نِشَاب قوس شدّاد بن أوس
الأربعاء | 17/03/2010 - 07:49 مساءً
نِشَاب قوس شدّاد بن أوس

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛
عن أبي الأشعث الصنعاني عن شدّاد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
1- "يا شداد بن أوسٍ! إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة، فأكثر هؤلاء الكلمات:
اللّهم! إني أسألك الثبات في الأمرِ، والعزيمة على الرُّشد، وأسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتِك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذُ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرُك لما تعلمُ؛ إنك أنت علامُ الغيوب".["الصحيحة"(3228)]
وشدّاد بن أوس بن ثابت الخزرجي الأنصاري، يكنى أبو يعلى، وهو ابن أخي حسّان بن ثابت، شاعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، نزل الشام وسكن بيت المقدس ومات فيها سنة 58 في أواخر خلافة معاوية بن أبي سفيان وهو ابن خمس وسبعين، من فضلاء الصحابة وعلمائهم، وكان له عبادة واجتهاد في العمل.
قال عبادة بن الصامت:
2- "كان شدّاد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم".["الاستيعاب في معرفة الأصحاب"(1/209)]
وقال سعيد بن عبد العزيز:
3- "فضل شدّاد بن أوس بخصلتين: ببيان إذا نطق، وبكظم إذا غضب".["الإصابة"(3/320)]
وقال أبو الدرداء:
4- "إن الله عز وجل يؤتي الرجل العلم ولا يؤتيه الحلم، ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم، وإن أبا يعلى شدّاد بن أوس ممن أتاه الله العلم والحلم".["الاستيعاب في معرفة الأصحاب"(1/209)]
وقال عبادة بن الصامت عن شدّاد بن أوس:
5- "روى عنه أهل الشام".["الاستيعاب في معرفة الأصحاب"(1/209)]
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث: "إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة". ترهيب من واقع سيء تبتلى به الأمة يحتاج المؤمن عند وقوعه إلى الدعاء واللجوء بإخلاص وصدق إلى الله عز وجل.
وهذا الواقع تتجرّع مرارته الأمة الآن. وهو من أعلام نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهو وإن تكررت حاجة المؤمن ـ عبر الزمان ـ إلى كنز كلماته لأجل دعاء الله بها عند رؤية الناس وقد اكتنزوا الذهب والفضة، فحاجته في زماننا للإكثار منها أكبر؛ لشراسة فتنة المال وظهورها؛ حتى ابتلي بها العلماء والعبّاد فصاروا ـ إلا من رحم ربّي ـ على استعداد للمتاجرة بالدين على حساب الشرع بكل صلافة ووقاحة ودون حياء.
وتصدَّر الناس ـ في هذه الأيام ـ الذين يكنزون المال بحجة الأعمال الخيرية، وأكثرهم في الحقيقة أحبار ورهبان ـ يعني مشايخ وعبّاد (طالبان) ـ يصدّون عن سبيل الله.
وفي مقالتي بعنوان:
6- "الدعوة السلفية أمام تحديّات المنافقين".["الحلقة الثالثة" تاريخ 30/5/1430 الموافق 24/5/2009]
ذكرت أثر عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فعن خالد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال:
7- خرجت مع عبد الله بن عمر، فلحقه أعرابي، فقال له: قول الله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)؟ قال له ابن عمر:
8- من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهوراً للأموال. ثم التفت، فقال: ما أبالي لو كان لي أحد ذهباً، أعلم عدده وأزكيه، وأعمل فيه بطاعة الله عز وجل.[أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وقال شيخنا الألباني: صحيح الإسناد،"الصحيحة"(2/97)]
وعن أم سلمة قالت:
9- كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال:
10- "ما بلغ أن تؤدى زكاته، فزكي فليس بكنز".["الصحيحة"(559)]
وعن عبد الله بن دينار، أنه قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز: ما هو؟ فقال:
11- هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.[أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" باب ما جاء في الكنز(1/256)، وقال: شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في "الصحيحة"(2/97) وإسناده صحيح غاية]
وقال بعض العلماء أن المراد بالكانزين البخلاء من المسلمين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
12- فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله. والجهاد أحق الأعمال باسم سبيل الله، سواء كان ملكاً أو مقدماً أو غنياً، أو غير ذلك. وإذا دخل في هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب، فما كنز من الأموال المشتركة التي يستحقها عموم الأمة أولى وأحرى.["مجموع الفتاوى"(28/343)]
 
وقال ابن كثير:
13- هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس، فإن الناس عالة على العلماء، وعلى العُبَّاد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال بعضهم:
 
وَهَل أفْسَدَ الدِّينَ إلا المُلوكُ ... وَأحبارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُها?
فقرن الله تعالى بين الكانزين من المسلمين وبين المرتشين من العلماء والعبّاد تغليظاً ودلالة على أنهم سواء في التبشير بالعذاب.
وبعض العلماء جعل الكنز دلالة على الحرص والبخل رذيلة للأحبار والرهبان ثالثة بعد أكل السحت والصد عن سبيل الله، لأن الكلام مسوق في ذمهم. فقالوا:
14- يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع ذميمتين فيهم، أخذ الرشا وكنز الأموال والضنُّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير.
وقالوا:
15- فأكلهم أموال الناس بالباطل كان يؤدي إلى اكتنازهم الذهب والفضة، وصدّهم عن سبيل الله كان لاستبقاء الوسيلة إلى الاكتناز في يدهم.
وعلى العموم فإن نظم هذا الصنف من الناس مع الصنف المجرم من العلماء والعبّاد، هو من باب التحذير والوعيد، وفيه الإشارة أيضاً إلى مرض الشح الذي يتولد عنه الظلم، فهل يعتبر من هذه الأحاديث الصحيحة والقصص الواقعة، رجال من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؟!!
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
16- "ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار...(الحديث) [أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي]
وعنه ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:
17- "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع ويفر منه صاحبه ويطلبه، ويقول أنا كنزك. قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه".["الصحيحة"(558)]
وعن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
18- "إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، قال: فيلتزمه أو يطوقه، قال يقول: أنا كنزك أنا كنزك".["صحيح سنن النسائي"(2481)]
 
واختم مقالي بوصية العلامة الشيخ المعصومي ـ رحمه الله ـ:
19- "فيا أيها المؤمنون! افهموا كلام ربكم، ومواعظ مولاكم، واعتبروا بما جرى ويجري، واجتهدوا في إصلاح أنفسكم، لتنالوا رضا ربكم، فتفوزوا بسعادة الدنيا، وإلا تكونوا من المحرومين الخاسرين في الدارين، كما هو شأن أكثر المغرورين، فإنا لله وإنا إليه راجعون".
ومن الأحاديث الصحيحة التي رواها شدّاد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
20- "حديث سيد الاستغفار".["الصحيحة"(1747)]
21- "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون".["الصحيحة"(1582)]
22- "إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة".["الصحيحة"(4/320)]
23- "أول ما يرفع من الناس الخشوع".["صحيح الجامع"(2576)]
24- "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلّون في نعالهم ولا خفافهم".["صحيح الجامع"(3210)]
وفي رواية عنه:
25- "صلّوا في نعالكم ولا تشبّهوا باليهود".["صحيح الجامع"(3790)]
26- "ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم - أهل الكتاب - حذو القذَّة بالقذَّة".["الصحيحة"(3312)]
وفي حديث سهل:
27- "حذو النعل بالنعل".[ومعنى حذو القذّة بالقذّة: قال في "النهاية": "أي: تعملون مثل أعمالهم، كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل الأخرى، و(الحذو): التقدير والقطع"]
ومن الأحاديث الضعيفة المروية عن شدّاد:
*- "لما دنت وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام شداد بن أوس ثم جلس، ثم قام ثم جلس، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما قلقك [وفي رواية: مالك] يا شداد؟ فقال: يا رسول الله ضاقت بي الأرض [وفي رواية: الدنيا]، فقال: [ليس عليك] ألا إن الشام سيفتح إن شاء الله، وبيت المقدس سيفتح إن شاء الله، وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها إن شاء الله".["الضعيفة"(6368)، "النقد والإحصا"(17) لكاتب هذا المقال]
وحديث في الإسراء والمعراج أوله:
*- "قلت يا رسول الله! كيف أسري بك؟"[الحديث السابع في "الإسراء والمعراج"(ص:65 ـ المكتبة الإسلامية) لشيخ الإسلام محمد ناصر الدين الألباني، "النقد والإحصا"(20) واحتوى نص الحديث في أغلب فقراته على أشياء منكرة]

 
إعداد: هشام بن فهمي العارف

 
2/4/1431 الموافق 17/3/2010