تجديد الدين للعلماء الشجعان الصادقين
الخميس | 27/08/2009 - 07:53 صباحاً

تجديد الدين للعلماء الشجعان الصادقين  

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

قال تعالى:

1- (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) [سورة البقرة]

أسند الله الدفع لنفسه لأنه هو الذي قدَّره وقدَّر أسبابه، مع العلم أن الناس يباشرون الدفع بعضهم ببعض، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

2- "أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشفُ شَرّ أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدِّره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف".

وقال مجاهد:

3- "ولولا دفع الله ظلم قوم بشهادات العدول ونحو هذا".

وقال:

4- "أن معناه: لولا أن الله يدفع بمن أطاعه عمن عصاه، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه، لهلك العُصاة بسرعة العقوبة".

وقال قوم:

5- "دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة".

وقالت فرقة:

6- "دفع العذاب بدعاء الأخيار".

وقيل أن معناه:

7- "لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد".

 

وقال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:

8- "لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى وإظهار دينه".

وقال صاحب التحرير والتنوير:

9- "ذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف، خلقها قابلة للاضمحلال، وأودع في أفرادها سننا دلَّت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده، ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثاً في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلاّ وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافاً عن الأفراد عند اضمحلالها، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان، والبذر في النبت، والنضح في المعادن، والتولد في العناصر الكيماوية. ووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بقاء الأنواع، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة، لاختلال أو انعدام صلاحيتها، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها".

واعلم أن ظهور الفساد وانتشاره لا يتم عبثاً، ولا اعتباطاً، وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن طاعة الله تعالى، وارتكابهم المعاصي.

وعلى رأس هذه المعاصي انتشار الكفر والشرك، فهي أعظم فساد الدين، والقتل وسفك الدماء، وهي أعظم فساد الدنيا، ويتبعها المحدثات في الدين والأحقاد والعدوان والظلم، والفتن، والمعاصي والمنكرات، ونقص البركة في الزروع والثمار والمطاعم والمشارب، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس بمنفعة. قال ـ تعالى ـ في سورة البقرة:

10- (..وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)

فالله ـ تعالى ـ نفى محبته للفساد من الأصل. والفساد اسم لجميع المعاصي، من غير فرق بين ما فيه فساد الدين، وما فيه فساد الدنيا، قال أبو العالية:

11- "من عصى الله في الأرض فقد أفسد فيها، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة".[نقله ابن كثير في "تفسيره"]

 

قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

12- "والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق".

وقال العباس بن الفضل:

13- "والفساد هو الخراب".["الجامع لأحكام القرآن" ـ القرطبي]

والفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، وهو ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، وجاء نفي محبة الله للفساد في ختام وصف سعي المنافق في الأرض إذا تولّى العمل فيها، قال تعالى:

14- (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ..(205)

قال ابن كثير:

15- "فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما".

وقال مجاهد:

16- "إذا سُعي في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أي: لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك".

وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ:

17- (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا) بإلقاء الشبه على ضعفاء المريدين، (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ويحصد بمنجل تمويهاته زرع الإيمان النابت في رياض قلوب السالكين ويقطع نسل المرشدين، (والله لاَ يُحِبُّ الفساد) فكيف يدَّعي هذا الكاذب محبة الله تعالى ويرتكب ما لا يحبه".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

18- "وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسناً".

وقال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

19- "وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى؛ (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة/64]؛ فالله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين؛ فالفساد نفسه مكروه إلى الله؛ والمفسدون أيضاً مَكروهون إليه لا يحبهم".

والجملة الأخيرة اعتراض للوعيد، فلا بد من الحذر فالله تعالى لا يحب الفساد ولا يرضى به، فالفساد موجب لغضبه، وقد حذَّر الله تعالى من الفساد في مطلع سور التنزيل وأنه سبحانه أنزل بعاد وثمود وفرعون وقومه العذاب بتتابع وعنف فقال:  (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) [الفجر/13]

وإذا ظهر الفساد فلا بد من العمل على إزالته وأول أعمال الإزالة دعوة الناس إلى عبادة الله بحق، واتباع منهاج النبوة والسلف، وإصلاح ما أفسد، ومجاهدة من يسعى بحيلته وإرادته ويعمل بالعدوان والظلم، لذا فإقامة الحدود زجر عن الفساد، فإذا تعطلت الحدود ظهر الفساد في البر والبحر.

وهذا الفساد المقدَّر بيّن الله تعالى إنما يكفّه على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة الدين من المجددين، والقائمين بالأمر بالمعروف والناهين عن المنكر، والملوك الذين يمكّنهم ويسخِّرهم الله للدفاع عن الشريعة، على ما قال تعالى:

20- (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر) [سورة آل عمران/110]

وسبُّ القائمين على الدين من الأمور المضرة بالمسلمين، وأنه من أبلغ الفساد في الأرض كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

21- "لما فيه من ذل الإيمان وعز الكفر".["الصارم المسلول"(ص:404)]

قال صاحب التفسير الكبير ـ تجاوز الله عنه  ـ:

22- "فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن زائلة، والمصالح حاصلة فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا بد في تنفيذ الشريعة من الملك".

فاللَّه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيراً، فالفرقة الناجية لا يخلو منها زمن من الأزمنة.

قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

23- "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال".["الصحيحة"(1959)]

فالعلماء الأمناء المجددون في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل الحديث والسلف هم ومن معهم الفرقة الناجية القائمون على الحق؛ يدفعون ـ ولله الحمد ـ فساد وشرور المنافقين، والمبتدعة، والكفّار، والمشركين، والفسّاق، والظلمة، والعصاة، والهرج والفتن، ويبقى لهم دائماً السبق في المدافعات والمكافحات لكي لا تفسد الأرض، قال تعالى:

24- (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) [الواقعة/10]

وهم الذين سبقوا غيرهم إلى كل قول أو فعل فيه طاعة لله – تعالى، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

25- "في كل قرن من أمتي سابقون".["الصحيحة"(2001)]

فالفرقة الناجية نجت ـ بفضل الله تعالى ـ من الفساد لأنها سبقت إلى التخلص منه بالتقوى، وسبقت لتخلِّصَ الناس من الفساد والمفسدين في الأرض.

وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

26- ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويتقيدون بأمره، ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". [أخرجه الإمام مسلم(49)]

قال ابن شبرمة ـ رحمه الله ـ:

27- "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك".[نقله ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"(الحديث:34)]

 

وقال ابن رجب:

28- "فإن خاف السبَّ أو سماع الكلام السيء لم يسقط عنه الإنكار بذلك، نص عليه الإمام أحمد. وإن احتمل الأذى وقوي عليه فهو أفضل، نص عليه الإمام أحمد أيضاً".

وقد زكّى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الفرقة من الناس لأنها ظاهرة على الحق، تقاتل عليه، وجعلها الله منصورة في كل حين، فالفرقة الناجية ليست ناجية من الفتن والعذاب فحسب بل ناجية ومنصورة أيضاً لأن جهادها لم يتوقف عند حد النجاة من الفساد، بل تجاوزت بأفعالها وصدقها مع ربها إلى منع الفساد ومواجهة المفسدين، ابتداءً بجرحهم وفضحهم وبيان عوارهم، وانتهاءً باستئصالهم وتخليص العباد من جرائمهم، لذا فأهل الحديث الذين هم على طريقة السلف الصالح ـ رضوان الله عنهم ـ دخلوا في سنة الله الكونية (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ).

فمن منع الفساد وجاهد المفسدين من الفرقة الناجية منصور ومؤيد بالعزة بإذن الله؛ قال تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: كسروهم وغلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم وتوفيقه، ولمّا كان شأن أهل الحق الثبات فرَّ أهل الباطل ولم يثبتوا لعدم يقينهم، لذا وصل أصحاب الطائفة المنصورة بثباتهم إلى:

29- "مقام التمكين فلا يخشون الرجعة والردة".[قاله الألوسي ـ رحمه الله ـ]

ولمّا سأل قيصر أبا سفيان عمَّن أسلم مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال:

30- "وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد".

فلا يفرح أهل الضلال والفساد على شتى طوائفهم بباطلهم، ولا بقوتهم، ولا بأموالهم، لأن الله تعالى توعّدهم بالهزيمة والخزي والعار.

قال الإمام المظفَّر السمعاني ـ رحمه الله ـ:

31- "أبى الله أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث، لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفاً عن سلف، وقرناً عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأخذه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس من الدين المستقيم والطريق القويم إلا هذا الطريق الذي سلك أهل الحديث".["كتاب الانتصار"]

وقد وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله:

32- "وهم أعظم الناس صدقاً وأمانة وعلماً وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل".["منهاج السنة النبوية"(7/35)]

قال ابن حبان ـ رحمه الله ـ:

33- "فهؤلاء أئمة المسلمين، وأهل الورع في الدين، أباحوا القدح في المحدّثين وبيَّنوا الضعفاء والمتروكين، وأخبروا أن السكوت عنه ليس مما يحل، وان إبداءه أفضل من الإغضاء عنه".["مقدمة كتاب المجروحين"]

ومن ظنَّ بأهل الحديث الذين هم على طريقة السلف سوء الظنِّ فهو زنديق، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

34- "أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين أن هؤلاء أحق بالصدق والعلم والإيمان والتحقيق ممن يخالفهم، وأن عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع وأن الذي عندهم هو الحق المبين، وأن الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من الحشو ما معه ومن الضلال كذلك".["مجموع الفتاوى"(4/85)]

ولنا أهل الحديث السلفيون أن نظنَّ بالمخالفين سوء الظنِّ، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

35- "هم مظنة فساد الأعمال إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان، ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد، وعامة شيوخهم يرمون بالعظائم، وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه".["مجموع الفتاوى"(4/53)]

وأهل المخالفة مظنة فساد الأعمال لأنهم ينتقلون من قول إلى قول، ويجعلون دينهم غرضاً للخصومات، أما الذين أخذوا الكتاب بقوة  ووفقهم الله تعالى إلى هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والسلف فما يُعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

36- "بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين".["مجموع الفتاوى"(4/50)]

وكان يقع بين أهل الحق وأهل الباطل مدافعات ومكافحات لكي لا تفسد الأرض بإظهار الدلائل والبراهين والبيِّنات، قال تعالى:

37- (كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور)[إبراهيم/1]

ووقعت المدافعات بين أهل الحديث وغيرهم من أهل الباطل لأن أهل الحديث يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخشون في الله لومة لائم، ولأن أهل الحديث يذبّون الكذب عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يخشون أحداً حتى الأمراء والولاة قال ابن خزيمة ـ رحمه الله ـ:

38- "كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد، فحدَّث عن أبيه بحديث وهم في إسناده، فرددت عليه، فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة، فلم يقدر واحد منّا أن يردّه عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديثاً لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه خطأ أو تحريف فلا أردّه".[ذكره السبكي في "طبقات الشافعية"(3/111)]     

وقال أحمد بن سنان ـ رحمه الله ـ:

39- "كان الوليد الكرابيسي خالي، فلمّا حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث؛ فإني رأيت الحق معهم، لست أعني الرؤساء، ولكن هؤلاء الممزّقين، ألم تر أحدهم يجيء إلى الرئيس منهم فيخطئه ويهجِّنه؟![ذكره الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص:107)]     

وقال نصر بن حمّاد ـ رحمه الله ـ:

40- "كنّا بباب شعبة ومعي جماعة وأنا أقول لهم: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر في الوضوء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال فلطمني شعبة لطمة، ودخل الدار ومعه عبد الله بن إدريس، قال: ثم خرج بعد ذلك، وانا قاعد أبكي، فقال لعبد الله بن إدريس: بعد هو يبكي؟ فقال عبد الله: إنك لطمت الرجل! فقال: إنه لا يدري ما يحدِّث، إني سمعت أبا إسحاق يحدّث بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء فقلت لأبي إسحاق: من عبد الله هذا؟! فغضب، فقال مسعر: إن عبد الله بن عطاء حي بمكة، قال: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث فأتيت مكة فسألت عن عبد الله بن عطاء...(القصة)".

قال ابن حبان بعد أن روى هذه القصة:

41- "فهذا كان دأب شعبة في تفتيش الأخبار والبحث عن سقيم الآثار".

ثم روى عن وكيع أنه قال:

42- "إني لأرجو أن يرفع الله عز وجل لشعبة درجات في الجنة بذبّه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ".["كتاب المجروحين"(ص:32)]

ووقعت المدافعات بين أهل الحديث وغيرهم من أهل الباطل لأن أهل الحديث أسقطوا كل من تستر بالصلاح أو لأنهم كشفوا كل من تديَّن لترغيب الناس في أفعال الخير، أو لنهم عرّوا وفضحوا كل من تظاهر بالدعوة السلفية، قال الشيخ محمد خضر حسين ـ رحمه الله ـ:

43- "تهافت كثير من أصحاب الضمائر المعتلَّة على منصب الدعوة، واجتهدوا في كتم سرائرهم بغاية ما يستطيعون، وما لبثوا أن انكشف سرّهم، وافتضح أمرهم؛ سنَّة الله في الذين يظهرون بغير ما يعلمون من أنفسهم".!!!!!["الدعوة إلى الإصلاح"]

وقد جمعت كلامه ـ رحمه الله ـ بهذا الشأن في مقالة بعنوان:

44- "أذكياء الناس يحترسون ممن يخرج في زيِّ مصلح".

وقال يحيي بن سعيد القطّان ـ رحمه الله ـ:

45- "ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث".

يريد هؤلاء الذين يتسترون بزيِّ مصلح، قال العراقي في شرح ألفيته:

46- "وضرب يتدينون بذلك لترغيب الناس في أفعال الخير بزعمهم، وهم منسوبون إلى الزهد، وهم أعظم الأصناف ضرراً، لأنهم يحتسبون بذلك، ويرونه قربة، فلا يمكن تركهم لذلك، والناس يثقون بهم ويركنون إليهم، لما نسبوا له من الزهد والصلاح".

فأهل الحديث ـ ولله الحمد ـ لهم جهد عظيم في الذب عن دين الله الإسلام، وفي ذب الكذب عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعلى أيديهم جعل الله الخزي والعار لكل من كذب على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ادعى الصلاح والإصلاح وهو في الحقيقة من أكثر الناس فساداً وإفساداً. قال عبد الرحمن بن مهدي ـ رحمه الله ـ:

47- "لو أن رجلاً همَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله".   

ووقعت المدافعات بين أهل الحديث وغيرهم من أهل الباطل لأن أهل الحديث يبغضون أهل البدع والأهواء الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، قال الإمام أبو عثمان الصابوني ـ رحمه الله ـ:

48- ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين".["عقيدة أصحاب الحديث"(ص:100)]

ومن هذه المدافعات التي وقعت بين أهل الحق وأهل الباطل وأخبر الله تعالى عنها في كتابه العزيز ما جرى بين جالوت الفلسطيني الكافر وجنوده الذين استأصل الله فسادهم بما كان من طالوت وأصحابه، حتى يفهم الناس أنه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل عليه.