الخوارج في التديِّن..إلى أين؟!!
الأحد | 22/11/2009 - 11:26 مساءً

الخوارج في التديِّن..إلى أين؟!!

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

ديننا الإسلام دين سماحة ووسطية لا يجوز فيه الغلو، وقد سبق لي أن كتبت في الوسطية فقلت:

1- "والوسطية من أعظم خصائص المنهج الرباني النبوي السلفي. ولا يحتكم إليها إلا الذي فهم الإسلام فهماً صحيحاً شاملاً، لذلك أكد العلماء على أهمية فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

إن السبب الرئيس في الانحراف عن الصراط المستقيم؛ هو ترك تعاليم دين الله الإسلام، والناتج المؤسَفُ له بسبب الانحراف؛ البعد عن الوسطية إلى أن تصير  الأمور إلى اختلاط الأوراق، واضطراب الأفكار، والبعد عن الهدى. والدخول في جُحر الضَّب الذي حذَّر منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، الذي يكون على إثْرِه الشقاق، والنزاع، ووقوع أصناف العذاب؛ منها القتل، والقذف، والخسف ، والمسخ ... وغير ذلك، نعوذ بالله منها، ومما صار إليه أهل الكتاب في الضلال".["الوسطية دين الله عز وجل"]

وقلت:

2- "إن تفريق الصف سببه بغض السنة، وكراهيتها، والحيدة عن اتباع طريقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أو الجهل بالسنة ومخالفة طريقة الصحابة الوسطية في الفهم، ولقد زاغ من زاغ من بني إسرائيل بعد البيان والحجة عن هدى موسى و عيسى ـ عليهما الـسلام ـ فكانت عاقبته في غاية السوء".

وقلت:

3- "أيها المسلمون: إن الذين تمسكوا بالوسطية كما أرادها الله ـ تعالى ـ جُعلوا شهداء على الناس لأنهم على طريقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي نبَّه بقوله محذراً أمته:

4- "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً.[أخرجه مسلم، وأبو داود، وغيرهما]

قال النووي ـ رحمه الله ـ:

5- "أي: المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم".

وقال المناوي ـ رحمه الله ـ:

6- "أراد الغالين في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشرع".["التيسير بشرح الجامع الصغير"(2/928)]

وفي النهاية:

7- "هم المُتعَمِّقون المُغالون في الكلام المتكلِّمون بأقْصَى حُلوقهم. مأخوذ من النِّطَع وهو الغارُ الأعْلى من الفَم ثم استُعْمِل في كل تَعَمُّق قولاً وفعلا".

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

8- "إياكم والغُلُوَّ في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوِّ في الدين".["الصحيحة"(1283)]

وقد وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخوارج بالتعبّد فقال:

9- "إن فيكم قوماً يتعبّدون [ويتديّنون]".["الصحيحة"(1895)، "ظلال الجنة"(945)]

فهم شيعة ذو الخويصرة الذين وصفهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنهم:

10- "يتعمّقون في الدين".["ظلال الجنة"(930)]

فلا يغرنّك بعد هذا انتسابهم "للسلفية" ـ زعموا ـ، ولا يغرنَّك دفاعهم عن شيخنا؛ شيخ الإسلام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ـ زعموا ـ، ولا يغرنّك مظهرهم الخدّاع، ولا منطقهم اللمّاع، ولا مركزهم اللعلاع، لأنهم أصحاب بدعة وابتداع، وهم من أجبن خلق الله أمام رجل بصير بدين الله شجاع، فأكثرهم أحداث أسنان، سفهاء أحلام، في تخبط وحيرة وضياع، وللأصاغر أتباع، ووراء كل ناعق لدينه بيّاع. ويستمر مشروع تعمّقهم في الدين؛

11- "حتى يعجبوا الناس ويعجبهم أنفسهم".["الصحيحة"(1895)]

فإذا وقع العجب أصيبوا بالغرور، فهلكوا وأهلكوا غيرهم ممن تعصَّب لهم، فنعوذ بالله من الجهل، والعجب، والغرور، والخذلان.

وقد عنون شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث:

12- "العجب سبب هلاك المتعبدين".

والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حث على الاقتصاد في العبادة، ونهى عن التعمق فيها حتى قال:

13- "لا تشدّدوا على أنفسكم فإنما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات".["الصحيحة"(3124)] 

قال الإمام الآجري:

14- "لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أن الخوارج قوم سوء عصاة لله تعالى ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإن صلوا وصاموا، واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، نعم، ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموِّهون على المسلمين، وقد حذرنا الله تعالى منهم، وحذرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده، وحذرناهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ومن تبعهم بإحسان".["الشريعة"(1/325)]   

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

15- "وقد ذم رسول الله الخوارج لشدة تنطعهم في الدين وتشددهم في العبادة".["الصلاة وحكم تاركها"(ص:192)]

وقد لعب الشيطان دوراً كبيراً في إضلال الخوارج بعد أن غلوا في ورعهم وتديِّنهم، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

16- "وَإِذَا كَانَ الإسْلامُ الَّذِي هُوَ دِينُ اللَّهِ لا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ؛ قَدْ اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ؛ حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ شَرَائِعِهِ؛ بَلْ أَخْرَجَ طَوَائِفَ مِنْ أَعْبَدْ هَذِهِ الأمَّةِ وَأَوْرَعِهَا عَنْهُ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ".["مجموع الفتاوى"(3/381)]

 

 

 

 

وعندما ذهب ابن عبّاس لمناظرتهم قال:

17- "دخلت على قومٍ لم أر قوماً قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قرحت من السجود، وأيديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحَّضة، مشهرين، مسهمة وجوههم من السهر".[أخرجه الفسوي في "تاريخه"(1/522) ومعنى مرحّضة: المغسولة]

فكانت وجوههم معلّمة من كثرة السجود، وضامرة من السهر، فالخوارج يتشدّدون في العبادة إلى درجة أنكم يا عباد الله:

18- "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم".[متفق عليه]

ومعنى تحقرون: تستقلون، يعني تستصغرون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

19- "فَذَكَرَ اجْتِهَادَهُمْ بِالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُمْ يَغْلُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَحْقِرَ الصَّحَابَةُ عِبَادَتَهُمْ فِي جَنْبِ عِبَادَةِ هَؤُلاءِ. وَهَؤُلاءِ غَلَوْا فِي الْعِبَادَاتِ بِلا فِقْهٍ فَآلَ الأمْرُ بِهِمْ إلَى الْبِدْعَةِ".["مجموع الفتاوى"(10/392)]

وفي رواية:

20- "ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء".[أخرجه مسلم]

قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:

21- "والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيامه، ولا صلاته، ولكن بما وقر في قلبه".[ذكره ابن تيمية في "منهاج السنة" وابن القيم في "مفتاح دار السعادة"]

وهذا التشدد في الدين وهذا التنطّع لدى الخوارج لا يعني أنهم أهل علم وفقه؛ بل علامة على جهلهم وابتداعهم، ولهم تأويلات فاسدة مخالفة لهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومخالفة لفهم الصحابة. ومن لم يتشدّد منهم في العبادة بحيث لا يظهر التشدّد على جوارحه، فإنك ستجده حتماً على فلتات لسانه بحيث يفصح لك عن تنطّعه في اعتقاده.  

فلا يغرنّك إن أحسنوا قراءة القرآن، وإن حفظوه عن ظهر قلب، وإن أحكموا تجويده، فلا يغرنَّك ذلك أبداً، فهم يقرءون القرآن من غير تدبر؛ لأنهم يتبعونه بمقتضى فهمهم، واتباعاً لأهوائهم. فليس هذا التنطع الذي هم فيه بدليل على تقوى أو ورع، لأنه بني على شفا جرف هار، وسرعان ما تكشف الأحداث أن وراءه جهلاً مركباً، وهوىً متبعاً. وكلما أمعنت النظر في حالهم وجدتهم ـ وإن ادّعوا السلفية، أو جمعوا شخوصهم في موقع "الكل"!! ـ هو أحد مواقعهم الخبيثة على الشبكة العنكبوتية ـ فمفاهيمهم للحق معكوسة، فليس عندهم فهم صحيح في تفسير قول الله تعالى، ولا فهم صحيح لقول نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإن نقلوه أحياناً عن السلف فهو من باب المكر والمكيدة للتلبيس، وبالتالي فإن فهوم السلف عندهم مغلوطة، لأنهم شردوا منها إلى ما تهوى عقولهم من التشدد الذي ليس في محلِّه، وقد فسّر ابن تيمية ـ رحمه الله ـ تنطّعهم بقوله:

22- "أي: المشدّدون في غير موضع التشديد".["كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه"(22/224)]

فهم يقولـون قولاً يظنه السامع حقـاً، بل ويقولون من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ففي رواية عن علي وعبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً:

23- "يقولون من خير قول البرية".[أخرجه البخاري، وجعله أيضاً في "فضائل القرآن" باب: "إثم من راءى بقراءة القرآن، أو تآكل به، أو فجر به" (5057)، وكتاب "استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم" باب: "قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم"(6930). وأخرجه مسلم في "كتاب الزكاة" باب:"التحريض على قتل الخوارج"(154/1066)، وغيرهما]

قال السندي ـ رحمه الله ـ:

24- "أَيْ يَتَكَلَّمُونَ بِبَعْضِ الأقْوَال الَّتِي هِيَ مِنْ خِيَار أَقْوَال النَّاس".["حاشية السيوطي والسندي" على سنن النسائي"(5/431)]

وقَالَ النَّوَوِيُّ ـ رحمه الله ـ في "شرح صحيح مسلم":

25- "أَيْ فِي الظَّاهِر مِثْل: "إِنْ الْحُكْم إِلاَّ لِلَّهِ" وَنَظَائِره؛ كَدُعَائِهِمْ إِلَى كِتَاب اللَّه".

وقال ابن حجر:

26- "والمراد القول الحسن في الظاهر وباطنه على خلاف ذلك".["فتح الباري"(12/287)]

لذا فهم كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

27- "قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل".["صحيح الجامع"(3668)]

فهم قوم يحسنون القيل لأنهم يستشهدون بقول الله تعالى، ويستشهدون بحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ويستشهدون بأقوال السلف، ويستشهدون بكلام خيار الناس، وهذا للذي لا يعيش بينهم ولا يعرفهم جميل ورائع، ولكن إذا اطّلع على حقيقتهم وجدهم أشد مرارة من الحنظل على أهل الإسلام، فهم محتالون خيّابون عيّابون؛ لأنهم كما قـال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

28- "يدعُون إلى كتاب الله وليسوا منه (وفي رواية:وليسوا من الله) في شيء".["صحيح الجامع"(3668)، وفي "ظلال الجنة"(941)]

فهم يدعُون إلى أحسن القول، لكن في الحقيقة عند الفعل والتطبيق ترى عجباً وتصاب بالذهول. فمن اجل بقاء سمعتهم بين الناس فإنهم يحافظون على التلميع الذي حصلوا عليه سابقاً قبل بيان حقيقتهم، أو قبل خروجهم، بل يزيدون عليه حتى جعلوا لأنفسهم الألقاب الطنّانة والرنّانة؛ طمعاً في بقاء مكتسباتهم الفانية التي يتجارون بها على حساب الدين عند زبائنهم السذّج والمساكين. فالتخلص من هذه النوعية من البشر ولو بالقتل والإبادة من أفضل نعم الله على البشرية كلِّها.

قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:

29- "وستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم، وإياكم والتبدّع، والتنطع، والتعمّق، وعليكم بالعتيق".["البدع لابن وضاح (ص:64)] 

وعن قتادة قال:

30- "لمّا سمع علي "المحكّمة" قال: من هؤلاء؟ قيل له: القراء. قال:

31- "بل هم الخيّابون العيّابون".

قيل: إنهم يقولون: لا حكم إلا لله. قال:

32- "كلمة حق عزي بها باطل".

قال: فلما قاتلهم قال رجل: الحمد لله الذي أبادهم وأرحنا منهم، قال علي:

33- "كلا والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم ألصاصاً جرَّادين".[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(18655)]

الصاصاً هكذا في "المصنف" المطبوع، ولعلها "لصاصاً" من اللصوصية، والكلمة التي تليها تتناسق مع هذا المعنى "جرّادين" بمعنى: يعرّون الناس من ثيابهم. قال في النهاية:

34- "وفي حديث الشُّرَاة [فإذا ظَهَروا بَيْن النَّهْرَين لم يُطَاقُوا ثم يَقِلُّون حتى يكون آخرهم لُصُوصاً جَرّادين] أي يُعْرون الناس ثيابَهُم ويَنْهَبُونها".

وهكذا فعلت ذيول الخوارج عندنا في فلسطين حين أتوا على جمعية المركز العلمي حين كنت على رأسها، فبعد أن تكلمت في المدعو علي الحلبي وأعوانه وكشفت عوارهم، جاءوا إلى مقر الجمعية فجرّدوها ونهبوا ما فيها ونقلوا محتوياتها إلى مقرِّهم في عناتا، ولا زالت القضايا في المحاكم قائمة بيني وبينهم حتى كتابة هذه المقالة، فأسأل الله تعالى أن يبصِّر سلطتنا الوطنية الفلسطينية بخطر هؤلاء وشدة ما هم عليه من المكر.

والشُّراة: هم الخوارج، ويسمّون أنفسهم : بـ "الشراة" لأنهم باعوا أنفسهم في سبيل الله. وهذا الاسم يحبونه، ولا يقبلون تسميتهم بالخوارج أو المارقة، سمّوا بـ "المارقة" لأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة. ويسمَّون: بالحرورية، لنزولهم إلى موقع اسمه حروراء.

ومن المفاهيم المعكوسة عند الخوارج ـ على سبيل المثال ـ تقديمهم الجهاد على الإيمان. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

35- "إن صاحب العلم أقل تعباً وعملاً، وأكثر أجراً، واعتبر هذا بالشاهد فإن الصناع والإجراء يعانون الأعمال الشاقة بأنفسهم، والأستاذ المعلم يجلس بأمرهم وينهاهم ويريهم كيفية العمل، ويأخذ أضعاف ما يأخذونه، وقد أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذا المعنى حيث قال:

36- "أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده ثم الجهاد".["صحيح الجامع"(1092)]

 فالجهاد فيه بذل النفس وغاية المشقة، والإيمان علم القلب وعمله وتصديقه؛ وهو أفضل الأعمال، مع أن مشقة الجهاد فوق مشقته بأضعاف مضاعفة، وهذا لأن العلم يعرف مقادير الأعمال ومراتبها وفاضلها من مفضولها وراجحها من مرجوحها فصاحبه لا يختار لنفسه إلا أفضل الأعمال، والعامل بلا علم يظن أن الفضيلة في كثرة المشقة فهو يتحمل المشاق وإن كان ما يعانيه مفضولاً، ورب عمل فاضل والمفضول أكثر مشقة منه، واعتبر هذا بحال الصديق؛ فإنه أفضل الأمة ومعلوم أن فيهم من هو أكثر عملاً وحجاً وصوماً وصلاةً وقراءةً منه".["مفتاح دار السعادة"(ص:81-82)] 

فالخوارج مجتهدون لكنه اجتهاد في الظلام، وهذا المعنى الذي أراده عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حين قال:

37- "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". [أخرجه الحاكم، والدارمي، وابن عبد البر في "الجامع" وقال به: أبي بن كعب، رواه احمد في "الزهد" وأبو نعيم في "الحلية"]

ولا يغرنّك غلوَّ الخوارج وتنطعهم في العبادة لأنهم في مقتضى فهومهم أصحاب بدع وأهواء، ولا يغرنّك حسن تلاوتهم للقرآن، أو حفظهم له، وإتقان تلاوته بأحكام التلاوة والتجويد، فالقرآن لا يعدو حناجرهم إلى قلوبهم، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

38- "يقرءون القرآن [بألسنتهم] لا يجاوز (وفي رواية: لا يعدو) تراقيهم [حناجرهم] [أو حلوقهم (وفي رواية: حلاقمهم)]".[أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وهو في "الصحيحة"(2455 و3034)، وفي "ظلال الجنة"(908)]

والمعنى: أنهم لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءتهم، لأنهم يسردونه سرداً من غير تدبر أو تفقّه، وهذه الصفة من الصفات التي نعتهم بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأول وهلة حين تكلم في رأس طالعهم "ذو الخويصرة" فقال:

39- "إن هذا في أصحاب أو أصيحاب له يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ..".[سنن ابن ماجه]

قال النووي ـ رحمه الله ـ:

40- "معناه أن قوماً ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب".

قال ابن بطال ـ رحمه الله ـ:

41- "يعنى: لا يرتفع إلى الله، ولا يؤجرون عليه لعدم خلوص النية بقراءته لله تعالى، ولذلك شبه قراءة المنافق لما كانت رياء وسمعة بطعم الريحانة المر الذي لا يلتذ به آكله، كما لا يلتذ المنافق والمرائى بأجر قراءته وثوابها.["شرح صحيح البخاري"(10/283)]

 

قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ:

42- "فالذي فهمه الأئمة من السياق أن المراد: أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم لأن ما وقف عند الحلقوم فلم يتجاوزه لا يصل إلى القلب".["الفتح"(9/100)]

وقال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:

43- "إنَّ أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوُزِ تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرَسَخ فيه، نفع".[أخرجه مسلم"(822)]

وقيل:

44- "لا تفقهه قلوبهم ويحملونه على غير المراد به".[شرح الزرقاني"(2/25)]

وفي رواية أبي سعيد الخدري وصفهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنهم:

45- "يتلون كتاب الله رطباً".[متفق عليه]

قال القرطبي:

46- "فيه أقوال أحدها: أنه الحذق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله، والثانية:  يواظبون على تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبة، والثالث: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة".["الديباج على مسلم"(3/156)]

وقيل: يتلونه سهلاً، قلت: سهلاً من غير خشوع، فهم على خلاف مع من طلب كلام الله تعالى للخشوع، فليس من أخلاق حملة القرآن الغفلة عن مراد الله تعالى، بل يكون همّ الواحد منهم عندما يقرأ كتاب الله متى اتعظ بما أتلو؟! متى أعمل بأوامر الله؟! متى أترك ما نهى الله عنه؟! فهو إن لم يعمل لزمه الشعور بالتقصير. قـال الآجري ـ رحمه الله ـ:

47- "ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟ وإنما مراده: متى أعقل عن الله عز وجل الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأن تلاوة القرآن عبادة لا تكون بغفلة".[أخلاق حملة القرآن"(ص:26)]

لكن هؤلاء إن قرءوا كتاب الله لا يجاوز حناجرهم، فلا يجدون حلاوته، وحلاوته متى وقر في القلب، وفي مقالتي "أيها السلفيون!! احذروا هاوية التنظير بعيداً عن العمل" قلت:

48- "ولا يمكن أن يورثهم القرآن خشوعاً إلا بتدبّر كلام الله تعالى والعمل بمقتضاه، لذا فمن الوسائل المهمة التي تؤدي إلى خشوع القلب: إقران المتدبر العلم بالعمل".

قال الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ:

49- "يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل".[جامع بيان العلم"(2/10)]

ونقل القرطبي في الجامع قول الشعبي ـ رحمه الله ـ:

50- "هو بين أيديهم يقرؤونه؛ ولكن نبذوا العمل به".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

51- "وهذا أبلغ في الإعراض؛ كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين، وهم يعلمون صدقه، وحقيقة ما جاء به".

وفي مقالتي "المشار إليها أعلاه" نقلت قول عبد الله بن المعتز:

52- "علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله".["اقتضاء العلم العمل"(47)]

ومن المعلوم أن أول علم يرفع من الناس الخشوع، فقد صح عن شداد بن أوس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

53- "أول ما يرفع من الناس الخشوع".["صحيح الجامع"(2576)]

قال المناوي:

54- "أي خشوع الإيمان الذي هو روح العبادة وهو الخوف أو السكون أو معنى يقوم في النفس يظهر عنه سكون الأطراف يلائم مقصوده العبادة. قالت عائشة: "كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه، وخرج بخشوع الإيمان خشوع النفاق، والفرق بينهما أن الأول خشوع القلب لله بالإجلال والوقار والمهابة والحياء، والثاني يبدو على الجوارح تصنعاً وتكلفاً والقلب غير خاشع".

وعن عقبة بن عـامر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

55- "سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن".["صحيح الجامع"(3653)]

 

قال المناوي:

56- "أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه، بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة".  

واعلم أن السلق لا يسمح بالخشوع، لأن الخشوع لا يكون إلا بتدبر وتقوى، وقد يكون الدافع من السلق الرياء والسمعة، فهي إذن قراءة المنافق. قال حذيفة:

57- "أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه، لا يترك منه ألفًا ولا واوًا، لا يجاوز ترقوته".[نقله ابن بطال في شرحه لصحيح الإمام البخاري] 

واعلم أن البلاغة، والفصاحة المتصنّعة أسلوب من أساليب المبتدعة، والخوارج منهم كذلك من اجل التوصل إلى أهدافهم، جاء هذا البيان في وصف النبي لهم بقوله:

58- "ذلقة ألسنتهم بالقرآن".["ظلال الجنة"(937)]

والذليق: البليغ، وجاء في شرح "نهج البلاغة":

المقال كاملاً هنا