لا يضرنا كثرة الخاذلين ما دمنا لله شاكرين
الجمعة | 11/09/2009 - 08:25 صباحاً

لا يضرنا كثرة الخاذلين ما دمنا لله شاكرين

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

نوح ـ عليه السلام ـ أول نبي بعثه الله، أمر قومه بالتوحيد، ونهاهم عن الشرك، وأشعرهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ برحمته وشفقته عليهم إذ قال لهم:

1- (..إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(59) [سورة الأعراف]

فلما رآه قومه أنه في ضلالة ـ بزعمهم ـ ردَّ عليهم:

2- (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(62) [سورة الأعراف]

وبيَّن الله ـ تعالى ـ  أن تكذيبهم رسولهم نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعني تكذيب لجميع المرسلين من بعده وهو أمر خطير يستحقون بسببه العذاب فقال:

3- (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً..(37) [سورة الفرقان]

فما وقع في الأمم اللاحقة من الشرك المماثل لشرك قوم نوح وبعثة الله تعالى لرسله من أجل بيان التوحيد والنهي عن الشرك تكذيب لسائر الرسل عبر التاريخ الإنساني القادم بعدها، وتكذيب الأمم اللاحقة لرسلها تكذيب لنوح ـ عليه السلام ـ وتكذيب للرسل من بعده، لأن الرسالات من عند الله تعالى واحدة. ودعوة الأنبياء واحدة. وجاء هذا التأكيد في قوله تعالى:

4- (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ(105) [سورة الشعراء]

وبني إسرائيل من ذرية من حملهم الله مع نوح في السفينة، وأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمة القرآن من ذرية من حملهم الله مع نوح، فعليهم جميعاً الاقتداء به في التوحيد، والتشبه به في العبادة، عليهم أن يشكروا الله ولا يكفروه، قال تعالى:

5- (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا(3) [سورة الإسراء]

فقوله تعالى: (ذُريَّةَ) نصبت على النداء، قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

6- "وعنى بالذرية: جميع من احتجّ عليه جلّ ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمم، عربهم وعجمهم من بني إسرائيل وغيرهم، وذلك أنّ كلّ من على الأرض من بني آدم، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح في السفينة".

وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

7- "والمعنى: يا ذرية من حملنا مع نوح لا تشركوا".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

8- "تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنَّة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا)".

وسمّاه الله تعالى ووصفه بالشكور وهو أول نبي أرسل؛ لتقتدي ذريته من بعده بهذه الصفة العظيمة من العبودية، فإذا كان الله تعالى امتن علينا بأن نجّا آباءنا مع نوح، فعلينا أن نستمع إلى منهج النبوة والسلف، الذي هو منهج الله الذي جرَّبه آباءنا الناجون لنعمل به لكي تكتب لنا النجاة والسعادة، ولا يجوز لنا التعصب والتقليد الأعمى والاقتداء بالآباء إن كانوا كفّاراً أو مشركين، أو مبتدعة، قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

9- "ومقصود الآية: إنكم من ذرية نوح وقد كان عبداً شكوراً فأنتم أحق بالاقتداء به دون آبائكم الجهال".

والشكور صيغة مبالغة لاسم الفاعل "شاكر"، فلا بدَّ للعبد أن ينشط في توحيده وعبادته لله، ويرتقي بدرجاته في العمل الصالح إلى الثناء الذي أثناه الله على نوح ـ عليه السلام ـ وهو أن يكون عبداً شكوراً، وقد امتثل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا الاقتداء، ففي الصحيحين وغيرهما؛ أنه قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:

10- "أفلا أكون عبداً شكوراً".

ومذهب أهل السنة والسلف كما قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن الشكر يكون بالاعتقاد، والقول، والعمل، قال تعالى:

11- (..اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا..(13) [سورة سبأ]  

عن محمد بن كعب القُرَظي قال:

12- "الشكر تقوى الله، والعمل الصالح".[رواه الطبري، وابن أبي حاتم]

وقال الطبري ـ رحمه الله ـ:

13- "وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه، مع الشكر له على سائر نعمه التي عمَّكم بها مع سائر خلقه".

وقال ـ رحمه الله ـ:

14- "وأخرج قوله(شُكْرًا) مصدراً من قوله(اعْمَلُوا آلَ دَاودَ) لأن معنى قوله(اعْمَلُوا): اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بالذي رضي الله، لله شكر".

والأنبياء على رأس (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا) مأمورون بشكر الله تعالى، وبالقيام بما أمر الله تعالى من التوحيد والعبادة، قال تعالى:

15- (.. يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(144) [سورة الأعراف]

ولحق الوصف بالأمر لما له من جلالة وعظمة عند الله تعـالى؛ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال تعالى:

16- (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)) [سورة الزمر]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

17- "لما أخبر أن الجاهلين يأمرونه بالشرك، وأخبر عن شناعته، أمره بالإخلاص فقال: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) أي: أخلص له العبادة وحده لا شريك له، (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) للّه على توفيق اللّه تعالى، فكما أنه تعالى يُشكر على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك، كذلك يُشكر ويثنى عليه بالنعم الدينية، كالتوفيق للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة".

فكل من آتاه الله الحكمة وهي الفقه في دين الله، وكان على درب المرسلين، مأمور بشكر الله، فعليه أن يؤمِّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً، ويثبت على الحق عند الابتلاء، قال تعالى:

18- (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ..(12) [سورة لقمان]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

19- "أي: أمرناه أن يشكر الله ـ عز وجل ـ على ما أتاه الله، ومنحه، ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه".

وباشر لقمان شكره لله بالحكمة فنهى عن الشرك، وحذَّر منه، فكان وعظه سديداً قال تعالى:

20- (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)

وقام بهذا الوصف من بعد نوح؛ إبراهيم ـ عليهما الصلاة والسلام ـ  قال تعالى:

21- (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121) [سورة النحل]

وقد سمّى الله تعالى طريق الهداية للإنسان وما يفعله من خير؛ شكراً فقال:

22- (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) [سورة الإنسان]

فذرية من حملهم الله مع نوح في السفينة، تعرضت ولا زالت تتعرض للابتلاء في عبوديتها لله، فعليها أن تصبر لله وتشكر لله، وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال:

23- (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) [النحل]

فالأكل من الحلال عبادة وسبب في تقبل الدعاء، كما أن الأكل من الحرام ضلال يمنع قبولَ الدعاء والعبادة، ويوسف ـ عليه السلام ـ أشار إلى مسألة الابتلاء في عبودية الله، وبيَّن فيها طريق النجاح والفوز وكيف يكون العبد لربه مجاهداً شكوراً، فقال:

24- (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(37)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38) [سورة يوسف]  

قال: (تَرَكْتُ) وقال: (وَاتَّبَعْتُ)، ففي هذا العمل الصالح ولاء وبراء، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ترك ملة المشركين، واتبـع ملة آبائـه أئمة المؤمنين، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

25- "يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين فإنه يهدي قلبه ويعلّمه ما لم يكن يعلمه، ويجعله إماما يقتدى به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد".

وقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) قال ابن كثير:

26- "أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) وقد أنعم الله تعالى على الناس ما يوجب شكره وعبادته، لكن أكثرهم للأسف جاحدون".

فإنهم مع ما أعطاهم الله من نعم يتعرفون من خلالها على الحق بحيث يميزونه من الضلال يعطِّلونها ويؤثرون اتباع الباطل ولا يشكرون الله تعالى.

قال تعالى:

27- (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ(83) [سورة النحل]

وبيّن الله تعالى في سورة يوسف أن ذرية من حملهم مع نوح في السفينة كلما تعرضت للابتلاء في عبوديتها لله خرجت الأكثرية التي ذمّها الله من دائرة الشاكرين، وثبتت القلة لذا امتدحها بقوله تعالى في سورة سبأ:

28- (..وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)

قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:

29- "يقول: قليل من عبادي الموحدين توحيدهم". [أخرجه الطبري]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

30- "فطوبى للغرباء، فالمؤمنون قليل في الناس، والعلماء قليل في المؤمنين، وهؤلاء قليل في العلماء، وإياك أن تغتر بما يغتر به الجاهلون، فإنهم يقولون لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا اقل الناس عدداً، والناس على خلافهم، فاعلم أن هؤلاء هم الناس، ومن خالفهم فمشبهون بالناس وليسوا بناس، فما الناس إلا أهل الحق وإن كانوا أقلهم عدداً".["مفتاح دار السعادة"(1/147)]

والآية التي وصف فيها نوح ـ عليه السلام ـ بالشكور هي في سورة "الإسراء" وتسمى سورة "بني إسرائيل"، وهي من السور النفائس، ومن نفائسها: أن الله تعالى قابل فيها بين إرادتين جرى الابتلاء عليهما في عبوديته: إرادة تعجَّل صاحبها العاجل، وإرادة آمن صاحبها بالله وباليوم الآخر. فقال:

31- (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)  

فالأول تصور أنه إن نال من الدنيا ما شاء حصل على السعادة، وهذا من قصر نظره حيث غاب عنه: أن مشيئته تحت مشيئة الله فلن ينال أكثر مما كتب له، وأنه لو نال ما تعجَّله من غير شكر الله فمعناه الاستدراج والعذاب. والثاني كان سعيه مشكوراً، لأنه آمن بالآخرة وصبر.

قال ابن القيم  في "فوائده" ـ رحمه الله ـ:

32- "وإنما كان الصبر والشكر سبباً لانتفاع صاحبهما بالآيات، لأن الإيمان ينبني على الصبر والشكر، فإن رأس الشكر التوحيد، ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى، فإذا كان مشركاً متبعاً هواه لم يكن صابراً ولا شكوراً، فلا تكون الآيات نافعة له، ولا مؤثرة في إيمانه".

وقال ـ رحمه الله ـ في "شفاء العليل":

33- "فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم، ثم اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة، والغضب، والحب والبغض ولوازمها، وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالاً، ولا يغفل عنه، ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا وبالهوى الذي أمر بمخالفته، هذا على ضعفه وحاجته، وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وأمره بترك قضاء أوطاده وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة إلى دار أخرى، غايته إنما تحصل فيها بعد طي الدنيا والذهاب بها، وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا يثبت على هذا الابتلاء أحد، وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة، فلم يحل بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم، بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم مواقع رضاه وغضبه ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم، فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا على هذا العاجل الحاضر المشاهد، وقالوا كيف يباع نقد حاضر وهو قبض باليد بنسيئة مؤخرة وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم، ولسان حال أكثرهم يقول خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به، فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع فضله فأمده بقوة إيمان وبصيرة، رأى في ضوءها حقيقة الآخرة ودوامها وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقله وفائها وظلم شركائها وأنها كما وصفها الله سبحانه لعب ولهو وتفاخر بين أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد، وأنها كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً، فنشأنا في هذه الدار ونحن منها وبنوها لا نألف غيرها، وحكَمَت العادات وقهر السلطان الهوى، وساعده داعي النفوس، وتقاضاه موجب الطباع وغلب الحس على العقل، وكانت الدولة له والناس على دين الملك، ولا ريب أن الذي يخرق هذه الحجب ويقطع هذه العلائق ويخالف العوائد ولا يستجيب لدواعي الطبع ويعصي سلطان الهوى لا يكون إلا الأقل".

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

34- "ولو كانوا على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء وتنوع العبودية وظهور آثار الأسماء والصفات فلو كان أهل الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجل أنواع العبودية وفات الكمال المترتب على ذلك، فلا أحسن مما اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق من هذه المواد".

والإسراء بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قبل أن يعرج إلى السماء، لذا اكتسبت الشام فضيلة عظيمة من أجل بركة المكان، وبركة الدعوة إلى الله تعالى على منهاج النبوة والسلف.

وتناولت السورة أمة بني إسرائيل الذين استوطنوا بلاد الشام وكيف كان مصير جيل نهاياتها إلى الاندثار بسبب تغلَّظ الإفساد فيهم فمنعهم من الأفضلية والخيرية، لأنهم تركوا العبودية لله، ولم يقدروا النعمة التي أنعمها الله تعالى عليهم، ولم يشكروه عليها، فانتزعها منهم عقاباً لهم، ليجعلها في أمة محمد الذي هو من نسل إسماعيل ولد إبراهيم ـ عليهم السلام ـ فتبتلى أمته بالنعمة كما ابتليت الأمة التي سبقتها.

ولو أن بني إسرائيل قاموا بالشكر ما ضلّوا ولا أفسدوا، لكنهم اختاروا بمحض إرادتهم أن يكونوا مفسدين فغضب الله عليهم وأضلهم. قال تعالى:   

35- (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ(10) [سورة الأعراف]

فعلى أهل الشام تجديداً للرسالة الإلهية مراعاة فضيلة التمسك بالمنهج النبوي السلفي، ومراعاة فضيلة بلادهم، ففي فضلها أحاديث كثيرة صحيحة. قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

36- "وحتى يعرف المستوطنون فيه فضل ما أنعم الله به عليهم، فيقوموا بشكره؛ بالعمل الصالح وإخلاص العبادة لوجهه سبحانه وتعالى".["مقدمة تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق" للإمام الألباني]

وكل ذلك؛ القصد منه أن يستخلص أهل القرآن العبرة، ويفهموا معنى الشكر، لكننا نرى ـ للأسف ـ كثيراً من المسلمين في بلاد الشام وغيرها قصروا الشكر على المأكل والمشرب والملبس والمركب، وانشغلوا عن أكبر نعمة بين أيديهم تستوجب الحمد والشكر وهي أن يعملوا بما في القرآن ليكونوا على الهدى والصراط المستقيم، لأن نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم نعمة عظيمة، وهي النعمة المطلقة، قال أبو العالية:

37- "قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين، وقد أنعم الله علي نعمتين فلا أدري أيتهما أعظم أن هداني للإسلام ثم لم يجعلني حرورياً". ["ذم الكلام وأهله"(5/12)]

لذا ختم الله تعالى النص في سورة الإسراء بعد أن بيّن سبب تسلّط الأعداء على بني إسرائيل بقوله:

38- (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)

قال شيخ الاسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

39- "وما يهدي إليه القرآن أقوم مما يهدي إليه الكتاب الذي قبله ـ يعني التوراة ـ وإن كان ذلك يهدي إلى الصراط المستقيم، لكن القرآن يهدي للتي هي أقوم".["تفسير آيات أشكلت"(ص:424)]

وإذا كان الله عز وجل أشار في كتابه العزيز في مطلع سورة الإسراء إلى خصوصية تفضل الله بها على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون غيره من الأنبياء، وقرن هذه الخصوصية بفضيلة المكان من الأرض المقدسة وهو المسجد الأقصى، فإنه أيضاً عطف عليها بذكر ما تفضل به على بني إسرائيل، حيث خصّهم الله تعالى بهذا المكان وبالتوراة التي فيها الهدى فلمّا تركوا توحيد الله وشكره، وأهملوا التوراة الفارقة بين الحق والباطل، ولم يقتدوا بنوح وإبراهيم وموسى ـ عليهم السلام ـ سقطت الكثرة في ابتلاء عبودية الله ففسدوا وأفسدوا، وبالتالي استحقوا غضب الله ونقمته فسلّط عليهم الأعداء، وإذا كانت هذه الخصوصية وهي الابتلاء في العبودية لحقت ذرية من حملهم الله مع نوح ممن أقاموا في بلاد الشام من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهي باقية فيهم إلى قيام الساعة، وقد أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذه الخصوصية بقوله:

40- "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة". ["الصحيحة"(403)]

وهذا الحديث تذكير منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأهمية أن يكون أهل الشام على الصلاح، يعني: على الصراط المستقيم، والطاعة لرب العالمين، فأهل الشام في مكان من الأهمية كالقلب لبقية المسلمين، وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله. وتبقى القلة الشاكرة (الطائفة المنصورة) على أرض الشام تذكِّر الكثرة الفاسدة، ولا يضرهم من خذلهم لأنهم:

41- "سَوْطُ اللَّهِ فِي أرضه يَنْتَقِمُ بِهِمْ مِمَّنْ يَشَاءُ، كَيْفَ يَشَاءُ، وَحَرَامٌ عَلَى مُنَافِقِيهِمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى مُؤْمِنِيهِمْ، وَلَنْ يَمُوتُوا إِلاَّ هَمًّا أَوْ غَيْظًا أَوْ حُزْنًا". [له حكم المرفوع. والحديث أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" وقال: رواه الطبراني مرفوعاً، وأحمد موقوفاً ولعله الصواب، ورواتهما ثقات. وقال شيخنا في "الضعيفة" (13): أخرجه أحمد وسنده صحيح ـ يعني الموقوف ـ وأوهم ابن تيمية أنه مرفوع وليس كذلك]

قال المناوي ـ رحمه الله ـ:

42- "يعني هم عذابه الشديد يصبه على من يشاء من العبيد،  ..(وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم) أي: يمتنع عليهم ذلك (ولن يموتوا إلا همّاً) أي قلقاً (وغيظاً) أي: غضباً شديداً . قال في المصباح: الغيظ الغضب المحيط بالكبد، وهو أشد الغضب، (وغمّاً) أي كرباً ووهناً، (وحزناً) في إشعاره إيذان بأن أهل الشام قد رزقوا حظاً في سيوفهم".

وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

43- "واعلموا أصلحكم الله أن النبي قد ثبت عنه من وجوه كثيرة انه قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة وثبت أنهم بالشام". ["مجموع الفتاوى"(28/416)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

44- "ومن قبلنا كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة ظاهرة منصورة ولهذا كان العدو يسلط عليهم فيجتاحهم كما سلط على بني إسرائيل وخرب بيت المقدس مرتين فلم يبق لهم ملك، ونحن ولله الحمد لم يزل لأمتنا سيف منصور يقاتلون على الحق فيكونون على الهدى ودين الحق الذي بعث الله به الرسول فلهذا لم نزل ولا نزال". ["منهاج السنة النبوية"(6/366)]

ولقد كان للعلماء السلفيين مواقف قوية في الثبات على الحق، فما تخاذلوا ولا تراجعوا القهقرى، فانظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو يكتب عن الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ فيقول:

45- "الإمام أحمد صار مثلاً سائراً يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق، وأنه لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، حتى صار اسم الإمام مقروناً باسمه في لسان كل أحد، فيقال: قال الإمام أحمد، هذا مذهب الإمام أحمد، لقوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) فإنه أعطي من الصبر واليقين ما يستحق به الإمامة في الدين.

 وقد تداوله ثلاثة خلفاء مسلطون من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين، والقضاة، والوزراء، والسعاة، والأمراء، والولاة، من لا يحصيهم إلا الله، فبعضهم بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل، وبغيره، وبالترغيب في الرياسة والمال ما شاء الله، وبالضرب، وبعضهم بالتشريد والنفي، وقد خذله في ذلك عامة أهل الأرض، حتى أصحابه العلماء والصالحون والأبرار وهو مع ذلك لم يعطهم كلمة واحدة مما طلبوه منه، وما رجع عمَّا جاء به الكتاب والسنة، ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله وآثاره ودفع من البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه وإخوانه المتقدمين والمتأخرين. ولهذا قال بعض شيوخ الشام لم يُظهر أحد ما جاء به الرسول كما أظهره أحمد بن حنبل". ["مجموع الفتاوى"(12/439)]

  إعداد: هشام بن فهمي العارف

20/9/1430 الموافق 10/9/2009