(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) خطبة جمعة - مسجد الفاروق
الأربعاء | 09/09/2009 - 07:27 صباحاً

(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ)

 

خطبة جمعة لفضيلة الشيخ هشام العارف

حفظه الله تعالى

مسجد الفاروق

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(آل عمران:102)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء:1)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)(الأحزاب:70-71)

أما بعد,

فإن أحسن الكلام كلام الله, وخير الهُدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

أما بعد,

الله عز وجل خلق هذا الخلق, وكان له في هذا الخلق حِكمة, وهي: أن نوحده, أن نعبده, أن نذكره, أن نعلم أنه هو الإله الحق بالعبادة. ومن أجل ذلك ابتلانا : إما أن نكون صادقين, وإما أن نكون مكذبين, إما أن نكون مسلمين, وإما أن نكون مجرمين.  والله عز وجل اقتضت حكمته أن يكون الذين خلقهم مسلمون وفيهم أيضا مجرمين.

ومعنى المجرم هو الذي يتعدى بذنب كبير, إما أن يتعدى على نفسه أو يتعدى على الإنسان الآخر بظلم أو يتعدى على الرسل والأنبياء أو يتعدى على كلام الله عز وجل أو يتعدى على سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

يكون هذا المعتدي بذنب كبير مجرم, وقد يضيف لجرمه جرم آخر, ويصير في حقه الأمر أنه رأسا في الإجرام. ولذلك تنوعت مفاهيم الناس واختلفت, فمنهم من قضى على هذا المعتدي بوصفه بالمجرم ومنهم من وصفه بغير ذلك من أشياء تحسن وضعه أو تبرر له جرمه.

لكن الله عز وجل هو الحكم, هو الذي يحكم ويفصل- من هو المسلم ومن هو المجرم.

لذلك الله عز وجل قال في سورة القلم, واسم السورة عَلَم عليها - القلم, يعني سورة تبيّن أهمية العلم الشرعي لأن المتعلم والمُعلم لا بد أن يستعمل وسيلة العلم وهي القلم.

وأيضا سميت هذه السورة بسورة الأخلاق, سميت بسورة الأخلاق, لأن المجرمين اختاروا أن يقولوا حسدا للنبي صلى الله عليه وسلم "إنك مجنون" (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (الحجر:6) فامتدحه الله عز وجل في مطلع هذه السورة بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم:4).

ثم عدّد في السورة أخلاق هؤلاء الكفرة, هؤلاء الكذبة بنهي نبيّه صلى الله عليه وسلم, وبقوله:

(فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)(القلم:8), وفي السورة قال بعد أن بيّن وأقام الحجّة على أهل مكة ومن يفعل فعلهم, قال في السورة: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)(القلم:35),

أفنجعل المسلمين كالمجرمين! هل نساوي بين المسلم والمجرم؟ في أي قانون هذا عند البشر؟ قبل أن نعترض على أحكام الله عز وجل.

في أي قانون عند البشر مهما كانوا يساوون بين المسالم والمجرم, بين الذي يعتدي وبين الذي يُعتدى المسلم والمجرم.

ولذلك الله عز وجل استهزئ بهم وسخر عز وجل من أحكامهم فقال: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(القلم:36)

كيف تحكمون! فتقولون أن المسلم كالمجرم!.

وحين نتكلم عن المسلم, يقع المسلم في معاصي, وقد تبلغ هذه المعاصي أحيانا فتصير من الكبائر, ويجرم فيها بحق نفسه لكن إجرام الكفرة يكون أكبر, إجرام الذين يحرّفون كتاب الله عز وجل يكون أكبر, ما لكم كيف تحكمون (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ)(القلم:37) لعله يوجد عندكم كتاب تقرؤونه كثيرا, تدرسونه, فيه بيان أو قاعدة أن "المسلم كالمجرم".

إذا كان هذا الكتاب عندكم وفيه أن المسلم كالمجرم (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ)(القلم:38), إذاً اختاروا ما شئتم منه ثم قال الله عز وجل: (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) (القلم:39), أو لعل لكم مواثيق غليظة عقدتموها ونحن قررناها لكم أن المسلم كالمجرم, إذاً لكم ما تريدون من الحق.

لكن أخزاهم رب العالمين حين قال: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ)(القلم:40) أي اسألهم يا محمد صلى الله عليه وسلم, اسألهم أي واحد يكفل لهم هذه الإجابات, أو يضمن لهم هذه الإجابات, أو يكون هو المتقدم في الدفاع عن هذه الإجابة وهي أن السلم كالمجرم.

ثم هذا هو بيت القصيد المهم في نهاية هذه البراهين والحجج القائمة أن الله عز وجل قال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)(القلم:41), وهذه حقيقة أن لهم شركاء.

إذاً هناك من يُعبد من دون الله عز وجل, وإذا عُبد الذي هو من دون الله, فهذا الذي هذا الشريك الذي هم يعبدونه من دون الله هو الذي يقرر معادلات السلم والإجرام هو الذي يقرر لهم من هو المسلم ومن هو المجرم.

أما الحقيقة التي تقوم عليها البشرية هو أنه السلم لا يساوي المجرم, لكن المنحرفين يقلبون المسائل, يرون أفعالهم الباطلة حقا, ويرون أفعال غيرهم هي الإجرام.

اختلفت عندهم المعادلة اتّباعا للهوى لأنهم كفروا بالله عز وجل لكننا لا نحتكم لشركائهم إنما نحتكم للذي خلق الخلق, هو الذي ميّز بين المسلم والمجرم.

وأنا لا أتكلم عن كفر وإسلام, الذي أردت أن أقوله هو أن منهج الله عز وجل منهج رباني واضح عليه علماء قائمون يبيّنون الحق من الباطل ويستندون بمقالاتهم إلى نصوص الكتاب والسنة, لا يستندون إلى العقل ولا يستندون إلى العاطفة, إنما يستندون إلى نصوص الوحي من الكتاب

والسنة.

ومن هنا فإن مقالة العلماء الذين هم على الجادة الذين هم على الهدى, مقالة صواب. أما العلماء السوء فإنهم أجرموا في حق أنفسهم أولا حين أرادوا أن يتلاعبوا في نصوص الكتاب والسنة-هذا إجرام.

ولا يجوز لإنسان أن يفتي بنص من نصوص الوحي إلا بعلم وتقوى وإلا فأنا أقول لهؤلاء العلماء السوء: (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) اختاروا ما شئتم مما تريدون تحريفه, مما تريدون أن تجعلوه فتوى للمسلمين, فمنهج الله عز وجل واضح, بيّن, مؤلّف, مرتب, مسلسل, يفيد الناس والبشرية جميعا, حجة على كل من سمع نصا منه.

في الوقت نفسه هناك مناهج ضالّة لها أعلام منشورة تحت مسميات عديدة, صراعات على الأرض كلٌ يريد أن يدافع عن منهجه, كلٌ يريد أن يدافع عن رؤيته, كلٌ يريد أن يموت في سبيل رؤيته, في سبيل ما يمليه الهوى ولو مات الناس, ولو تحطمت الكرة الأرضية, ولو صار هناك انفجارا نوويا- ليس مهم! المهم في رأيه هذا المزعوم أن ينتصر منهجه, وبالتالي يحلم أن تنتصر إرادته.

أقول كل هذه المناهج كلها فاسدة باطلة إذا وُضِعت أمام المنهج الرباني منهج الخالق عز وجل, ولا يفرح أحد بما ينتمي إليه من منهج مخالف لمنهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة, بفهم الصحابة رضوان الله عنهم, لأن هناك مناهج على الأرض تسب علانية منهج الصحابة وبالتالي تنتصر لها العاطفة.

لذلك الله عز وجل حين عرض منهجه العلمي السليم الواضح في الكتاب والسنة, عرضه حجة على كل إنسان يريد أن يفهم, أن يكون له قيمة, أن تكون له عِزّة على هذه الأرض وإلا فالذل يوما بعد يوم يسجل أرقاما في الأخبار, مزيدا من الذل سببه لأننا في المزيد في البعد عن المنهج الرباني ولا نريد أن نحتكم لله, بل نبقى نقول بالصمود والمقاومة, بالصمود والمقاومة...وليس هذا صمودا ولا مقاومة, بل هو صمود على الضلال ومقاومة للمنهج الرباني, وندفع الثمن لأننا نريد الصمود, وندفع الثمن لأننا نريد المقاومة ولا يمكننا أن نسمع ما الذي يريده الله عز وجل منا.

نحن نحتاج إلى وقفة أمام منهج الله عز وجل على هذه الأرض كيف يجب علينا أن نطبقه؟

لنختار في بداية هذا المنهج أن نقرأ من كلام الله عز وجل الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه الخير وفيه الرحمة وفيه الهدى وفيه العزة وفيه أن تصير في أول منزل من منازل الآخرة, صحيح الإجابة, وفيه أن تدخل الجنة.

هذا المنهج في أول سورة نزلت, قوله عز وجل: ( اقْرَأْ )(العلق:1) أي تعلـّم, اقرأ- تعلـّم. هذه أول كلمة, العلم, وآخر كلمة أمَرَك بالسجود لأنك إذا كنت تحب أن تكون قريبا من الله فاعلم واعمل, اعلم واعمل.

هذه سورة العلق, منهج رباني وَضَع أس مهم جدا في بداية المنهج هو أن تتعلم وأن تعمل فيما تعلمته

ويكون علمك بسم الخالق, بسم الله, بسم الرب (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)(العلق:1).

وأمرك بالسجود بالصلاة, و(أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد)ص. م, والساجد المتعلم غير الساجد الجاهل, وإن كان الساجد مأجورا لكنه جاهل قد يأتي على نفسه بالضرر, أما إذا كان الساجد عالما أم متعلما, فهذا استفاد من قول الله عز وجل ( اقْرَأْ ).

في نفس هذه السورة, الله عز وجل بيّن لنا تصرفات أبو جهل مقابل المنهج الرباني الذي يأمر بالعلم, يكشف لنا تصرفات الجهلاء, تصرفات أبو جهل الذي قال: (إن وضع محمد -صلى الله عليه وسلم- جبهته على الأرض لأطأن رقبته), وماذا صار لأبي جهل؟ سار إلى الخزي والعار وبقي اسمه ابا جهل.

هذا في سورة العلق, لكن بعد سورة العلق نزلت سورة المدّثر, وهي بيان مهم لأس ثاني في المنهج الرباني وهو (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ )(المدثر:1-7). وظائف متعددة لمن تعلـّم وفهم أن من أساسيات العلم هو دعوة الناس إلى الحق, دعوتهم إلى التوحيد, إنه رحمة من الله, يريد أن يُخرج الناس من الظلمات إلى النور. هذه وظيفة الداعية إلى الله, يسعى ليفهم الناس معنى التوحيد, معنى لا إله إلا الله, يُخرجهم بذلك من الظلمات إلى النور ويصبر على أذاهم.

لذلك كان من التعجيب ممن انصرفوا عن ذكر الله عز وجل في نفس السورة فقال: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)(المدثر:49-51).

ثم المنهج الرباني تَبيّن في سورة المزمل في أساسية ثالثة مهمة, وهي التفريق بين العبادة الحقة على بصيرة وبين العبادة الضالة, العبادة التي سَلفـَتها إما إفراط وإما تفريط, فعبادة المتعلمين قائمة على بصيرة وعبادة الجهلاء وقعت في التفريط أو الإفراط.

لذلك الله عز وجل قال في سورة المزمل مبينا أهمية التعلم من الكتاب: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (المزمل:5), كتاب الله, نتعبد الله عز وجل بما فيه من أوامر, وحتى قراءته من غير تدبر لك في كل حرف ثواب وأجر وحسنة.

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) قال العلماء: (ثقيلٌ بما فيه من المعاني العميقة لكن الله عز وجل يخففه على المؤمن فيجعله سهلا).

نتناوله في صدر رحب ولكنه في الحقيقة ثقيل على مسامع الكفار, لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان - حبيبتان إلى الرحمن – سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم)ص.م, (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً).

وفي السورة قال: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)(المزمل:8) أي أخلص له بالعبادة إخلاصا, ورأس هذا الإخلاص في قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)(المزمل:9)

(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ )- دلالة على أنه الخالق, خالق الشرق وخالق الغرب, خالق الكون, هذا هو توحيد الخالقية.

لكننا لسنا مسؤولين من هذا التوحيد أمام الله عز وجل لأن الكفرة يؤمنون به (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)(يوسف:106) مشركون بتوحيد الألوهية وهو قوله: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).

رب المشرق والمغرب- يؤمنون به, لا إله إلا هو- لا يؤمنون به.

والمسلم الذي يحقق توحيد الألوهية ويتحقق عنده تلقائيا توحيد الربوبية, يفهم صفة مهمة جدا وهو أن يتوكل على الله (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً).

لكن الضعف الذي وصلنا إليه وعدم الوكالة الصحيحة على الله وعدم التوكل عليه هو الذي أجرى علينا أن نتصرف في منئا عن كتاب الله عز وجل ثم أن نقول إما بقولنا وإما بعواطفنا: نريد أن نقاوم, نريد أن نصمد. لا, ليس الصمود بهذه الطريقة, ولا المقاومة بهذه الطريقة...إنه المنهج الرباني.

المَخرَج في المنهج الرباني, العودة بعلم وبصيرة, والاستماع إلى أهل العلم, والرجوع إلى تطبيق السنة والتبرّء من المناهج الضالة هو المخرج.

لذلك قد لا يُعجب هذا الكلام كثيرا من الناس لأن القبلة هي الممدوحة, فقال الله عز وجل في السورة: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)(المزمل:10).

أقول قولي هذا وأستغفر الله.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,

ثم جاءت سورة القلم بعد سورة المزمل ليرُدّ الله عز وجل, ويدافع عن نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم لأن أصحاب المناهج الضالة حسدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما عنده من منهج طيب منحه الله عز وجل.

وصفوه بوصف سيئ لكنه بريء, وبراءته واضحة لذي عينين, الله عز وجل قال: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)(القلم:2) رداً عليهم فيما فضحهم الله عز وجل في نهاية السورة بقوله: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)(القلم:51), سمعوا القرآن, سمعوا المنهج الرباني لكنهم لحسدهم وخباثة ما عندهم وصفوه بالجنون.

هذه أخلاق المكذبين, لذلك الله عز وجل شرع يُفصّل في أخلاقهم, وعلى رأس هذه الأخلاق التي يجب علينا أن نحذرها قال: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)(القلم:9), ودوا يعني حبّوا, تمنوا أنك لو تضعف, لو تلين, لو تسمح لهم بباطل ولو كان صغيرا فيدهنون, يفرون عليك فيه, يفرون عليك بالكفر, ولكن اصمد على المنهج, إياك أن تلين, تمسك بموقفك الحق تمسك بأن الحل هو المنهج الرباني.

لذلك في السورة نفسها الله عز وجل تحدّى هذه المناهج بقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ)(القلم:5).

كل من مشى في المنهج الرباني, أنا أقول له ما قاله الله عز وجل تحديا لكل المناهج الضالة بجميع مسمّياتها, وبجميع مصطلحاتها وإن كانت أحيانا برّاقة لمّاعة جميلة حلوة, أقول:

(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ), سننتظر قليلا أياما وسنرى أن هذه المناهج الضالة صفراً, حِبراً على الورق لا قيمة لها.

(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)(القلم:6-5), من الذي كان مفتوناً؟

الذي كان مفتونا هو الذي يستحق أن يقال عنه مجنونا, لا أصحاب المنهج الرباني.

وفي السورة مثال مهم, أن الله عز وجل قال: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)(القلم:17), أصحاب الجنة تآمروا أن لا يطعموا المساكين فلما أصبحوا في الصباح وذهبوا إلى بستانهم وجدوه رملة بيضاء بعد أن كان جنة, هذا مثال لأهل مكة ولمن يقرأ كتاب الله عز وجل.

إن الذي يبيت في الضلال سوف يصبح النهار عليه واضحا وسيظهر, يظهر له, فإما أن يدرك نفسه قبل فوات الأوان وإما أن يستمر فيلقى عناده في أول وهلة.

ولعل من ضلال المسلمين في الوقت الحاضر, أنا أقول ضلال المسلمين لأن المسلم إما أن يعتريه شيء من الضلال أو تعتريه أشياء كثيرة من الضلال, وأخشى إذا استمر هذا ضلاله في العناد والهوى أن يخرجه من دائرة الإسلام لأن البدعة بريد الكفر.

لذلك الله عز وجل قال في سورة القلم, في نهاياتها, مسألة مهمة جدا, قال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ)(القلم:42), وهذه الآية تثبت أن لله عز وجل ساق, لا نكيفه ولا نشبه ولا نمثله, بل نثبته لله عز وجل, صفة ذاتية له.

لأن الإمام البخاري في صحيحه ذكر أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبوّب لها بعنوان

" يوم يكشف عن ساق " فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة, أما المنافق فيأتي يريد أن يسجد كما يتصنع في الدنيا فيعود ظهره طبقا واحدا.

والسورة الأخيرة في هذا الترتيب للمنهج الرباني في خطبتنا, سورة الفاتحة.

بعد هذا البيان جاء في سورة الفاتحة أمرا مهما وهو:

أنك تدعو أيها المسلم ربك عز وجل أقل ما يمكن سبعة عشرة مرة لأنك تكرر الفاتحة في سبعة عشرة ركعة من الفرائض, تقول في كل ركعة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(الفاتحة:6), ألسنا بحاجة, كم من الله عز وجل ومن رحمته, نريد أن يبصرنا بمنهجه, منهجه المستقيم, منهجه عز وجل الرحيم فينا الرؤوف بنا. جعلنا نكرر هذا الدعاء ودائما نقول "اهدنا الصراط المستقيم" لأنه منهج الخلاص, منهج الخير, منهج البركة, منهج الأنبياء, منهج الصدّيقين, منهج الشجعان, منهج الأعّزاء, أن تكون مستقيما, منهجك منهج الله, منهجك منهج محمد صلى الله عليه وآله وسلم, منهجك منهج المرسلين, منهجك منهج الصحابة.

ومن كمال الطلب أنك تدعو الله عز وجل, وأنت تريد الاستقامة, ألا تخالف إلى مناهج المغضوب عليهم ومناهج الضالين, لأننا لو نظرنا فينا المسلمين لوجدنا فينا زُمَراً زًمَرا تحت لواء المغضوب عليهم أو تحت لواء الضالين, جهلا منا أو نفاقا والعياذ بالله.

إننا نريد أن يكون ولاءنا خالصا لله, محبتنا خالصة لله, منهجنا خالصا لله.

هذه الفاتحة, هذه مقدمة كتاب ربكم, هذه فاتحة حياتكم أن تكونوا على الاستقامة, أن تكونوا على منهج الرب, أن تكونوا على منهج الأنبياء والرسل, وألا تكونوا تحت مناهج الضالين أو مناهج المغضوب عليهم.

في هذه السورة لم يُبيّن الله عز وجل من هم المغضوب عليهم ومن هم الضالين, لكن العلماء قالوا:

(كل من عرف الحق وحاد عنه استحق غضب الله, وكل من عبَد الله على جهلٍ كان ضالا). ومثـّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمغضوب عليهم باليهود ومثـّل للضالين بالنصارى.

فنسأل الله عز وجل أن نكون على الاستقامة ونسأله ألا نكون من طوائف المغضوب عليهم ونسأله ألا نكون من طوائف الضالين.

اللهم علـّمنا ما ينفعنا وزدنا علما, اللهم علـّمنا ما ينفعنا وزدنا علما,

اللهم آت أنفسنا تقواها وزكّها, أنت خير من زكّاها, أنت وليّها ومولاها.

اللهم باعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب, اللهم نقـّنا من خطايانا كما يُنقـّى الثوب الأبيض من الدنس, اللهم اغسلنا من خطايانا بالماء والثلج والبرَد.

اللهم أحيـّنا مسلمين, وأمتنا مسلمين, واحشرنا مع زمرة الموحدين, وأدخلنا جنتك يا رب العالمين.

مادة صوتية قام بتفريغها راجياً عفو ربه أبو محمد راشد بن محمد العكّي

من يوم الثلاثاء الموافق 18رمضان1430هـ