المدّعي الكذّاب يعيش في عذاب، بنص الحديث والكتاب
الإثنين | 19/10/2009 - 09:21 مساءً

المدّعي الكذّاب يعيش في عذاب، بنص الحديث والكتاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

نال المؤمنون محبة الله تعالى وهي أسمى نعمة يتطلعون إليها، ويرجون حصولها ودوامها. ومن علاماتها: أن يوفقهم ـ سبحانه ـ لطاعته، وييسر لهم الخير في كل شؤونهم، ويثبتهم في المواقف التي فيها نصرة الله والدين والحق والسنة، فنجوا ـ بفضل الله ـ من النفاق والفساد والضلال والأهواء والجبن الذي طال غيرهم بسبب قيامهم بهذه الصفات التي أشار إليها الله تعالى بقوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [سورة المائدة] و التي ذكرناها في المقالة السابقة بعنوان: الحكم على الجبناء بسبب ما جرى لهم في الابتلاء.

وقال تعالى:

1- (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاًّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116)وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) [سورة هود]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

2- "وفي هذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون بدين الله يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى".

فتنبهوا أيها الناس واعلموا أن الموالين لله بالإيمان والطاعة (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) لا خوف عليهم من الخزي في الدنيا، ولا من العذاب في الآخرة، وهم لا يحزنون على ما فاتهم من عرض الدنيا؛ لأن لهم عند الله ما هو أعظم من ذلك وأكثر.

وهم بهذه الصفات الحميدة أتبع بحق لنبيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في لينه وشدته وجهاده.

لذا كان من  لوازم محبة الله لعبده اتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الصفات المهمة، قال تعالى:

3- (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..(31) [آل عمران]

فجعل سبحانه متابعة رسوله سبباً لمحبتهم له، وكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل، وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

4- "وكلما كانت المحبة أقوى، كانت الموافقة أتم".["طريق الهجرتين"(ص:451)]

وأخبر ـ جل جلاله ـ عن نفسه؛ أنه يحب قوماً ولا يحب آخرين، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

5- "فإن هذا يقتضى أنه يحبهم بعد اتباع الرسول". [مجموع الفتاوى"(1/80)]

ومحبة الله إنما تتأتى بإخلاص العبادة، والوقوف عند حدوده، والاستجابة لتعاليم رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

وصيغة الأمر في قوله: (فَاتَّبِعُونِي) للوجوب، وكل من يدَّعي أنه محب لله وهو معرض عن أوامره ونواهيه فهو كاذب، لذا قال بعض الحكماء:

6- "ليس الشأن أن تحِب إنما الشأن أن تُحَب".

فالذين سعوا إلى محبة الله بصدق وحقيقة بعيداً عن الادعاء والرياء، حصل لهم فوق الذي طلبوا، أنهم نالوا محبة الله، وهي أسمى نعمة يتطلعون إليها ـ كما ذكرنا في مطلع المقالة ـ، وترتب على هذه المحبة غفران الذنب لأن الله تعالى ختم الآية ببشرى تلت محبته لهم فقال:

7- (..وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ..(31)

وقد سمى بعض السلف هذه الآية آية المحنة، يعني الامتحان، قال أبو سليمان الداراني ـ رحمه الله ـ:

8-"لمّا ادّعت قلوب محبة الله أنزل الله لها محنة".[نقله ابن القيم في "مدارج السالكين"(3/21)]

فمن ادّعى حب الله ورسوله قلنا له: عليك باتباع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فإن اتبعه فهو صادق، وإن خالفه فليس بصادق. قال أبو يعقوب النهرجَوري:

9- "كل من ادّعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطله".[نقله ابن رجب في "مجموع رسائله"(3/60)]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

10- "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

11- "فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن".

وقال:

12- "وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

13- "يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي اتباعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فالذي يخالفه ويدّعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر. إذ لو كان محباً له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة".

ودعوى محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تقبل إلا ببيِّنة. قال ابن القيـم ـ رحمه الله ـ:

14- "لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخليُّ حرقة الشجيِّ فتنوع المدعون في الشهود فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه".["زاد المعاد"(3/73) ومعنى الخليّ: الفارغ من الهموم وهو خلاف الشجيّ]

وأتباع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثبتوا ليس عند أقواله فحسب، بل أيضاً عند أفعاله وفي كل أحواله ومواقفه. لهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال:

15- "أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدّعيها".[نقله ابن تيمية في "العبودية"(ص:37)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

16- "وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية". ["العبودية"(ص:37)]

فمن ادعى من الصوفية محبة الله ومحبة رسوله نقول له: دعواك باطلة في ميدان البينة لأنك تارك لاتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وداخل في بدع شرّيرة، واعتقادات فاسدة. ولا نلتفت إلى طقوسك التي تجريها موهماً كل أحمق، وقد توسعوا بالمحبة حتى عبدوا الله بالحب وحده فهم مع الزنادقة.

ومن ادعى من جماعة الدعوة التبليغ محبة الله ومحبة رسوله نقول له كذلك، ولا نلتفت إلى احتياله في دعوى المحبة أو تدليسه في دعوى الانتساب إلى أهل السنة، لأنه مخالف لأهل الحديث والسلف في عقيدتهم ومنهجهم ودعوتهم.

ومن ادَّعى من الأشاعرة محبة الله ومحبة رسوله نقول له كذلك، ولا نلتفت إلى احتياله في دعوى المحبة أو تدليسه في دعوى الانتساب إلى أهل السنة، لأنه مخالف لأهل الحديث والسلف في عقيدتهم ومنهجهم ودعوتهم.

ومن ادَّعى من جماعة الإخوان المفلسين محبة الله ومحبة رسوله نقول له كذلك، ولا نلتفت إلى احتياله في دعوى المحبة إلى شعاراته ولا إلى أناشيده التي جلبت على الأمة المآسي والدمار، ولا نلتفت إليه في دعوى انتسابه إلى أهل السنة، لأنه مخالف لأهل الحديث والسلف في عقيدتهم ومنهجهم ودعوتهم. وقد توسع مع حزبه في دعوى المحبة حتى ادخلوا الرافضة فيهم، أو دخلوا هم مع الرافضة.

ومن ادّعى من حزب التحرير ـ العقلاني المعتزلي ـ محبة الله ومحبة رسوله نقول له كذلك، ولا نلتفت إلى ترّهاته وهرطقاته في احتياله في دعوى المحبة والمجاهدة بزعمه لإعادة الخلافة الراشدة، أو تدليسه بدعوى انتسابه إلى أهل السنة، لأنه مخالف لأهل الحديث والسلف في عقيدتهم ومنهجهم ودعوتهم. 

ومن ادعى من الخوارج محبة الله ومحبة رسوله نقول له كذلك، ولا نلتفت إلى غلوِّه لأنه عبد الله بالخوف وحده، فخرج بغلوِّه مع الخوارج عن منهاج النبوة والسلف، إلى أن صاروا إلى التفجير والتدمير بعد استحلال أموال المسلمين ودماءهم.

ومن ادعى في انتسابه للدعوة السلفية محبة الله ومحبة رسوله، قلنا له: اقتضت حكمته ـ سبحانه ـ أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب من أنواع الابتلاء والامتحان، فثبت من ثبت ممن يحب الله ورسوله أخيراً !! في مواجهة المنافقين وأهل البدع والأهواء، وسقط من سقط من المنافقين أو سكت من سكت من الجبناء !! في مواجهة جموع الضالين، وبانت حقيقة الخبايا بعد ظهور الخفايا.

قال الشيخ العثيمين ـ رحمه الله ـ:

17- "فلا يكفي أن يأتي إنسان ويقول: أنا أحب الله، أنا حبيب الله، كما يدّعي أناس أنهم أولياء لله، ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو صادق، أو هو عاص فاسق دجال". 

وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

18- "ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله".

ثم قال:

19- "وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينته الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به".

وميدان البيِّنة له علامتين:  اتباع الرسول، والجهاد في سبيله. قال ابن تيمية:

20- "فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه".

قال تعالى:

21- (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ..(179) [آل عمران]

قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ:

22- "فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادات النفس والهوى".["مجموع رسائله"(3/63)]

وهذه نعمة يمتنّ الله بها على عبده المؤمن، قال أبو راشد الحبراني: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي، قال: أخذ بيدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لي:

23- "يا أبا أمامة! إن من المؤمنين من يلين لي قلبه".["الصحيحة"(1095)، ومعنى يلين لي قلبه: أي يسكن ويميل إلي بالمودة والمحبة.]  

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

24- "وليس ذلك إلا بإخلاص الاتباع له ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون سواه من البشر، لأن الله تعالى جعل ذلك وحده دليلاً على حبه عز وجل". 

وقال ابن رجب ـ رحمه الله ـ:

25- "يا هذا!! اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبده على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ومتى قويت المحبة والمعرفة لم يرد صاحبها إلا ما يريد مولاه".["مجموع رسائله"(3/62)]

ويشبه ادّعاء من ادّعى محبة الله، ادّعاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم لله أولياء وأحباء، قال تعالى:

26- (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) [المائدة/18]

فإن كانوا صادقين شجعان فليتبعوا منهاج الدعوة السلفية، منهاج النبوة؛ أهل الحديث والسلف، فالادعاء سهل لكن الكلام على البيِّنة، والبينة على من ادّعى، فإن كانوا حقاً يحبون الله، فلم لا نرى آثار هذه المحبة عليهم؟!!

وإذا كان كل هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يزعم كل فريق منهم أنهم الطائفة المنصورة، وأنهم أحباء الله وأولياؤه، فلم يعذبهم الله بذنوبهم؟!! والمراد من الآية إظهار كذب دعواهم، وأن الله تعالى لا يعذِّب من يحب.

  إعداد: هشام بن فهمي العارف

30/10/1430 الموافق 19/10/2009