شكوى صارخة
الجمعة | 04/09/2009 - 11:42 صباحاً

شكوى صارخة 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

قال تعالى:

1- (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) [سورة الفرقان]

لما أكثر المشركون من الاعتراضات على دعوة الحق، ضاق صدر الرسول  ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشكاهم ـ منادياً ربه ـ عز وجل ـ هجران قومه القرآن، وإهمالهم ما نزل فيه من البيِّنات التي فيها خلاصهم من الضلال وفيها سعادتهم في الدارين، والمقصود إنذار قريش بأن الرسول توجه إلى ربّه في هذا الشأن يستنصر به (يَا رَبِّ). وتأكيده بـ (إِنَّ) ليكون التشكّي أقوى، قال أبو السعود ـ رحمه الله ـ:

2- "فإن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم، عجّل لهم العذاب ولم يُنظروا".

والتعبير عن قريش بـ (قَوْمِي) لزيادة التذمر من فعلهم معه، لأن شأن قوم الرجل أن يوافقوه لكنهم كذَّبوه وخذلوه، وناوؤه لأنهم: (اتَّخَذُوا) وفعل الاتخاذ يدل على شدة عنايتهم هجران كلام الله ـ تعالى ـ، وتعمّدهم ترك أوامر الله، ومفارقتهم للحق الذي دلَّ عليه، وعدم الإقبال عليه، أو سماع ما فيه من المواعظ العقدية المهمة. فهم في أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال: إن قومي هجروا القرآن.

واسم الإشارة في (هَذَا الْقُرْآنَ) لِتَعظيمه وأن مثله لا يُتّخَذ مهجوراً بل هو جدير بالإقبال عليه والانتفاع به. قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ:

3- "إن القرآن العظيم الذي هو كلام الله .. المكتوب في المصاحف .. سمّاه الله تعالى قرآناً وفرقاناً، وكتاباً، وذكراً وروحاً، ونوراً وضياءً، وهدى، ووصفه بكونه عربياً وهادياً ورحمةً وشفاء، ينذر ويبشّر، ويهدي ويقصُّ، ويُقرأ ويتلى ويسمع، ويحفظ، ويكتب. نزَّله الله تنزيلا، ورتّله، وسمّاه قولاً ثقيلاً، وفضَّله على سائر الكتب تفضيلاً، وأحكمت آياته ثم فصّلت تفصيلاً".["رسالة في القرآن وكلام الله"(ص:30-33)]

فكتاب الله تعالى يحتاج إلى التدبر والتعلم والتفقه، من أجل العمل به، لا الوقوف فحسب عند قواعد التجويد، أو عند الحفظ دون دراية، قال بعض العلماء:

4- "إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة".

فمن تدبر كتاب الله تعالى ووقف على معانيه الصحيحة المسندة تحصل على البصيرة، فتعلم القرآن وتعليمه فيه نفع كبير للأمة، فعلى المسلمين الاهتمام بتعلم القرآن والانقياد لحكمه.

فمن لم يعظِّم الله ويعظِّم كلامه وتعمَّد ترك أوامر الله وفارق الحق ولم يقبل على سماع القرآن صار القرآن في حقه (مَهْجُورًا) نقل الطبري عن ابن زيد قوله:

5- "لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا لا".

قال ابن عطية:

6- "وقول ابن زيد منبه للمؤمنين على ملازمة المصحف وأن لا يكون الغبار يعلوه في البيوت ويشتغل بغيره".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

7- "مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه".

والمهجور: المتروك والمفارَق. وهجر القرآن على أنواع ـ كما قال ابن القيم ـ:

8- "هجر سماعه والإيمان به، وهجر تحكيمه والتحاكم إليه، وهجر تدبره وتفهم معانيه، وهجر الاستشفاء والتداوي به في أمراض القلوب".

وقال ـ رحمه الله ـ:

9- "وكذلك الحرج الذي في الصدور منه".

ثم قال:

10- "ولا تجد مبتدعاً في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته، كما أنك لا تجد ظالماً فاجراً إلا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته".["فوائد الفوائد"]

وشأن من هجر القرآن في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهمله وتجاهل ما تضمنه من عقائد وشرائع وأحكام وتعاليم أخلاقية، شأن من قبلنا الذين هجروه بالترك، أو هجروه غلوّاً، وقد حذَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هذا الهجر بقوله:

11- "اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه"..الحديث ["الصحيحة"(3057)]

وما شأن المبتدعة في أمة محمد إلا شأن هؤلاء الماضين من أهل الكتاب افترقوا إلى أحزاب وجماعات ودعوات باطلة؛ منهم: المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، والصوفية، والخوارج، والشيعة، والجبرية، والقدرية، والجهمية، والمرجئة، وغيرهم من أهل الضلال، وما الجماعات الإسلامية بمسمياتها المستحدثة على أرض واقعنا اليوم ـ التي افترقت عن الدعوة الأم (السلفية) ـ إلا نماذج خلَّطت في اعتقاداتها خزعبلات الذين سمّيناهم. 

ولا أدل على الذي قلناه ـ فيما يحضرني اختصاراً ـ إلا حديث زياد بن لبيد ـ رضي الله عنه ـ قال:

12- "ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئاً، فقال:

13- "ذاك عند أوان ذهاب العلم".

قلت: يا رسول الله!! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم؟ قال:

14- "ثكلتك أمك زياد، إن كنت لأراك أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرئون التوراة والإنجيل، لا يعلمون بشيء مما فيهما؟[باب ذهاب القرآن والعلم ( صحيح ابن ماجه 3272)] 

قال القاسمي ـ رحمه الله ـ:

15- "الآية وإن كانت في المشركين، وإعراضهم هو عدم إيمانهم، إلا أن نظمها الكريم مما يرهب عموم المعرضين عن العمل به، والأخذ بآدابه الذي هو حقيقة الهجر، لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك. إذ لا تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها، ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

16- "وفي الآية أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال".

والمشركون والمنافقون وأهل البدع والأهواء تركوا الإصغاء للقرآن، والاستماع إليه، والترك فعل يؤاخذ صاحبه عليه. ويستحق بموجبه عذاب الله في الدنيا والآخرة، وما الشكوى الصارخة التي تضمنها قول الله تعالى: (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا) إلا إنذار وتحذير يتكرر عبر تاريخ الأمة المحمدية كلمّا أوشك أكثرها على الهلاك لتدرك خطر جعلها كتاب ربها مهجوراً، وتفيق من سباتها وخمولها للعمل بالقرآن العظيم. أما العذاب الذي يستحقه من جعل كتاب الله مهجوراً فقد جاء صريحاً واضحاً في قوله تعالى في سورة طه:

17- (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

قال الشنقيطي:

18- "واعلم أن السبكي قال: إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك.

فقوله ـ تعالى ـ: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) فإن الأخذ التناول، والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكاً، أي: فعلوا تركه". ["أضواء البيان" بتصرف]

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

19- "وذلك أن المشركين كانـوا لا يُصغُـون للقرآن ولا يسمعونه، كما قال ـ تعالى ـ:

20- (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26) [سورة فصلت]

 وكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه".

ولم يقف الحد عند الهجران وعدم الإصغاء وإكثار اللغط بل تعدّاه إلى العداء والهجوم، فأدخلوا على الناس الشبهات بالطعون على النبي ـ صلى الله عليه وسلم، وعلى رسالته، وعلى دعوته الناس للحق.

لذا جاء قوله ـ تعالى ـ مسلياً نبيه في الآية بعدها ليخبره فيها أن لقومه مثيل فقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ ..(31)فجعْلُ الله جعْلٌ تكويني، إشارة إلى سنة الله ـ تعالى ـ وحكمته في خلقه الخلق، من غير أن يتنافى هذا الجعل مع اختيار الناس الحق أو الباطل بمحض إراداتهم، فالله ـ تعالى ـ أراد كوناً أن يكون لكل نبي عدواً من المجرمين، حكمة من عنده وابتلاء، لكنه ـ سبحانه لم يرده شرعاً، لأنه يكره الإجرام ويمقته، فنبه البشر إلى هذا من خلال بعثة الرسل، فإذا اختار الإنسان بمحض إرادته أن يكون عدواً للحق، عدواً للدعوة السلفية، فهو مجرم، لأنه أجرم في حق نفسه أولاً. وتعدى بذنب كبير، فقوله ـ تعالى ـ: (الْمُجْرِمِينَ) وصف للذين يعادون الحق المنزل من رب العالمين، والمراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن كما صرح ـ تعالى ـ بذلك في سورة الأنعام فقال:

21- (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ....(112)

وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:

22- "والمعنى: أن الله سبحانه جعل لكلّ نبيّ من الأنبياء الداعين إلى الله عدوًّا يعاديه من مجرمي قومه، فلا تجزع يا محمد، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا".

وإذا كانت هذه سنة الله وحكمته مع أنبيائه فهي سنته وحكمته أيضاً مع العلماء الذين هم ورثة الأنبياء؛ أن يكون لهم أعداء مجرمين.

إن تصدّي زمر المجرمين لكل دعوة حق؛ علامة على صدقها في انتهاجها منهج الأنبياء والمرسلين، فلا بد للدعوات المخلصة لربها، الصادقة في ولائها له، أن تواجه الذي واجهته دعوات الأنبياء والمرسلين، وهذا من فضل الله وحكمته ليصير كل من انخرط في الدعوة السلفية إلى الغربلة والتمحيص، فيثبت العنصر الطيب ويطرد العنصر الخبيث.

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

23- "من بعض فوائد ذلك أن يعلو الحق على الباطل وأن يتبين الحق ويتضح اتضاحا عظيما لأن معارضة الباطل للحق مما تزيده وضوحا وبيانا وكمال استدلال وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة وبأهل الباطل من العقوبة، فلا تحزن عليهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات".

وقال صاحب "التحرير والتنوير":

24- "وفيه تنبيه للمشركين ليَعْرِضوا أحوالهم على هذا الحكم التاريخي فيعلموا أن حالهم كحال مَن كذّبوا من قوم نوح وعاد وثمود".

والله ـ تعالى ـ طمأن أنبياءه ومن هم على منهاجهم بقوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا(31) وفيه تعريض بأن يفوَّض الأمر إليه فإنه عز وجل كاف في الهداية والنصر، وهذا خير ردٍّ على المجرمين الذين يتلاعبون بدين الله تعالى وقد هجروا كتاب الله وأفسدوا فيه بالتكذيب ورمي الشبهات، وتركوا دين الله ومشوا في العداوة للعلماء طعناً فيهم وتكذيباً جهاراً نهاراً قاتلهم الله أنى يؤفكون.

فالتمحيص والغربلة في صف الدعوة السلفية نتيجة الابتلاءات المتتابعة يزيدها قوة وثباتاً وبصيرة، فالتثبيت والطرد الذي يجريه الله عز وجل في صف دعوة الحق يؤذن بقرب انتصارها. وهذا التصدّي الذي تفعله الزمرة المفسدة المجرمة للدعوة السلفية يصلِّب عودها، ويقوّي عزيمتها، ويكسبها خبرة، للمضي قدماً لإعلاء كلمة الله، وإزالة الفساد بكل أنواعه وصوره.

قال الطبري:

25- "يقول تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هاديا يهديك إلى الحقّ، ويبصرك الرشد، ونصيراً: يقول: ناصراً لك على أعدائك، يقول: فلا يهولنك أعداؤك من المشركين، فإني ناصرك عليهم، فاصبر لأمري، وامض لتبليغ رسالتي إليهم".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ

26- "وإنما قال: (هَادِيًا وَنَصِيرًا) لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن، لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن".

إعداد: هشام بن فهمي العارف

14/9/1430 الموافق 4/9/2009