أيها الدجاجلة! أنتم المفسدون
الخميس | 14/01/2010 - 10:24 مساءً

أيها الدجاجلة! أنتم المفسدون

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

كنت تناولت موضوع البصيرة في عدة مقالات بهذه العناوين:

"هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة".

"النور والبصيرة باتباع الكتاب العزيز والسنة الصحيحة".

"ليس كل من رأى بعينيه أبصر".

"ما ازددت فيك إلا بصيرة".

وخلاصة ما قلته فيها:

1- "من كــان على أمر محـمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وسنته، ومنهجه، وفهم صحابته ـ رضوان الله عنهم ـ فهو على بصيرة، وهو لله الحمد في نعمة عظيمة لأنه على حجة واضحة، وبرهان ساطع، فدعوته بيضاء، نقية، ليس فيها خلل، ولا غموض، ولا عماية، لأنها خالصة لله، وبعيدة عن التقليد الأعمى، والانقياد الباطل، والتحزب المقيت، والتخمينات الكاذبة، والتأويلات المنحرفة".

2- "إن البصيرة نعمة كبيرة يمتنها الله تعالى على من شاء من عباده المؤمنين، فالقرآن الكريم، والسنة الصحيحة على فهم السلف الصالح نعمة عظيمة، وهي بصائر من الله تعالى، فمن كانت هذه الأنوار في دربه كان على بصيرة من ربه".

3- "من تحصَّل على البصيرة تمتع بالهدى، ونزلت عليه الرحمة، وقد جعل الله تعالى كتابه التوراة بصـائر للناس. فلما حرَّفوه بأيديهم، وحرَّفوا مفاهيمه بالتأويلات الضالة البعيدة عن الهدى، ضلّوا عنه وقسوا وأصبحوا في عمى".

4- "أنبياء الله تعالى أهل أبصار، قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ:"من المستقر في أذهان المسلمين: أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء، هم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً ودعوة إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباع الرسول حقاً. وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكى الناس بها. وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين، والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله ـ تعالى ـ فيهم: (أُوْلِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ).

5- "تزداد بصيرة المؤمن بصحبة العلماء الربانيين، وبالاعتبار، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا).

قال أبو عبيد الهروي ـ صاحب الأزهري ـ : "أي جاءكم من الآيات ما تبصرون به، كأنه أراد: ما تعتبرون به".

6- "الأعمى أعمى القلب وإن كان بصير العينين، والبصير بصير القلب وإن كان أعمى العينين. فمن ترك طريق الهدى مختاراً؛ وقع في العمى جزاءً، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

7- "من البصيرة أن يحوز أتباع المنهج الحق "السلفيون" على شرف التبعية لنبيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيدعون إلى الله على حجة واضحة، ويجتهدون على ذلك؛ رحمة وشفقة بالناس قدر وسعهم، في الوقت الذي نرى الناس فيه بحاجة إلى تبصير بحقائق الأشياء بعــد أن عمَّت الفوضى، وزادت الحيرة، وغلب الشك، وكثرت الفتن، فأتباع الأنبياء كانوا ولا يزالوا لهم شرف التصدي لهذه المهمة الجليلة من أجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن البدعة إلى السنة، لأنهم خلفاء الرسل حقاً وورثتهم دون الناس".

8- "ليس غريباً أن ترى أهل البدع والأهواء مصابين بهوس البعد عن تطبيق السنة والاستهزاء بها، وتسمية جوانب منها بالقشور، وما ذلك إلا بسبب ما نالهم من ظلمة التيه والحيرة فبعدت عنهم رؤية النور فهم متخبطون".

9- "وليس غريباً أن نجد من يتعامى عن اتباع الحق، ويتناسى ذلك تاركاً عمداً التدبر والفهم، محتجاً في فهم نصوص الكتاب والسنة الصحيحة برأيه السقيم.

ونذكِّرهم بمقالة نوح ـ عليه السلام ـ (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)[سورة هود]

وبسبب هذه الفهوم العقيمة يحتج الظالم لنفسه في المحشر بسبب فقدان بصره قائلاً  (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا).[سورة طه]

فإنه لا بد حينئذٍ أنه سامع كلام الله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)

كما فعل قوم لوط قال تعالى (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) [سورة النمل] أي: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها.

فهذا عدل الله أن يُكافأ الفالح على فوزه، وأن يُعاقب الطالح على فعله، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً(70) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً(71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(72).[سورة الإسراء]

10- "واعلم أن البصيرة في قوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) شاملة الداعي ومن استجاب له في الدعوة إلى الله لقوله تعالى في الآية: (أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) لأن المستجيب المتَّبع تحصَّل على البصيرة من الأول، لمصاحبته على علم وبيِّنة، وهذا دليل على أهمية الاتباع المخالف للتقليد الدال على الغباوة والجمود، والذي يقع فيه كثير من أتباع الفرق الضالة متأثرة بنعيق رؤوسها وضُلاَّلها، فالسلفي إنما تقوم تبعيته للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء على بصيرة، فيتعلم الإيمان أولاً، لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا الذي أشارت إليه نهايات الآية: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ).

فالسلفي يدعو إلى الله على بصيرة، يوحّده ويسبِّحه، ويقدِّره حق قدره، فيثبت لله تعالى من صفات الكمال ما يليق بجلاله، وينزهه عما هو متعال عنه تنزيهاً يليق به. لا التنزيه المزعوم الذي فيه تعطل صفاته ويسلب كماله على نحو ما تعتقده الفرق الأخرى الضالة كالمعتزلة، والجهمية،  والأشاعرة، والماتريدية، والصوفية، والشيعة، والخوارج، ومن سار سيرهم وانتسب إليهم من أهل الضلال والأهواء، من الحركات والأحزاب الدينية الإسلامية.

11- "والمؤمن بالله تعالى، المنتفع بما نزل من قوله في كتابه، وأوحاه لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، تزداد بصيرته قوة لما يوفقه الله تعالى، حتى في أشد وأحلك الظروف والمناسبات والوقائع، فتراه يزداد إيماناً وبصيرة وهو يرى من دلائل نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يقع.

ولا أدل على ذلك من موقف الرجل المؤمن حين وقف أمام الدجال قائلاً: "يا أيها الناس! هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

 فمنذ محنة خروج الدجاجلة علينا في فلسطين وغيرها (قبل نحو عام ونصف) ونحن السلفيون في المسجد الأقصى ـ بفضل الله تعالى ـ نزداد بصيرة بما يجري حولنا، فألاعيب المموّهين أصبحت لدينا مكشوفة.

والدجّالون خدّاعون يلبِّسون عليك أمرك، والدجّال لقب المسيح الكذّاب، وحذَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم ومن تلبيساتهم الإبليسية في آخر الزمان فقال:

12- "يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلّونكم ولا يفتنونكم".[أخرجه أحمد ومسلم]

قال ابن الأثير في النهاية:

13- "كذّابون مموّهون، وقال: وأصل الدّجل: الخلط، يقال: دجَّل إذا لبَّس وموَّه".

وقال في معنى الدجّال:

14- "وفعّال من أبنية المبالغة، أي يكثر منه الكذب والتلبيس".

وقال الإمام البغوي ـ رحمه الله ـ:

15- "وكل كذّاب دجّال".["شرح السنة"(15/27)]

وقال المناوي ـ رحمه الله ـ:

16- "أي يغيرون الأحاديث ويكذبون فيها، أو يدّعون النبوة، أو الأهواء الفاسدة، والاعتقادات الباطلة، أو غير ذلك، وزاد في رواية: آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى كأنها عنبة".["فيض القدير"(6/543)]

وقال الملا علي القاري ـ رحمه الله ـ:

17- "قوله: (يكون في آخر الزمان) أي: آخر زمان هذه الأمة (دجّالون) من الدجل وهو تلبيس الباطل بما يشبه الحق، يقال: دجل إذا موَّه ولبس، أي مزورون وملبّسون وخدّاعون، يقولون للناس: نحن علماء ومشائخ، ندعوكم إلى الدين وهم كاذبون في ذلك، ويتحدثون بأكاذيب، ويبتدعون أحكاماً باطلة، واعتقادات فاسدة، فاحذروهم".["مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"(1/252)]

وقال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ:

18- "وقد وجد من هؤلاء خلق كثيرون في الأعصار، وأهلكهم الله تعالى وقلع آثارهم وكذلك يفعل بمن بقي منهم".

وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

19- "وقد تورع جماعة من جهلة المتزهدين عن سماع القدح في الكذّابين قالوا هذا غيبة، ولم يعلموا أنه قصد لتصحيح الصحيح، وإفساد الفاسد، ولولا جهابذة النقل لأدخل في الشريعة ما يفسدها ولقد أدخلوا وبالغوا غير أن الله تعالى لا يخلي كل زمن من ناقد ينفي عن الحديث كذب الكذابين وتحريف الجاهلين حفظاً لشريعته، والله غالب على أمره".["كشف المشكل من حديث الصحيحين"(ص:1044)]

فالكذب والتمويه والتدليس والتلبيس والخداع والدجل والدهن والتمييع كلها أساليب شيطانية، وألاعيب إبليسية، وهي صناعة عزيزة عند أهل النفاق والشقاق، وأركان في أخلاق المنافقين والمبتدعة وأهل والأهواء، والمموِّه يحاول جاهداً إظهار الصورة المزيفة كأنها الأصل، ليعتّم على الحق، فلا يمنعه تمويهه وتخلّقه السافل المنحط أن يكتب على النسخة المزوَّرة مثلاً (العدد الشرعي)!!

ولا يجوز للبصير أن يقصي المموِّه عن الطريق فحسب، بل يجب عليه أن يكشف ألاعيبه حتى يحذرها الناس، فالدجل من أعظم الفتن، لأن الدجّال يحاول جاهداً أن يوقع في شباكه الكثير من المخدوعين الغافلين، والمسحورين بتفوقه الأفّاك، وهذا الذي استدعى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يخاف على أمته من الأئمة المضلين لأنهم أصحاب حرفة في التمويه والتلبيس والتدليس والخداع والكذب والدجل، فعن ثوبان ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

20- "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين".["صحيح الجامع"(2316)]

وكثير من خَلْق الله فتنوا بالتمويه والدجل، وسبب نجاة الناجي بعد فضل الله عليه: إخلاصه لربه عز وجل، وتمسكّه بسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبصيرته بالحق، وهذه بمجموعها تستعصي على الدجاجلة أن يجعلوا من خصومهم الأبصار ألعوبة وأضحوكة.

فمن البصيرة أن يذكّر الآمر بالمعروف الناس بدجل الدجاجلة وما يفعلونه من المنكر العظيم، ولا يخاف في الله لومة لائم، فالدجال الكبير

21- "لا يخرج حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر".["قصة المسيح الدجّال"(ص:30)]

فمن أراد أن يفضح ألاعيب الدجاجلة الملبسين المموّهين بدهاء ومكر، محتاج لذكر عمدتهم وهو المسيح الدجّال، وهذا من أعظم الجهاد في سبيل الله، لأن الدجّال الكبير أراد بدجله طمس الحق والحقائق بما أوتي من الباطل المقرون بالخوارق، وتلامذته من الدجاجلة عبر العصور أرادوا أيضاً طمس الحق والحقائق بما أوتوا من جدل المنافقين، وفن المتلاعبين.    

ونبَّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخوَّف من خطورة التمويه والخداع الذي يحدثه الدجّال في نفوس الجهّال، أو يحدثه في الذين ليس عندهم دراية بألاعيب الدجاجلة، أو يحدثه في الذين آثروا الدنيا على الآخرة، أو يحدثه فيمن تقرّبوا إليه وابتعدوا عن تحذيرات الربانيين فقال ـ عليه السلام ـ في كبيرهم الدجّال:

22- "من سمع بالدجال فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات".["صحيح الجامع"(6301)]

ومن الأسباب المهمة التي يصير الناس بها إلى فتنة الدجاجلة:

أ‌-        عدم المبادرة إلى العمل الصالح والانتصار للكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.

ب‌-  الاستهزاء بتحذيرات العلماء الربانيين أو تمييع أحكامهم في الدجاجلة الذين جرحوهم، وبيَّنوا خطورتهم على المسلمين.

ت‌-    سقوطهم في الامتحان والابتلاء.

ث‌-  ومن الأسباب المهمة كون المفتون مكذِّباً أصلاً بشيء اسمه الدجل، أو دجاجلة، مع أنهم لعبوا ولا زالوا يلعبون أدواراً خسيسة حتى باعترافاتهم، فلا يمكنه بعد كشف الحقائق وخبر الثقات الإيمان بالدجّال الكبير، أو الإيمان بأن على دربه دجاجلة.

عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنه ـ على المنبر وهو يقول:

23- "سيكون فيكم قوم من هذه الأمة يكذّبون بالرجم، ويكذّبون بالدجّال، ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذّبون بعذاب القبر، ويكذّبون بالشفاعة، ويكذّبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا، فلئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود".[قصة المسيح الدجّال"(ص:30)]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

24- "فإن جنس فتنة المسيح الدجّال هو: كل باطل زوِّق وبهرج، وحسِّن فيه الباطل، وقبِّح فيه الحق، وأيّد بالشبه التي تغر ضعفاء العقول، وتخدع غير المتبصرين، وهذا موجود وشائع. بل بحره طام في كل زمان ومكان. فالعبد مضطر غاية الاضطرار إلى ربه في أن يدفع عنه هذه الفتن التي هي من جنس فتنة المسيح الدجّال؛ فتن الشبهات والشكوك، وفتن الشهوات المردية".["رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج"(ص:28)]

وفتنة الخوارج الدجاجلة المعاصرين ـ الذين لبسوا لباس السلفية ـ هي من نحو فتنة المسيح الدجّال، لكن هذا المعيَّن فتنته أعظم الفتن. فلم يُسبقوا هؤلاء بأدهى منهم دجلاً ووقاحةً ـ فيما رأيت ـ، لأنهم سعوا إلى فتنة الناس عن الدعوة السلفية بتدليس بارع لكن الله تعالى كان لهم بالمرصاد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

25- "فإذا عصم الله عبد منها، سواء أدركه ـ يعني الدجّال ـ أم لم يدركه، كان معصوماً مما هو دون هذه الفتنة".["بغية المرتاد"(ص:483)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

26- "وكثيراً ما وقع في قلبي أن هؤلاء الاتحادية أحق الناس باتباع الدجّال. ومع هذا فقد جرت للمسلمين مع أتباعهم من المحن ما هي أشهر المحن الواقعة في الإسلام. ومعلوم أن هذه الفتنة هي نتيجة محنة الدجّال. بل هذه النتيجة أقرب إلى محنة الدجّال من غيرها".

عن حذيفة قال: ذُكر الدجّال عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:

27- "لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجّال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة ـ منذ كانت الدنيا ـ صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجّال".["الصحيحة"(3082)]

فالذي أنعم الله تعالى عليه بالبصيرة لا يضرّه دجل الدجاجلة، ولا يخدعه سراب الكذبة، لأنه صادق مع الله تعالى، ومخلص في طلب الحق، وثابت على السنة، لذا زاد حذيفة في رواية:

28- "والله! ـ يعني الدجال ـ لا يضر مسلماً".

والله تعالى يكشفه للأبصار فيجعل له علامة:

29- "مكتوب بين عينيه: كافر".["الصحيحة"(7/1/217)]

فتكون تمام النعمة بالبصيرة أنه:

30- "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب". ["قصة المسيح الدجّال"(ص:51)]

 قال الحافظ:

31- "قال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة، جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجّال، فيظهر الله المؤمن عليها، ويخفيها على من أراد شقاوته".["الفتح"(13/85)]

ولم تقف شقاوة المفتونين وفضيحتهم بالدجّال عند هذا الحدِّ من الجزاء، بل تتجاوزها إلى اللحاق به. فحين يأتي الدجّال

32- "سبخة الجرف فيضرب رواقه فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة".["صحيح الجامع"(8028)]

وفي رواية:

33- "فلا يبقى منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة، إلا خرج إليه فذلك يوم الخلاص".["قصة المسيح الدجّال"(ص:89)]

 

وفي رواية:

34- "فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص".["قصة المسيح الدجّال"(ص:138)]

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

35- "فهؤلاء المنافقون والمنافقات ـ وقد يكون نفاقهم عملياً ـ لم يعصمهم من الدجّال سكنهم في المدينة النبوية؛ بل خرجوا إليه، وصاروا من أتباعه كاليهود! وعلى العكس من ذلك؛ فمن كان فيها من المؤمنين الصادقين في إيمانهم؛ فهم مع كونهم في عصمة من فتنته؛ فقد يخرج إليه بعضهم متحدياً وينادي في وجهه:

36- "هذا هو الدجّال الذي كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدثنا حديثه".["قصة المسيح الدجّال"(ص:34-35)]

والمؤمن البصير الذي نهض إلى الدجّال متحدياً له، قال عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

37- "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين".[أخرجه مسلم، وابن منده، عن أبي سعيد الخدري]

لأنه كما قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

38- "كان يعلم من نفسه أنه لن يضره؛ لثقته بربه، ومعرفته بعلاماته التي وصفه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ".["قصة المسيح الدجّال"(ص:33)]

فموقف هذا الرجل يبعث الأمل في قلوب الأتقياء الأصفياء المؤمنين برب العالمين، إنه من الطائفة المنصورة، شجاع بصير، وقف في وجه الدجّال قائلاً:

39- "أنت عدو الله، وأنت الدجّال الكذاب".

إن الدجاجلة عاثوا فساداً في الأرض، فعليكم أيها السلفيون أن تقولوا لكل دجّال نبت في أي أرض كان، من أي بلد كان، وتسمّونه باسمه، وتقفون في وجهه قائلين كما قال هذا المؤمن الشجاع البصير:

40- "يا أيها الناس أشهد أن هذا الدجال الذي ذكر (وفي طريق: الذي حدثنا) رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (حديثه)".

وتزداد بصيرة المؤمن كلما نفَّذ الدجاجلة حكمهم فيه، مهما كان هذا الحكم قاسياً، فيقول كما قال الرجل المؤمن الشجاع البصير:

41- "والله! ما ازددت فيك إلا بصيرة".["قصة المسيح الدجًال"(ص:80)]

وفي رواية:

42- "والله! ما كنت أشد بصيرة مني فيك الآن، (وفي رواية: بك مني اليوم) أنت عدو الله الدجّال الذي أخبرنا عنك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"["قصة المسيح الدجًال"(ص:81)]

  إعداد: هشام بن فهمي العارف

28/01/1431 الموافق 14/01/2010