أيها الدجاجلة المنافقون! نحن السلفيون المؤمنون
الأربعاء | 20/01/2010 - 05:00 مساءً

أيها الدجاجلة المنافقون! نحن السلفيون المؤمنون

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! أنتم نظرتم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأعينكم هذه؟ قال: نعم، قال: وكلّمتموه بألسنتكم هذه؟ قال: نعم، قال: وبايعتموه بأيمانكم هذه؟ قال: نعم، قال: طوبى لكم يا أبا عبد الرحمن! قال:

1- "أفلا أخبرك عن شيء سمعته منه؟ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:

2- "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي ثلاثاً".[أخرجه الطياليسي (1845)]

وجاء الحديث بلفظ (سبع) بدل (ثلاثاً) فعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

3- "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرّات لمن لم يرني وآمن بي".["الصحيحة"(1241)]

وعن أنس مرفوعاً:

4- "طوبى لمن آمن بي ورآني مرة، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرار".[أخرجه أحمد]

وعنه قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

5- "أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة كيف لا يؤمنون؟! قالوا: النبيون. قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟! قالوا: الصحابة. قال الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون؟! ولكن أعجب الناس إيماناً: قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتاباً من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الناس إيماناً - أو الخلق إيماناً ـ".["الصحيحة"(3215)]

والإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ سهل ادعاؤه، وسهل أن يدّعيه "الكل"!! في الكل، لكن التزوير تظهر حقائقه للعيان تحت كشّاف التصديق لا التكذيب!!، والتدليس تظهر حقائقه للعيان تحت كشّاف الاتباع لا الابتداع!! والدجل تظهر حقائقه للبصير لا الحقير.

عن أنس قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

6- "وددت أني لقيت إخواني، فقال أصحابه: أو ليس نحن إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني".["الصحيحة"(2888)]

فإخوانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل من أحبّه واتّبعه صدقاً، لا ادّعاءً كما فعلت الدجاجلة في الطرق الصوفية وغيرها من الفرق الضالة، وكما فعلت الدجاجلة من الذين انتسبوا إلى الدعوة السلفية  كذباً وزوراً وزعم بعضهم أنهم إخوان الرسول!!

وفي رواية عن أبي صالح أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

7- "متى ألقى إخواني؟

فقيل يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال:

8- "أنتم أصحابي، وإخواني قوم من أمتي لم يروني، يؤمنون بي ويصدقونني".

ثم قال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

9- "أي الخلق أعجب إيماناً؟..الحديث.["الصحيحة"(7/1/656)] 

واعلم أيها المسلم البصير أن المؤمنين الصادقين الذين انتهجوا منهج النبوة والسلف أتبع بحق لنبيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل شيء. وهم ـ بفضل الله تعالى ـ لا يتلاعبون في أي مسألة من مسائل الدين في الفقه الأكبر أو الأصغر، ولا في مسائل الإيمان التي اختفى من ورائها دجاجلة العصر ليلعبوا لعبتهم ويمارسوا مكيدتهم في المسلمين عامة. وقد بيَّنت هذا في مقالٍ لي بعنوان:

10- "المدّعي الكذّاب يعيش في عذاب، بنص الحديث والكتّاب".

وقلت فيه:

11- "فجعل سبحانه متابعة رسوله سبباً لمحبتهم له، وكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل، ومحبة الله إنما تتأتى بإخلاص العبادة، والوقوف عند حدوده، والاستجابة لتعاليم رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ".

وقلت:

12- "فالذين سعوا إلى محبة الله بصدق وحقيقة بعيداً عن الادعاء والرياء، حصل لهم فوق الذي طلبوا، أنهم نالوا محبة الله، وهي أسمى نعمة يتطلعون إليها. فمن ادّعى حب الله ورسوله قلنا له: عليك باتباع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فإن اتبعه فهو صادق، وإن خالفه فليس بصادق".

قال أبو يعقوب النهرجَوري:

13- "كل من ادّعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطله".[نقله ابن رجب في "مجموع رسائله"(3/60)]

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

14- "فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن".

 

وقال:

15- "وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص".

وتبلغ محبة المؤمن البصير الصادق لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإيمان به مبلغاً يود أن يفتدي برؤيته ـ عليه الصلاة والسلام ـ أهله وماله، فعن أبي هريرة مرفوعاً:

16- "إن قوماً يأتون من بعدي، يود أحدهم أن يفتدي برؤيتي أهله وماله".["الصحيحة"(3438)]

ودعوى محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تقبل إلا ببيِّنة. قال ابن القيـم ـ رحمه الله ـ:

17- "لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخليُّ حرقة الشجيِّ فتنوع المدعون في الشهود فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببيّنة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه".["زاد المعاد"(3/73) ومعنى الخليّ: الفارغ من الهموم وهو خلاف الشجيّ]

وميدان البيِّنة:  اتباع الرسول، والجهاد في سبيله. قال ابن تيمية:

18- "فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه".

 

 

قال تعالى:

19- (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ..(179) [آل عمران]

قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

20- "فلا يكفي أن يأتي إنسان ويقول: أنا أحب الله، أنا حبيب الله، كما يدّعي أناس أنهم أولياء لله، ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو صادق، أو هو عاص فاسق دجّال". 

وهذه نعمة يمتنّ الله بها على عبده المؤمن، قال أبو راشد الحبراني: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي، قال: أخذ بيدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لي:

21- "يا أبا أمامة! إن من المؤمنين من يلين لي قلبه".["الصحيحة"(1095)، ومعنى يلين لي قلبه: أي يسكن ويميل إلي بالمودة والمحبة.] 

قال شيخ الإسلام محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ:

22- "وليس ذلك إلا بإخلاص الاتباع له ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون سواه من البشر، لأن الله تعالى جعل ذلك وحده دليلاً على حبه عز وجل".

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله ـ:

23- "وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحقَّ الناس بذلك: أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك؛ فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتّبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث في هذه الأمة".["الدرر"(2/21)]

فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث المشار إليه أعلاه:

(فيجدون كتاباً من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الناس إيماناً) لأنهم  يحبّون نبيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقاً، ويتبعونه صدقاً من غير تحريف ولا دجل، ولا لفلفة ولا لعب ولا تلاعب، فأهل الحديث والسلف جميعاً ـ ولله الحمد ـ على بيِّنة من ربِّهم، يعظِّمون السنة ويقدِّمونها على قول كل أحد من الناس كائناً من كان، ولا يخشون في ذلك لومة لائم.

فليس كل من ادّعى محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظن الناس أنه بدعواه محق، وليس كل من ادّعى اتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظن الناس أنه بدعواه محق، وليس كل من ادّعى اتباع الصحابة والسلف الصالح ـ ظن الناس أنه بدعواه محق. حتى يجعلوه تحت عيون أولوا الأيدي والأبصار ليغربلوه ويمتحنوه.

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ:

24- "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا".

قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ:

25- "أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ".

فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:

26- "أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ". 

قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:

27- "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا".[رواه مسلم، والنسائي، وأحمد، والبيهقي في "الدلائل"(6/537) وغيرهم]     

قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ:

28- "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحّته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: (.. فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)  [النور] أتدري ما الفتنة؟ الشرك. لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".["الإبانة الكبرى"(رقم:97)]

وفي مطلع مقالة مطوّلة لي بعنوان:

29- "الدعوة السلفية أمام تحديات المنافقين الحلقة الثالثة".

قلت:

30- "اتخذت مشيخة من العلماء والعبّاد والمشايخ أساليب عجيبة للوصول إلى أهدافها لإشباع شهواتها بالتضليل والإضلال، واستطاعت أن تلعب أدواراً خسيسة، فنصبت من أجل ذلك فخاخها لاصطياد فرائسها من الغافلين، وبسطت شباكها في كل اتجاه، فكانت هي المشيخة المزيَّفة بلباس الدين !! وكان التستر هو الوسيلة التي يصلون بها إلى الغاية التي كانوا يحلمون، ولها يخططون، ومن خطط هذه المشيخة الفاجرة أن فئة منها أخيراً استظلت بظلال العلماء الأكابر، وادَّعت لفترة من الزمان ليست بالقصيرة أنها في الدعوة السلفية، وراحت تذرف دموع التماسيح على أشياء كثيرة من هموم المسلمين، فكتبت، وألَّفت، وحقَّقَت، وعلَّقت، وقابلت، واستغفلت، وأفتت، وأكلت الباطل ونسيت أن الله ـ تعالى ـ لها بالمرصاد".

قال الشيخ محمد سلطان المعصومي ـ رحمه الله ـ:

31- "وافتتن هؤلاء العلماء والعبّاد واغترّوا ففسدوا، فأراد الله تعالى أن يبيَّن لنا شيئاً من سيرة جمهور هؤلاء الرؤساء الدينيين العلمية والعملية، ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، والأسباب التي تحملهم على الصدِّ عن سبيل الله تعالى، وأن أكثرهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم".

وفي المقالة كشفت عن أساليب العلماء والعبّاد في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنهم ليسوا بأقل شرّاً من الأحبار والرهبان في أهل الكتاب.

وهنا أضيف كلاماً مهماً لعالم من العلماء الربّانيين وهو الشيخ عبد الرحمن بن حسن ـ رحمه الله ـ في شرح حديث عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ حيث قال:

32- "وفي الحديث دليل على أنَّ طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، لقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)  [التوبة] ونظير ذلك في قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) [الأنعام] وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلّدوهم لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلّد، وهو من هذا الشرك".

وقال ـ رحمه الله ـ:

33- "ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أنَّ الأخذ بالدليل ـ والحالة هذه ـ يكره، أو يحرم؛ فعظمت الفتنة؛ ويقول: (هم أعلم منا بالأدلة، ولا يأخذ بالدليل إلاَّ مجتهد)!! وربما تفوّهوا بذم من يعمل بالدليل؛ ولا ريب أن هذا من غربة الإسلام".

وقال ـ رحمه الله ـ:

34- "فتغيرت الأحوال وآلت إلى هذه الغاية؛ فصارت عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، ويسمّونها: ولاية، وعبادة الأحبار هي: العلم والفقه".

وقال ـ رحمه الله ـ:

35- "ثم تغيّرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين".

قلت: ثم تغيّر الحال إلى أن ظهر ـ اليوم ـ في مجتمعاتنا الإسلامية الدجّالين لأجل أن يعبدهم الجاهلين، وهذه من أعظم الفتن.

فالدجاجلة تتتابع في كل زمان لتبتلى فيهم الأمة، فإن أعورهم الدجّال الذي وصفه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بـ:

36- "مسيح الضلالة".["قصة المسيح الدجال"(ص:54)]

لا زال أتباعه من المفترين مستمرين في كل حين معاندين قائمين على دجلهم، ولن ينتهي دجلهم من على ظهر الأرض إلا أن يُقتل آخرهم على يد "مسيح الحق" عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ بباب لُد في فلسطين؛ فتغلق بمقتله بوّابات الفتن. لينطق بعدها الحجر (ويمثل الجماد) والشجر (ويمثل النبات) ـ إلا الغرقدة ـ فينادون على من أخلص عبوديّته لله وصدق، ينادون: يا مؤمن! إن الدجاجلة ـ المغضوب عليهم؛ ممن عرفوا الحق وحادوا عنه وقاتلوا ضدّه ـ عندي مختبئون ومن ورائي متسترون!!

إنهم يحتمون وراء من لا يعقلون، مختبئون ـ كعادتهم ـ وراء الكواليس، يلعبون بدين الناس، ويحسنون اللعب على الحبال، جبناء؛ انقطعت أنفاسهم، لا من خشية الفضيحة والافتضاح؛ فليس هؤلاء عندهم إحساس، بل خشية أن يقف المؤمنون الصادقون على قذارتهم التي بها باعدوا بين هدى الله والناس.

إذن فليس عصر ناج من دجّال ويحارب الدعوة السلفية، لكنهم اليوم تظاهروا مع ظهور الدعوة السلفية في المسجد الأقصى؛ اجتمعوا وتكالبوا!! ـ لا بارك الله فيهم ـ عاثوا يميناً وعاثوا شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا.

والمؤمن لا يستغني عن الاستعاذة بالله من الدجاجلة، كما لا يستغني عن الاستعاذة بالله من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات.

قـال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

37- "وفتنة الدجّال لا تختص بالموجودين في زمانه. بل حقيقة فتنته: الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق، فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة. وهذا كثير في كل زمان ومكان".["السبعينية"(ص:483)]

ويستمر جهاد الطائفة المنصورة للدجاجلة وكيدهم، لا يضرهم من خذلهم في المعركة ضدّهم، ولا يضرهم من خالفهم في الحكم عليهم، لأنهم ظاهرون على الحق، ولا ينتهي جهاد الطائفة المنصورة حتى يقاتل آخرهم مع المسيح عيسى ابن مريم المسيح الدجّال؛ فيعمّ الصدق أرجاء الأرض، ويشعّ في جميع أنحائها نور الإسلام.

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: 

38- "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ".["الصحيحة"(1959)]

واعلم أن فتنة المسيح الدجال فتنة عامة، ليست فتنة خاصة كما ظنّ البعض، فلو كانت فتنة المسيح الدجّال خاصّة لاقتصرت على من أدركها من جماهير العباد، ولما حذّر منها الأنبياء أقوامهم، ومعلوم من حديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه:

39- "وما صنعت فتنة ـ منذ كانت الدنيا ـ صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجّال".["الصحيحة"(3082)]

وعن أبي أمامة مرفوعاً:

40- "وإن الله عز وجل لم يبعث نبيّاً إلا حذّر أمته الدجّال".["قصة المسيح الدجال"(ص:41)]

وعن أم سلمة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرفوعاً:

41- "ما من نبي إلا وقد حذّر أمته الدجّال، وإني أحذركموه".["قصة المسيح الدجّال"(ص:60)]

وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجّال فقال:

42- "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه".["قصة المسيح الدجّال"(ص:51)]

وفي رواية:

43- "ما بعث الله من نبي إلا قد أنذره أمته، لقد أنذره نوح ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته، والنبيون ـ عليهم الصلاة والسلام ـ من بعده".["قصة المسيح الدجّال"(ص:52)]

فلا بدَّ من التخويف من فتنة الدجال، والتحذير منها، والدندنة حولها باستمرار لكي لا يغفل الناس ويذهلوا عنها وعن دجاجلة في حاضرهم يعيثون في الأرض فساداً؛ فِتنهم تحتاج إلى مزيد من الدراية في كل حين حتى يُحذَّر الناس من حبال الأخطبوطية الممتدة في أنحاء الأرض والتي تجتمع  شبكات كيدها وفتنها في النهاية عند فتّان الفتّانين الذي يقتله عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ.

ولا يستدعي التخويف من الدجاجلة الإحباط مهما تكاثروا؛ اجتمعوا أو اختلفوا، ولا يستدعي التخويف من مكرهم أن تنخلع القلوب بهم أو برأسهم.

44- "فليس عليكم بأس". [بهذه الجملة ردّ النبي ـ عليه السلام ـ على أسماء بنت يزيد الأنصارية. "قصة المسيح الدجّال"(ص:76)]

بل يستدعي التخويف منهم الإيمان بالله كما جاء به النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والاستقامة، والشجاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبصيرة، والانتصار لدعوة الحق، والمحاججة، فمن فعل هذا ثبت بإذن الله وكان من الصالحين.

عن أم سلمة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت:

45- "ذكرت المسيح الدجّال ليلة فلم يأتني النوم، فلما أصبحت دخلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبرته، فقال:

46- "لا تفعلي، فإنه إن يخرج وأنا حي؛ يكفيكموه الله بي، وإن يخرج بعد أن أموت؛ يكفكموه الله بالصالحين".["قصة المسيح الدجّال"(ص:60)]

وعنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

48- "فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم (وفي رواية: على كل مؤمن)". ["قصة المسيح الدجال"(ص:76و130]

 

 

ومعنى: حجيجه:

49- "أي: محاججه، ومغالبه، بإظهار الحجة عليه، والحجة الدليل والبرهان". [النهاية في غريب الأثر]

قال علي القاري ـ رحمه الله ـ:

50- "وهو لا ينافي ما سبق من قوله فامرؤ حجيج نفسه فإن المقصود أنه يجب على شخص أنه يدفعه عن نفسه بالحجة اليقينية، فإذا كان صاحب النبوة موجوداً فلا يحتاج إلى غيره لأنه مؤيد من عند الله تعالى، وإلا فالله ولي دينه، وناصر نبيه، وحافظ أوليائه ممن آمن به".[مرقاة المفاتيح"(16/36)]  

ومن نجا من فتنة الدجاجلة اليوم نجا ـ بفضل الله ـ من فتنة المسيح الدجّال، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

51- "يا أيها الناس! إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها".["قصة المسيح الدجّال"(ص:129)]

إعداد: هشام بن فهمي العارف

5/2/1431 الموافق 20/1/2010