (مَا) في كلمهم توكيداً".["الفتح"(8/118)]

قال شيخ الاسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

12- "وقد أخبر أنه بنقضهم ميثاقهم لعنهم وأقسى قلوبهم؛ لا بمجرد المعصية للأمر، فكان هذا أن عقوبة هذه الواجبات الموثقة بالعهود من جهة النقض أوكد".["مجموع الفتاوى"(28/496)]

وقال الشيخ العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ:

13- "النقض: ضد العقد؛ أي حلّهم الميثاق".

فرتب الله تعالى على نقضهم الميثاق أربع صفات ذميمة، وختمها بخامسة هي أصل في نفوسهم الخبيثة فأخَّرها تعظيماً لجرمهم لأنها تستحق بقية الصفات:

أولها: قوله تعالى: (لَعَنَّاهُمْ) واللعن، ويعني الطرد عن الهدى والإبعاد عن الحق. قال الحرالي:

14- "واللعن إسقاط الشيء إلى أردى محل حتى يكون في الرتبة بمنزلة النعل من القامة".["فيض القدير"(5/267)]

ومن لعنه الله لعنه اللاعنون كما قال عبد الله بن مسعود:

15- "وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن هو في كتاب الله".["الفتح"(8/630)]

أراد بذلك لعن من فعل مثل هذا الفعل فيكون العموم ما زال باقياً، قال النووي ـ رحمه الله ـ:

16- "ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك: لعن الله الظالمين، أو لعن الله الكافرين، أو المصورين، أو الفاسقين".["الأذكار للنووي"(315)]

وقال ابن حجر:

17- "وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَاز لَعْن مَنْ اِتَّصَفَ بِصِفَةٍ لَعَنَ رَسُول اللَّه ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَا لأنَّهُ لا يَطْلِق ذَلِكَ إِلاَّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقّهُ".["الفتح"(8/631)]

والصفة الثانية: قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) يعنى لا يرجى منهم خير، فمن قسا قلبه لا تفيد فيه المواعظ والنذر. وخصَّ القلوب لأنها مكان الرحمة والخير. وهذه الصفة أفردتها بالتفسير في المقالة:

18- (أيها السلفيون!! احذروا هاوية التنظير بعيداً عن العمل)

والمقالة:

*- (التشنيع على جريمة التمييع)

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

19- "والقلوب ثلاثة:

قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه.

وضده القلب اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه ويحفظه بتماسكه.

بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لميعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها.

فخير القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه ويحفظه بصلابته".["شفاء العليل"(1/105-106)]

وقال ـ صلى الله عليه و سلم ـ:

20- "إن لله آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها".["الصحيحة"(1691)]

والصفة الثالثة: قوله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) قال البخاري:

21- "يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله".

وقال أبو عبيدة:

22- "يقلبون ويغيِّرون".

وقال الراغب:

23- "التحريف: الإمالة، وتحريف الكلم: أي يجعله على حرف من الاحتمال، بحيث يمكن حمله على وجهين فأكثر".["الفتح"(13/534،533)]

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

24- " أي: فسدت فُهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذًا بالله من ذلك".

فأمثال اليهود في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اليوم من أهل الأهواء والبدع والنفاق لا يزالون مستمرين على التأويل الفاسد لكتاب الله، والتأويل الفاسد لحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والتأويل الفاسد لفهوم الصحابة والسلف الصالح، لغرض الوصول إلى أهداف هي في غاية الخساسة والقذارة، فإنهم يتناولون القرآن والحديث على غير معناه، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

25- "ثم كان الانحراف في هذه الأمة بسبب التأويل عظيماً، وقد حذا فيه المؤولون المحرفون حذو اليهود والنصارى، حتى إنك لو رأيت تأويلات اليهود والنصارى لنصوص التوراة في الأخبار والأمر والنهي لقلت: إن أهل التأويل الباطل من هذه الأمة إنما تلقوا تأويلاتهم عنهم، وعجبت من تشابه قلوبهم، ووقوع الحافر على الحافر، والخاطر على الخاطر".["الصواعق المرسلة"(1/361)]

وقال الطبري ـ رحمه الله ـ:

26- "وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودَنا من بني إسرائيل قَسِيَّة، منزوعاً منها الخير، مرفوعًا منها التوفيق، فلا يؤمنون ولا يهتدون، فهم لنزعِ الله عز وجل التوفيقَ من قلوبهم والإيمانَ، يحرّفون كلام ربِّهم الذي أنزله على نبيهم موسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهو التوراة، فيبدّلونه، ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جل وعز على نبيهم، ثم يقولون لجهال الناس: "هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والتوراة التي أوحاها إليه". وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود، ممن أدرك بعضُهم عصرَ نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولكن الله عزّ ذكره أدخلهم في عِدَاد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرَك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله، والفرية عليه، ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة".

والصفة الرابعة: قوله تعالى: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: أنهم تركوا العمل بكتاب الله، وشأن العمل به عظيم، لكنهم أهملوا العمل لعدم اهتمامهم بالميثاق الذي أخذ عليهم على الرغم من تذكيرهم وسبب ذلك الرغبة عنه. قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ:

27- "والمراد تركهم وإهمالهم نصيباً مما ذكروا به من الحكمة والموعظة الحسنة، فنسوا ذلك وتركوا العمل به وأهملوه".["فضل علم السلف على الخلف"]

وقال غيره:

28- "تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة".[نقله ابن كثير]

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

29- "فجعل ذنب النقض موجباً لهذه الآثار: من تقسية القلب، واللعنة، وتحريف الكلم، ونسيان العلم".["مدارج السالكين"(2/25)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

30- "وإن قوماً من هذه الأمة ممن ينسب إلى علم أو دين قد أخذوا من هذه الصفات بنصيب يرى ذلك من له بصيرة؛ فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله ولهذا كان السلف يحذرونهم هذا".["اقتضاء الصراط المستقيم"(1/90)]

والصفة الخامسة والتي هي أصل في نفوسهم الخبيثة: قوله تعالى: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) قال قتادة:

31- "على خيانة وكذب وفجور".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: 

32- "يعني: مكرهم وغَدْرهم لك ولأصحابك".

فأمثال هؤلاء في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا فعلوا فعلهم بنقض المواثيق فإنهم خونة لا وفاء لهم ولا أمان.

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

33- "ولفظ الخيانة حيث استعمل لا يستعمل إلا فيما خفي عن المخون، كالذي يخون أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده و لو شاهده لما خانه".["مجموع الفتاوى"(14/440)]

وقوله تعالى: (إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) استثناء ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل ذمة.  

ولمّا دخل النصارى ببني إسرائيل خصَّهم الله بالذكر فقال:

34- (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)[سورة المائدة]

ليبيِّن أن سبيل الضالين هو سبيل المغضوب عليهم في نقض المواثيق، قال صاحب التفسير الكبير:

35- "وإنما قال: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) ولم يقل: ومن النصارى، وذلك لأنهم سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله تعالى، وهم الذين قالوا لعيسى (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدح، فبيَّن الله تعالى أنهم يدّعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى".

ونقل القاسمي قول الناصر:

36- "أنه لمّا كان المقصود في هذه الآية ذمّهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى، ناسب ذلك ان يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة. وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بدعوى النصرة وقولها دون فعلها".

فتسبب نقضهم الميثاق أنهم خرجوا من دائرة المحظوظين لأنهم تركوا وأهملوا نصيباً كبيراً مما ذكّروا به من الحكمة والموعظة الحسنة، فصاروا إلى حالة رديئة، قال تعالى: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فافترقوا في دينهم واتبعوا أهواءهم، فوقعت بينهم الخصومات والجدال، وكل فرقة تعادي الأخرى وتبغضها، قال البخاري ـ رحمه الله ـ:

37- "الإغراء: التسليط".

وقال ابن حجر ـ رحمه الله ـ:

38- "تفسير الإغراء بالتسليط يلازم معنى الإغراء؛ لأن حقيقة الإغراء كما قال أبو عبيدة: التهييج للإفساد".["الفتح"(8/118)]

وقال إبراهيم النخعي ـ رحمه الله ـ:

39- "أغري بعضهم ببعض في الجدال (والخصومات) في الدين".["ذم الكلام وأهله"(65و826)]

وقال قتادة:

40- "إن القوم لمّا تركوا كتاب الله، وعصوا رسله، وضيعوا فرائضه، وعطّلوا حدوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمره، ما افترقوا ولا تباغضوا".[أخرجه الطبري وإسناده حسن]

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

41- "ولذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفِّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً".

ولم يذكر الله تعالى للضالين ما ذكره للمغضوب عليهم من العقاب، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أغري (بمعنى: ألصق) بالآخر من شدة العداوة والبغضاء بينهم، وليس لفترة زمنية مؤقتة أو جيل منهم بل مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، ففي ذكر أعمال النصارى فائدة لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليمتنع البصير من مفارقة أهل الحق.

قال إبراهيم النخعي ـ رحمه الله ـ:

42- "ما أرى الإغراء في هذه الأمة إلا الأهواء المتفرقة والبغضاء".["ذم الكلام وأهله"(820)]    

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

43- "وهذا حال أهل الأهواء هم مختلفون في الكتاب، مخالفون الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع تلك الأقوال فصاروا كما قال عن أهل الكتاب".

وقال ـ رحمه الله ـ:

44- "فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء، إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه؛ بل (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) [المؤمنون]وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق إلا ما وافقوا فيه الرسول، وهو ما تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر به، وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" وقد تكون تلك البدعة أعظم عندهم مما أخذوا به من الشرعة".["مجموع الفتاوى"(13/157-158)]

وقوله تعالى: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) تهديد لهم؛ أي: سيلقون جزاء نقض الميثاق. قال ابن كثير:

45- "وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله ورسوله، وما نسبوه إلى الرب عز وجل وتعالى وتقدس عن قولهم علواً كبيراً؛ من جعلهم له صاحبة وولدا تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد".

إعداد: هشام بن فهمي العارف

29/8/1430 الموافق 20/8/2009