إن كنتم أهلاً للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد
الثلاثاء | 23/02/2010 - 11:12 صباحاً

إن كنتم أهلاً للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

قال تعالى على لسان هود ـ عليه السلام ـ:

1- (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) [هود]

أمر هود ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه باستغفار ربهم من الشرك والضلال والبدع والصدِّ عن دعوة الحق، وطالبهم ـ عليه السلام ـ أن يكونوا مؤمنين حقاً على منهاج النبوة علماً وعملاً وعدلاً، لأنه لا يصح الاستغفار والإيمان يشوبه خلل، وأمرهم بالتوبة والعزم على ذلك مع الندم على ما وقع منهم. قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:

2- "وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها، وقيل: إن التوبة من متممات الاستغفار، وقيل: معنى استغفروا: توبوا، ومعنى توبوا: أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، وقيل: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا من لاحقها، وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة".

وقيل:

3- "إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب".

وقيل:

4- "استغفروا في الصغائر، وتوبوا إليه في الكبائر".[فتح القدير]

وأخبرهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن من استغفر ربه وتاب إليه توبة نصوحاً يسر الله له أمره، ووسع عليه رزقه، وزاده قوة إلى قوته، وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ يرغّبهم في الإيمان بكثرة المطر. فالاستقامة على دين الله الحق تأتي بحياة فيها العزة والكرامة.

وحذَّرهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من التولّي والإعراض، لأن إصرارهم على الباطل إجرام في حق أنفسهم، والمجرم هنا من تولّى وأعرض عن الحق وكذَّب أهله. فبماذا قابلوا نصحه لهم:

5- (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53)

نادوه باسمه غلظة وجفاء، ليس عندهم شيء من أدب المخاطبة. قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية ـ رحمه الله ـ:

6- "وَمَعَ هَذَا فَبَيِّنَتُهُ مِنْ أَوْضَحِ الْبَيِّنَاتِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِتَدَبُّرِهَا".[صفحة:(94)]

وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ:

7- "وإنما قالوه لفرط عنادهم، أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات".

فقولهم لهود ـ عليه الصلاة والسلام ـ (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) كذب وجحود، كقول قريش للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

8- (..لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ..(20) [يونس]

والبينة سميَّت بينة لأنها تبين الحق من الباطل، قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

9- "فأوضحوا لكل ذي لب أنهم مكابرون لقويم العقل وصريح النقل، فهم مفترون".

وهكذا حال المجرمين المعرضين ـ في كل وقت ـ، كذبة عَموا وصمّوا، كلّما جئتهم ببينة قالوا: (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ)، وقد جاءتهم البينة تلو البيِّنة، وكلها دلالات ساطعة ولله الحمد والمنّة، لكنهم بعد أن ابتلاهم الله بالحجج تعصّبوا لآلهتهم تعصباً أعماهم عن اتباع الحق فسقطوا في الفتنة.

وقالوا: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ) قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

10- "أي: بمجرد قولك: "اتركوهم" نتركهم"!!

نعم اتركوهم لأنهم ظلموا، اتركوهم لأنهم فضحوا وبانت عوراتهم، اتركوهم لأن الله تعالى أخزاهم، والغريب ممن سألوا البيِّنة في الفتن النازلة ـ هذه الأيام ـ أن بعضهم كتب في التعصّب للشيوخ محذّراً؛ فوقع فيه، وبعضهم وصف الدعوة السلفية بالفضّاحة؛ ففضحه الله، وبعضهم أبصر الغربلة فعلم أنها تعرّي المتلاعبين، فلمّا ابتلي كان أفجرهم تعريّاً، وكل هؤلاء وأمثالهم طلبة لمشيخة مزيَّفة.

وقالوا: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) فعليك أن تيأس منّا يأساً تقنط بسببه أن نستيجب لك أو نصدّقك. قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

11- "دليل على أنهم تركوا اتباعه عناداً، لا أنهم يعتقدون أنه لم يأت ببينة".

وقال:

12- "والحامل على ترك البينة بعد ظهورها صد الشبهة عنها، أو تقليد الرؤساء في دفعها، واتهام موردها، أو اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها، أو العناد للحسد، ونحوهن، والجامع له كله وجود الشبهة".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

13- " ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح، وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش، والظلم، وأنواع المنكرات، مع ما هو مشتمل عليه هود ـ عليه السلام ـ من الصفات، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم، لكفى بها آيات وأدلة، على صدقه.

بل أهل العقول، وأولو الألباب، يرون أن هذه الآية، أكبر من مجرد الخوارق، التي يراها بعض الناس، هي المعجزات فقط. ومن آياته، وبيناته الدالة على صدقه، أنه شخص واحد، ليس له أنصار ولا أعوان، وهو يصرخ في قومه، ويناديهم، ويعجزهم، ويقول لهم: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ)".

وعندما تطاولوا على شخصه، كان من جبنهم اللجوء إلى كبّارهم ليذكروهم في خضم معركتهم الخاسرة ضد الحق وأهله، يخوِّفونه بهم!! فيسكت عن الفساد الذي وقف عليه، وأراد معالجته.

أو أنهم أرادوا أن يشعروا السذّج من الأتباع أن مشايخهم (الأصاغر) مستجابوا الدعوة فإذا جرحهم أحد المصلحين ضرّوه، وهي طريقة السفلة أقطاب الصوفية والرافضة التي يهزمون فيها من اعتقاده بالله مقلقل. ولهم خدّام رويبضة كلّهم خطايا بل عطايا للباطل !! يعيثون في الأرض فساداً يعلّمون الناس كيف يبيعون دينهم بأبخس الأثمان. قالوا وفي قولهم استخفاف لدعوته:

14- (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ..(54)

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

15- "يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها".

أنت تخالفنا وقد جئت بأشياء غريبة عجيبة!! إن بعض آلهتنا ـ لا كلّها ـ أصابتك بالجنون، أنت كذَاب، أنت مريض نفسي!!

وبعض الرويبضة من جمع كل هذه الترّهات ـ في مقالة واحدة ـ!! كل هذا بسبب تحدّيه لهم لأنهم صاروا مكشوفين، وبالبيِّنة مفضوحين، ويا ليتهم ردّوا بردود علمية، فأين عنكم أيها الدجالون العلوم السلفية؟ لا نرى منكم إلا السبَّ والشتيمة وهذه حيلة المفلسين، قال صاحب التحرير والتنوير:

16- "وجعلوا ذلك من فعل بعض الآلهة تهديداً للنّاس بأنه لو تصدّى له جميعُ الآلهة لدكوه دكّاً".

فإذا كانت بعض هذه الآلهة قادرة على أن تجعل من يتحدّاها مجنوناً، فلماذا تركته حتى لحظة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليعيبها؟ ولماذا تركته إلى أن فضح عبادتها وأن عبادتها لغير الله؟ ولماذا تركته حتى يتحدّاها في عقر دارها ومعه البيّنات؟! ولماذا تركته حتى يجرحها بجرح لا يندمل؟!! ولماذا تركته حتى اسودَّت وجوهها وظهرت على ناصيتها الكاذبة آثار ما اختزنته من الضلال في جنباتها، وتحت عثنونها.  

قال صاحب التحرير والتنوير:

17- "فجعلوه مجنوناً وجعلوا سبب جنونه مسّاً من آلهتهم، ولم يتفطنوا إلى دخَل كلامهم وهو أن الآلهة كيف تكون سبباً في إثارة ثائر عليها".

وقال صاحب الكشاف:

18- "دلَّت أجوبتهم المتقدّمة على أنهم كانوا جفاة، غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة !! أنها تنصر وتنتقم". 

 فإذا جاء هذا التهديد له من بعض الآلهة ـ على حدِّ زعمهم ـ، فلعلّه يجبن إن أشعرناه أن الجمع من الآلهة "الرموز"!! لم يتخذ قراره بعد!! فما أنت قائل إن صدر الحكم عليك من الجمع كلّه؟

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

19- "فسبحان من طبع على قلوب الظالمين، كيف جعلوا أصدق الخلق الذي جاء بأحق الحق، بهذه المرتبة التي يستحي العاقل من حكايتها عنهم لولا أن الله حكاها عنهم".

لذا كان جوابه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ردّاً على الرويبضات المنتفعة من الجمعيات الخيرية ـ زعموا ـ بل جمعيات أخفت في جعبتها الكثير من الخناجر لتطعن غدراً من انتصر للحق، فكان من أساليبها صناعة الإيجاب وضدِّه؛ لعبة خبيثة لإجهاض الدعوة السلفية، فحيرت الشباب ورمت به في أحضان الباطل، ودفعته للتعصب حتى يصير حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام منهم يعبدون الآراء والشخوص ويتركون عبادة الله وما نزل به الوحي من النصوص:

20- (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55)

قال: واسمعوا الذي أقوله: أشهد الله، واشهدوا جميعكم أني بريء من الكهنوتية التي صنعها أحباركم بإتقان في الصف السلفي، بريء من هذه العبادة التي هي لغير الله تعالى، لقد تساقط الكثير منكم أيها الطالبان عندما ابتليتم بالحق فوقعتم في أحضان الباطل، نزلتم برؤوسكم قبل أرجلكم لأنكم ضللتم في العبادة وعبدتم الأحبار، تعصبتم لهم عصبية أخرجتكم إلى عبادة باطلة يحتقرها العقلاء، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه. احتقركم لأنكم أيها الرويبضات اجتمعتم مع الذين:

21- (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

22- "وفي نسبة ذلك إلى الأحبار والرهبان بخاصة تشديد للتلقين من حيث كون صدور ذلك من رجال الدين ورؤساء الملة الذين يجب أن يكونوا قدوة في الصلاح والتقوى؛ أشد جرماً وإثماً عند الله تعالى.

فالتحذير من هذا الصنف المجرم من الناس رسالة للمؤمنين ليفهموا أن في مجتمع المسلمين مجرمين ماثلوا إجرام السابقين، فأكلوا بالطريق المنكر من الرشا في الأحكام، والتخفيف، والمسامحة في الشرائع وغير ذلك.

لقد تساهل هؤلاء في الأحكام الشرعية، وفي الفتاوى الدينية، لأنهم تلمظوا حلوان الكاهن، وتلذذوا بنكهته، فكانت نتيجتها أنهم جميعهم نعتوا العلماء والعباد الذين تعففوا عن أكل الحرام بالتشدد، فما وصْف أكلة الحرام لعلماء الدعوة السلفية المتقون لربهم بالتشدد إلا لأنهم لم يقبضوا الرشاوى، ولم يأكلوا حلوان الكاهن، ولم يفتوا الناس برغباتهم".[من مقالتي بعنوان: الدعوة السلفية أمام تحديات المنافقين (الحلقة3) تاريخ 30/5/1430]

قال شارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز:

23- "فهذا من أعظم الآيات أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ولا فزع ولا خوّار، بل هو واثق بما قاله، جازم به".

وقال:

24- "فأشهد الله أولاً على براءته من دينهم وما هم عليه، إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه أنه وليّه وناصره وغير مسلِّط لهم عليه، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها، ثم أكد ذلك عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه".[صفحة:94]

وصدرت مثل هذه المقالة عن نوح ـ عليه السلام ـ إذ قال:

25- (.. يا قوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ(71) [يونس]

أي: إن كنتم أهلاً للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد، وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت وطغيان. احْكِموا كيدكم؛ من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، احكموا كيدكم في العالم كله، فرادى أو إن شئتم أيها الدجاجلة مجتمعين!! أنتم وهيئة كبّاركم!! لكنكم لن تستطيعوا قتل الدعوة السلفية؛ لأن أحداً لن يستطيعَ إطفاء نور الله. قال الشيخ العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:

26- "يريدون إطفاء ما معه من النور، بأي طريق كان وهو غير مكترث، ولا مبال بهم، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من السوء، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون".

وقال ـ رحمه الله ـ:

27- "فلو اجتمعتم جميعاً على الإيقاع بي والله لم يسلّطكم عليّ، لم تقدروا على ذلك، فإن سلّطكم فلحكمة أرادها".

وهذا التحدّي الذي أعلنه في وجوهكم أيها المتسترون بالسلفية!!، أيها المنافقون!! هو بحدِّ ذاته بيِّنة، فهل تعقلوه؟!!   

فقوله ـ عليه السلام ـ: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) أمر بمعنى التعجيز أي: لا تقدرون أنتم ولا آلهتكم على شيء، يعني: أقولها لكم بكل صراحة ووضوح:

28- "أعلى ما في خيلكم اركبوه".

أقول: أيها المبتدعة أنتم ومن معكم ممن تستروا بالدعوة السلفية أعلى ما في خيلكم اركبوه.

وأزيدكم: لا تتردوا بكيدكم سواء اخترتم أن يكون تدبيركم ضدّي سرّاً أو علانية، ولا تمهلوني، ولا تؤخّروا تنفيذ حكمكم ضدّي، قال أبو السعود ـ رحمه الله ـ:

29- "وهذا من أعظم المعجزات، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان رجلاً مفرداً بين الجم الغفير، والجمع الكثير، من عتاة عاد، الغلاظ الشداد، وقد خاطبهم بما خاطبهم، وحقَّرهم وآلهتهم، وهيَّجهم على مباشرة مباديء المضادة والمضارة، وحثَّهم على التصدي لأسباب المعازّة والمعارَّة، فلم يقدروا على مباشرة شيء مما كُلفوه وظهر عجزهم عن ذلك ظهوراً بيِّناً".

ثم ذكر سبب قوته في نفسه، واجترائه على مخالفتهم وعدم مبالاته بكيدهم ومؤامراتهم الدنيئة والحقيرة فقال:

30- (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)

قال القاشاني:

31- "بيَّن وجوب التوكل على الله، وكونه حصناً حصيناً".

لأني على يقين أن ربي على الحق ومع الحق، فلا يمكن للباطل أن يهزم الحق، ولا يمكن أن يعلو الظلم على العدل. فهو ـ عليه السلام ـ نبي على ثقة من ربه، ومن انتهج منهج الأنبياء بصدق وإخلاص وكان من الطائفة المنصورة فهو ثقة، وخبره ثقة، لأنه على ثقة من ربه. قال شارح الطحاوية ابن أبي العز ـ رحمه الله ـ:

32- "فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا يشمت به أعداءه".

واعلموا أنه لن يضرَنا خذلانكم يا من تسترتم بالسلفية دهراً من الزمان، لن يضرّنا خذلانكم أنتم وأمثالكم من أهل البدع والأهواء، وقد رأينا خذلانكم ردَّه الله عليكم فظهرت به حقيقة أفعالكم. ولأننا ـ بفضل الله ـ لا زلنا على الحق ظاهرين؛ فـ

33- "لا يضرنا خذلان الخاذلين ما دمنا لله شاكرين".[عنوان لمقالتي في 20/9/1430]

قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ:

34- "يقول ـ يعني هود عليه السلام ومن على منهجه في اتباع الحق ـ: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحداً منهم شيئاً، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له والإيمان به".

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

35- "فتأمل ألفاظ هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة، وكمال الملك، ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان،  ... فإنها من كنوز القرآن وقد كفت وشفت لمن فتح عليه بفهمها".

وقال ـ رحمه الله ـ:

36- "ولمّا علم نبي الله هود ـ عليه السلام ـ أن ربه على صراط مستقيم، .. أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه فقال: فكيف أخاف من ناصيته بيد غيره، وهو في قهره وقبضته، وتحت قهره وسلطانه دونه، وهل هذا إلا من أجهل الجهل، وأقبح الظلم؟".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

37- "وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام!! التي لا تنفع ولا تضر بل هي جماد!! لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي وإنما تستحق إخلاص العبادة وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه فلا إله إلا هو ولا رب سواه".

ثم انه ـ عليه السلام ـ بعد أن استوفى أمره وهدم بمعوله قولهم، وشتت أحلامهم في القضاء على الدعوة السلفية، شرع يحذرهم من مغبة الاستمرار في الإعراض والتولي فقال:

38- (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)

إنه سبحانه وتعالى شاهد وحافظ، عالم بكل شيء، قادر على كل شيء. وقد لزمتكم الحجة والبيِّنة فإما أن تستغفروا ربّكم وتتوبوا إليه، وإما العذاب!! تخيروا الخير إن كنتم عقلاء.

ثم توعّدهم بقوله: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) يضعهم في الابتلاء كما وضعكم فيه، فلعلهم في الابتلاء يكونوا أفضل منكم مخلصين صادقين؛ لا كذبة ولا منافقين. يقومون بعبادة الله ويتبعون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينتهجون منهاج النبوة والسلف ولا يشركون بالله شيئا.

واعلموا أنكم بضلالكم ونفاقكم وتدليسكم وما وصلتم إليه من مهارة في التلبيس والدجل (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) لأنه غني شكور، لا تضره معاصيكم وإن كفرتم، ولا تنفعه طاعتكم وإن آمنتم به، لذا فيا أيها المبتدعة إن الله سبحانه وتعالى غني عن طاعتكم، وغني عن طريقتكم المشينة في الدعوة إليه، فلا تغتروا؛ بل أنتم تضرّون أنفسكم وتزيدوها خزياً وعاراً، وتقترفون في مجتمعاتكم أبشع المنكرات، وتستجلبون لدياركم أسوأ الأمراض والآفات، فإن لم تعتبروا؛ وأسأل الله تعالى أن تعتبروا، سلّط الله عليكم أولي الأمر السادات، حتى تصير عاقبتكم شبيهة بعاقبة عاد.    

ولمّا كان هذا التهديد في مستهل الدعوة وابتداء عنادهم بيَّن الله تعالى نتائج خروجهم عن الطاعة وصدِّهم عن الحق فقال:

 39- (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)

فإنهم لمّا استكبروا واختاروا بإراداتهم المحضة أن يكونوا في صف الضدَّ للدعوة السلفية والصدِّ عنها، جاء أمر الله فأهلكهم بالريح العقيم، التي لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، ووصفها الله تعالى بريح صرصر عاتية تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر، والسبب هو العصيان والخروج عن طاعة الله عز وجل، فاعتبروا إن كان عندكم إبصار.

ونجا هود والذين آمنوا معه بفضل من الله تعالى، ونجوا من عذاب غليظ والغلظة ضد الرقة، وحقيقتها كما قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

40- "عظم الجثة، فاستعير للعذاب لثقله على النفس وطول مكثه".

ولمّا تمت قصتهم قال تعالى:

41- (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) فسيروا فانظروا لعاد، لست أدري ما الذي كنتم تتعلمونه من السلفية عند أحباركم أيها الرهبان "الطالبان"!! اعتبروا إن بقي عندكم شيء من الاتعاظ، هل تعلمتم في السلفية معنى العمل الصالح؟ هل قيل لكم أن من العمل الصالح عبادة الأحبار؟ فإذا جاء ابتلاءكم عصيتم فاتبعتم تستر هؤلاء المشيخة بالدعوة السلفية وتكذيبهم للصادقين فيها؟!! وتركتم اتباع نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

42- "فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم، واتبعوا كل غاش لهم، يريد إهلاكهم، لا جرم اهلكم الله".

بئس الذي أنتم عليه. لأنكم اتبعتم (أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، يعني: اتبعتم كبراءكم من المشيخة الجبّارين، قال الزجّاج:

43- "الجبّار هو الذي يجبر الناس على ما يريد".

ووصفه بالعنيد لأنه معاند في الباطل، وأصله في اللغة: الجائر.

وقال البخاري ـ رحمه الله ـ:

44- "هو تأكيد التجبر".

وقال الحافظ:

45- "هو قول أبي عبيدة بمعناه، لكن قال: وهو العادل عن الحق".

وقال ابن قتيبة:

46- "المعارض المخالف".["الفتح"(8/202)]

ونحمد الله تعالى الذي أنعم علينا بالهداية فعرفناكم على حقيقتكم الخسيسة، وعرفنا أحباركم أنهم جبّارون معاندون أرادوا منّا أن نكون عبيداً لهم، لا عباداً لله.

وقوله عز وجل (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) قال الشيخ جمال الدين القاسمي:

47- "بيان أن عصيانهم له ـ عليه الصلاة والسلام ـ عصيان لجميع