الناس اذا ابتلوا صاروا إلى حقائقهم
الأربعاء | 23/09/2009 - 01:53 مساءً

الناس إذا ابتلوا صاروا إلى حقائقهم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

فإن جميع الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أخبروا بأن الله أمر بطاعتهم قال تعالى:

1- (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ..(64) [سورة النساء]

قال مجاهد ـ رحمه الله ـ:

2- "يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك".["تفسير ابن كثير"]

فهو سبحانه لم يرسل الرسول إلا ليطاع، ثم قد يطاع وقد يعصى، وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة، ثم قد يعبدون و قد لا يعبدون.

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

3- "يخبر تعالى خبراً في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له. وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين ينقاد لهم المرسلُ إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يكونوا معظمين تعظيم المطيع للمطاع".

وقال:

4- "وقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره. ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن الإنسان ـ إن لم يعنه الله ـ أن يطيع الرسول".

فهم صلوات الله وسلامه عليهم يأمرون بعبادته وحده، وتقواه وحده، ويأمرون بطاعتهم، فنوح ـ عليه السلام ـ:

5- (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) [سورة نوح]

وكذلك أخبر هود وصالح ولوط وشعيب ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، وقال تعالى:

6- (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) [سورة الزخرف]

فجعلوا ـ عليهم السلام ـ التقوى لله وجعلوا لهم أن يطاعوا، فالناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب، بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته.

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تأمر بطاعة الله سبحانه وطاعة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله تعالى ذكر طاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعاً من كتابه منها قوله تعالى:

7- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ..(59) [سورة النساء]

والله تعالى أوجب السعادة لمن أطاع رسوله، فترك طاعة النبي سبب الشقاوة، وطاعته سبحانه: العمل بكتابه العزيز، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وطاعة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: العمل بسنته، وذلك أيضاً بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ويجمع سبحانه بين طاعته وطاعة رسوله بأمر واحد قال تعالى:

8- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ..(20) [سورة الأنفال]

ونهى الله عن الإعراض عنه وعن رسوله بنهي واحد فقال:

9- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) [سورة الأنفال] 

فالرسول وجبت طاعته، لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى:

10- (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ .. (80) [سورة الأنفال] 

وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

11- "أطيعوني ما كنت بين أظهركم، وعليكم بكتاب الله عز وجل، أحلوا حلاله، وحرِّموا حرامه".["الصحيحة"(1472)]

ومن سوى الرسول من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك إنما تجب طاعتهم إذا كانت طاعتهم طاعة لله، وهم إذا أمر الله ورسوله بطاعتهم فطاعتهم داخلة في طاعة الرسول، قال تعالى:

12- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ..(59) [سورة النساء]

فلم يقل وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، بل جعل طاعة أولي الأمر داخلة في طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة لله، وأعاد الفعل في طاعة الرسول دون طاعة أولي الأمر، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فليس لأحد إذا أمر الرسول بأمر أن ينظر هل أمر الله به أم لا، بخلاف أولي الأمر فإنهم قد يأمرون بمعصية الله، فليس كل من أطاعهم مطيعا لله. بل لا بد فيما يأمرون به أن يعلم أنه ليس معصية لله، وينظر هل أمر الله به أم لا، سواء كان أولي الأمر من العلماء أو الأمراء، يدخل في هذا تقليد العلماء وطاعة أمراء السرايا وغير ذلك، وبهذا يكون الدين كله لله.

فإعادة فعل الطاعة للرسول دلالة على أن الرسول يطاع استقلالاً، فإن أمر بما ليس في القرآن فالأمر به، وإن نهى عما ليس في القرآن فالنهي عنه.

ولأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

13- " ألا إني أوتيت القرآن (وفي رواية: الكتاب) ومثله معه". ["صحيح الجامع"(2643)]

ولا يجوز طاعة أحد في معصية الله تبارك وتعالى مهما كان، سواء كان عالماً أو شيخاً أو أميراً، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

14- "لا طاعة (وفي رواية: لأحد) في معصية الله تبارك وتعالى".["الصحيحة"(179و180)]

وفي رواية:

15- "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".["صحيح الجامع"(7520)]

وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

16- "إنما الطاعة في المعروف".["الصحيحة"(181)]

وقال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

17- "ومنه يعلم ضلال طوائف من الناس".

وعدّد منهم: بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم ولو أمروهم بمعصية ظاهرة، والمقلدة الذين يؤثرون اتباع كلام المذهب على كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والذين يطيعون ولاة الأمور فيما يشرعونه للناس من نظم وقرارات مخالفة للشرع، فصحّ في هؤلاء وفي متبوعيهم قوله تعالى:

18- (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ..(31) [سورة التوبة]

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

19- "ثم إن كثيراً من الناس يحب خليفة، أو عالماً أو شيخاً أو أميراً فيجعله نداً لله، وإن كان قد يقول: أنه يحبه لله. فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله نداً، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح، ويدعوه ويستغيث به، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه مع إيجابه طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه ويحلله ويحرمه، ويقيمه مقام الله ورسوله فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى في سورة البقرة:

20- (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ..(165) ["تفسير الآية الكريمة: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"]

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

21- "واعلم أن أهل الجاهلية وأهل الكتاب كانوا يؤمنون بالجبت والطاغوت، فيتحاكمون إلى الكهان والأحبار، ويجعلونهم شارعاً، وطواغيتهم رؤساؤهم يحكمون فيهم بأهوائهم، وكانوا يقولون: "إن هؤلاء الرؤساء أعلم منا بالتوراة وبمصلحتنا".

والطاعة في المعروف طاعة على بصيرة، لذلك فرّق الله ورسوله وأهل العلم بين الاتباع والتقليد.

22- "فإن اتباع الرسول ـ عليه السلام ـ ليس بتقليد له ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بل قوله ـ عليه السلام ـ بذاته دليل شرعي، وحجة على الناس في ثبوت حكم الشرع، وحكمه ـ عليه السلام ـ حكم الله عز وجل، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناقل عنه تعالى، ومبلِّغ عنه تعالى بما أراه الله عز وجل".["تاريخ أهل الحديث" للدهلوي(ص:116)]

وقال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ:

23- "قبول الرواية ليس بتقليد، فإن قبول الرواية هو قبول للحجة، والتقليد إنما هو قبول للرأي".["جامع بيان العلم وفضله"(2/133-146)]

وتعجَّب مؤمنوا الجن لأول وهلة من طواعية الصحابة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أتوا النبي يستمعون إلى قراءته في صلاة الفجر فرأوا أصحابة يصلون بصلاته، ويركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهماـ:

24- "عجبوا من طواعية أصحابه له". [رواه أحمد وغيره بسند صحيح]

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

25- "والمقصود أن هذه الطواعية يجب أن تكون متحققة في كل مسلم ظاهراً وباطناً".["تحريم آلات الطرب"(ص:139)]

وقصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم في الابتلاء بالسمع والطاعة ظاهرة بيِّنة أثبت الله فيها السمع والطاعة بعد الإيمان فقال:

26- (..وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا .. (285) [سورة البقرة]

وقال تعالى:

27- (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) [سورة النور]

ولا تتم طاعة الله ورسوله إلا بعدم طاعة أهل الأهواء والبدع قال تعالى:

28- (..وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) [سورة الكهف]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

29- "ومن تأمل حال هذا الخلق وجدهم كلهم إلا أقل القليل ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله تعالى، واتبعوا أهواءهم، وصارت أمورهم ومصالحهم فرطاً. أي: فرطوا فيما ينفعهم ويعود عليهم بصلاحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم، بل يعود بضررهم عاجلاً وآجلاً. وهؤلاء قد أمر الله سبحانه رسوله ألا يطيعهم، فطاعة الرسول لا تتم إلا بعدم طاعة هؤلاء، لأنهم إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من اتباع الهوى والغفلة عن ذكر الله".

فأهل الأهواء والبدع لّما سمعوا الذكر لم يسمعوه سماع فهم وطاعة لما أتى عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أعراضهم وشهواتهم. فالخوارج يدافعون عن مذهبهم بفصاحة ولقابة. وصفهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:

30- "قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل".["صحيح الجامع"(3668)]

لأن بدعتهم لم تكن عن زندقة وإلحاد، بل كانت عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب. قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

31- " وكانت البدع الأولى مثل بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد فى النار!!!".["مجموع الفتاوى"(19/30)]

قال الآجري ـ رحمه الله ـ:

32- "لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله ـ تعالى ـ ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن صلوا وصاموا، واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، يموِّهون على المسلمين، وقد حذَّر الله ـ تعالى ـ منهم، وحذَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده، وحذرناه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ومن تبعهم بإحسان".

وقال:

33- "فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي، قد خرج على إمام، عدلاً كان الإمام أو جائراً، فخرج وجمع جماعة، وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صومه، ولا بحسن ألفاظه في العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج".["كتاب الشريعة"(1/325)]

وأول خارجي ابتلي بالسمع والطاعة فعصى وخرج "ذو الخويصرة"، خرج لأنه رضي برأي نفسه، قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

34- "ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ".

وقال ـ رحمه الله ـ:

35- "وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب، فأسرعوا إلى تكفير بعض الصحابة، وبالتالي كفَّروا كل من خالفهم، وكفروا مرتكب الكبيرة من المسلمين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

36- "والخوارج هم أول من كفر المسلمين: يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه، وماله، وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق".["مجموع الفتاوى" (3/236)]

وقال:

37- "والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ولم يوجبوا طاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومتابعته، وإنما صدّقوه فيما بلغّه من القرآن، دون ما شرعه من السنة التي تخالف ـ بزعمهم ـ ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه".["مجموع الفتاوى"(19/73)]

ونهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين وأهل البدع والأهواء فقال:

38- (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) [سورة الأنفال]

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

39- "فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو فهموا لم يعملوا بعلمهم".["مجموع الفتاوى"(23/148)]

فهؤلاء سمعوا الأمر سماع صوت قامت به حجة الله عليهم، لكنهم لم يسمعوه سماع فهم وطاعة لما جبلوا عليه من خباثة، ومن خباثتهم أنهم مستمرون مصرّون على عدم السماع، ولأنهم سمعوه صوتاً لا تدبراً ولا فهماً حرموا الفقه في الدين.

وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

40- "فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصَّر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافقين الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر".

فطاعة الله ورسوله إما ادعاء وإما حقيقة، فليس كل من قالوا سمعنا صدقوا؟! فالابتلاء على السمع والطاعة، من منازل الغربلة والتمايز. فمتى نزل الابتلاء بالناس صاروا إلى حقائقهم، فمن كانت طاعته لله ورسوله على الحقيقة وفِّق للسعادة، ومن كانت طاعته لله ورسوله رياءً وادعاءً وأهواءً كشفه الله وعرّاه وأخزاه وكان مصيره إلى الشقاوة.

قال القاضي الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ:

41- "الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم البلاء صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه".

والله تعالى نهى المؤمنين أن يفعلوا فعل المغضوب عليهم من تحريف الكلم عن مواضعه، والخروج عن الطاعة فقال:

42- (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا..(46) [سورة النساء]

والله تعالى خلق الإنسان ليبتليه فجعله سميعاً بصيراً ليتمكن من الطاعة والمعصية، وابتلى من خرج مع طالوت لقتال جالوت بالسمع والطاعة فانقسم الناس حيال هذا الابتلاء إلى قسمين:

القسم الأول: المؤمنون الذين يسمعون ويطيعون.

القسم الثاني: المنافقون الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون.

واعلم أن ظهور الفساد وانتشاره لا يتم عبثاً، ولا اعتباطاً، وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

وإذا ظهر الفساد فلا بد من العمل على إزالته وذلك بدعوة الناس إلى عبادة الله بحق، واتباع منهاج النبوة والسلف، وإصلاح ما أفسد، ومجاهدة من يسعى بحيلته وإرادته ويعمل بالعدوان والظلم.

وهذا الفساد المقدَّر؛ بيّن الله تعالى إنما يكفّه على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة الدين من المجددين، القائمين بالأمر بالمعروف والناهين عن المنكر، والملوك الذين يمكّنهم ويسخِّرهم الله للدفاع عن الشريعة، فاللَّه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه وجعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة، فالفرقة الناجية لا يخلو منها زمن من الأزمنة، فالعلماء الأمناء المجددون في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل الحديث والسلف هم ومن معهم الفرقة الناجية القائمون على الحق؛ يدفعون ـ ولله الحمد ـ فساد وشرور المنافقين، والمبتدعة، والكفّار، والمشركين، والفسّاق، والظلمة، والعصاة، والهرج والفتن، ويبقى لهم دائماً السبق في المدافعات والمكافحات لكي لا تفسد الأرض.

فأهل الحديث ـ ولله الحمد ـ لهم جهد عظيم في الذب عن دين الله الإسلام، وفي ذب الكذب عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعلى أيديهم جعل الله الخزي والعار لكل من كذب على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ادعى الصلاح والإصلاح.

ووقعت المدافعات بين أهل الحديث وغيرهم من أهل الباطل، ووقع معها الابتلاء بالسمع والطاعة، لأن أهل الحديث يبغضون أهل البدع والأهواء الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ومن هذه المدافعات التي وقعت بين أهل الحق وأهل الباطل وأخبر الله تعالى عنها في كتابه العزيز ما جرى بين جالوت الفلسطيني الكافر وجنوده الذين استأصل الله فسادهم بما كان من طالوت وأصحابه، حتى يفهم الناس أنه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل عليه.

وقد أكَّد الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ على مسألة الابتلاء بالسمع والطاعة ودعا إلى عدم الخروج على الأئمة في رأس كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" من "صحيحه"، . وغرضه رحمه الله: أن لا اعتصام إلا على العلم النافع، ولا أدل على ذلك مثل ملخص كلام أبي برزة أنه لا حياة لكم إلا بهذا الدين القويم والاعتصام به. وختم الإمام البخاري تصديره كتاب الترجمة بفعل عبد الله بن عمر ومبايعته عبد الملك بن مروان قائلاً:

43- "وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت".

قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ:

44- "والغرض منه: استعمال سنة الله ورسوله في جميع الأمور".

ومن السنة التذكير بوصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدم الخروج على ولاة الأمر، ولعل هذا هو الغرض الأهم في السنة لوقاية الجماعة من الفتنة. قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق ـ رحمه الله ـ:

45- "ومما انتحله بعض هؤلاء الجهلة المغرورين، الاستخفاف بولاية المسلمين، والتساهل بمخالفة إمام المسلمين، والخروج عن طاعته والافتيات عليه، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد بمكان يعرف ذلك كل ذي عقل وإيمان، وقد علم بالضرورة الإسلامية أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وان الخروج عن طاعة أولي أمر المسلمين والافتيات عليه من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد".

والعلماء لهم أمر الناس بالخير ودعوتهم إليه، وقد عاب الله على من تعرض لهم بالسوء وتوعدهم بعذاب أليم في الدنيا والآخرة قال ـ تعالى ـ:

46- (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21) [سورة آل عمران]

وللعلماء نهي الناس عن الشر قال ـ تعالى ـ:

47- (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(63) [سورة المائدة]

والأمراء لهم الشأن والأمر في حمل الناس على شريعة الله، وإلزامهم بها وإقامة حدود الله على من خالف.

أخرج الإمام البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

48- "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني".

ومن الأحاديث الهامة التي تحض المسلمين على التمسك بالسنة، وسنة الخلفاء الراشدين الأربعة ومن سار سيرتهم؛ حديث الموعظة البليغة التي وصّى فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتقوى الله والسمع والطاعة فقال:

49- "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً.. الحديث".["الصحيحة"(2735)]  

وقال أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ:

50- "أوصاني خليلي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف".["صحيح الأدب المفرد"(113)]    

وعن أنس بن مالك مرفوعاً:

51- "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".["صحيح الجامع"(985)]

قال الآجري ـ رحمه الله ـ:

52- "قد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله ـ تعالى ـ عن مذاهب الخوارج، ولم ير رأيهم، فصبر على جور الأئمة، وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسأل الله ـ تعالى ـ كشف الظلم عنه وعن المسلمين، ودعا للولاة بالصلاح وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين، وصلى خلفهم الجمعة والعيدين، وإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته وكف لسانه ويده، ولم يهوه ما هم فيه، ولم يعن على فتنة، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم، إن شاء الله". 

والمقصود بالابتلاء هو أن يتبين حال الإنسان، ولا يقتصر الابتلاء على الشدائد، فإن الإنسان كما يشق عليه الثبات على الحق عند الشدائد، فكذلك عند النعيم والرخاء، فالذي يصبر على مشاق الطاعة لله والرسول يثبت على الحق، والذي لا يصبر على نعم الدنيا؛ استحوذت عليه بالباطل فإن أصابته المصائب سخط.

قال تعالى:

53- (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) [سورة الحج] 

  إعداد: هشام بن فهمي العارف

4/10/1430 الموافق 23/9/2009