( الكلاب)والله ما أخاف على هذه الأمة غيرهم
السبت | 08/05/2010 - 10:25 مساءً

(الكلاب) والله ما أخاف على هذه الأمة غيرهم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد...؛

انسلخ العلماء (السوء) !! عن صيانة الحق كما تنسلخ الأفعى من قشرها، فاستحقوا لخساستهم وانسياقهم لزخرفة الدنيا وزينتها والركون إليها، واتباعهم الهوى، أن يسلخهم الله سلخ الشاة بعد ذبحها، ففارقوا آيات ربهم مفارقة المتبريء منها فهماً وعملاً.

لقد آثر هؤلاء العلماء (السوء) !! الانسلاخ من نعمة الاستقامة على هدي السلف، فنزع منهم العلم، وتبعهم بانسلاخهم الكثير من حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام المقلّدين !! ليبقى كل واحد من هؤلاء (السوء) !! له بطانة ـ من الحدثاء السفهاء وبأسماء مستعارة!! في كثير من الأحيان ـ على شاكلته يعيش فيها ومعها بغروره ونفاقه، يسمّونه ويرفعونه كما أرادوا!!

عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

1- "يظهر هذا الدين (وفي رواية: ليظهرن الإيمان) حتى يجاوز البحار (وفي رواية: حتى يرد الكفر إلى مواطنه)، وحتى تخاض بالخيل في سبيل الله،  ثم يأتي أقوام (وفي رواية: وليأتين على الناس زمان) يقرأون القرآن، (وفي رواية: يتعلمون فيه القرآن) فإذا قرأوا قالوا: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا؟ من أعلم منّا؟! ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا. قال: فأولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار".["الصحيحة"(3230)  و7/2/701)]

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ عقب تخريجه الحديث:

2- "مع ملاحظة أن معناه مطابق للواقع، وطرفه الأول من معجزاته العلميه التي تدل على صدق نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله سبحانه وتعالى أعلم".

قال الربيع:

3- "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرئيل

قال:

4- "إنهم وجدوا في كتاب الله عز وجل ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا بشيء ائتمرنا، وما نهينا عنه فانتهينا، فاستنصحوا الرجال!! ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم".["الكشف والبيان" المعروف "تفسير الثعلبي"] 

وهذا هو لسان حال الفوجين من الخوارج في فلسطين، أتباع العالم (السوء)!! علي الحلبي، وأتباع العالم (السوء)!! ربيع المدخلي.

قال القرطبي:

5- "وكان بعض العلماء يقول: هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يقلِّد غير معصوم ويثق به كل الثقة، لأن هذا الإنسان ذكر الله أنه آتاه آياته، وبعد ذلك صار مآله إلى أخس مآل وأقبحه". 

إن انسلاخ العالم (السوء) !! عن صيانة الحق؛ يدفعه إلى النفاق لمواراة عجزه وفضيحته، وبالتالي فلا بدَّ له من الاعتماد على لسانه في الشقشقة، ليوهم نفسه قبل غيره أنه في الدرب الذي سمّي به "عالماً"!!، لذا جاء في تفسير قوله تعالى:

6- (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا .. (175) [الأعراف]

7- "أنه المنافق". [قاله الحسن ونقله ابن الجوزي في "زاد المسير"]

ولقول الحسن شاهد من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب به عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ:

8- "إن أخوف ما أخاف على أمتي (وفي رواية:عليكم بعدي)، كل منافق عليم اللسان".["الصحيحة"(1013)، و "صحيح الجامع"(1556)]      

ولفظه عند البزار (305):

9- "حذرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل منافق عليم اللسان".     

ولفظه عند ابن حبان:

10- "أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان". ["صحيح الترغيب والترهيب"(128)]

وعن الحسن، قال:

11- "العلم علمان، فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذاك حجة الله عز وجل على ابن آدم". [رواه الدارمي]

وقال المناوي ـ رحمه الله ـ:

12- "أي كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها، ذا هيبة وأبهة، يتعزز ويتعاظم بها، يدعو الناس إلى الله ويفر هو منه، ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه، ويظهر للناس التنسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حـذر منه الشارع ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا فاحذر من أن يخطفك بحلاوة لسانه ويحرقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه".

فعلى هؤلاء الأحداث الأغمار أن يحذروا رؤوس أهل الضلالة المنافقين، فقد كان الإمام وهب بن منبِّه ـ رحمه الله ـ يحذِّر منهم فيقول لطلابه:

13- "احذروا أيها الأحداث الأغمار! هؤلاء الحروراء، لا يدخلوكم في رأيهم المخالف، فإنهم عِرّة لهذه الأمة".["مناصحة الإمام وهب لرجل تأثر بمذهب الخوارج"(ص:14)، ومعنى العِرّة: ـ بكسر العين وضمّها ـ القذر ]

وقال عكرمة في تفسير المنسلخ:

14- "أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أعطيه من اليهود والنصارى والحنفاء".["زاد المسير"]

وقال ابن زيد:

15- "وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا مالوا عن العلم إلى الهوى".["زاد المسير"]

والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاف من هؤلاء (السوء) لأنهم ان استمروا على النفاق إخفاءً لانسلاخهم هدّدوا الأمة بالضلال والتضليل، لذا قال محذّراً:

16- "(إن) أخوف ما أخاف (وفي رواية: إنما أخاف) على أمتي الأئمة المضلّون".["الصحيحة"(1582)، و"صحيح الجامع"(1551)]

وقد عنون شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ للحديث بقوله:

17- "الحكام المضلّون".

وهذا يعكس مدى الخطورة على الأمة من هؤلاء، والدجل: نفاق، لذا قال المناوي في تفسير قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"كل منافق عليم اللسان":

18- "أي: عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب والعمل، فاسد العقيدة، يغر الناس بشقشقة لسانه، فيقع بسبب اتّباعه خلق كثير في الزلل".

وقد دار حوار قصير بين عمر بن الخطاب وكعب الأحبار ـ رضي الله عنهما ـ قال عمر:

19- "إني أسألك عن أمر لا تكتمني".

قال كعب:

20- "والله لا أكتمك شيئاً أعلمه".

قال عمر:

21- "ما أخوف شيء تخافه على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟".

قال كعب:

22- "أئمة مضلين".

قال عمر:

23- "صـدقت، قد أسرَّ ذلك إلي وأعلمنيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ".[أخرجه أحمد(1/42) بسند صحيح، "الصحيحة"(4/109)]

وفي رواية قال كعب:

24- "والله ما أخاف على هذه الأمة غيرهم".[أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/46) بسند حسن، وهو صحيح بما تقدم، "الصحيحة"(4/109)]

والإمام المضل إمام دجَّال، لأنه يحكم بالباطل، يكذب وينافق، ويغتر بأحكامه الكثير ممن ليس عندهم دراية بألاعيبه، فهو يقفز على الأحكام ويلعب على الحبلين ببهلوانية ماكرة، لا يفطن لخطورته إلا البصير، فعن أبي الأعور مرفوعاً:

25- "ما أخاف على أمتي إلا ثلاثاً: شح مطاع، وهوى متبع، وإمام ضلال".["الصحيحة"(3237)]

فهذا النوع من الدجاجلة خطير وخطير، يستدعي بحق المخافة على الأمة منه، فعن أبي تميم الجيشاني قال: سمعت أبا ذر يقول: كنت مخاصراً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوماً إلى منزله، فسمعته يقول:

26- "غير الدجال أخوف على أمتي من الدجّال؛ الأئمة المضلون".["الصحيحة"(1989)]  

وانكشفت خسة هؤلاء (السوء) حين تركوا العمل، ففي الوقت الذي كانوا يتشدّقون به دفاعاً عن الدعوة السلفية، كانوا جميعهم ـ بدون استثناء ـ يسعون إلى زهرة الدنيا!! فلمّا فتنوا بها انعكست خطواتهم إلى الخلف، وصاروا كلاباً لاهثة. ترى أفعالهم تخالف أقوالهم، يتكلّمون بالحكمة ويعملون بالجور، ثبت هذا الوصف من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

27- "إنما أخاف على هذه الأمة كل منافق يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور".["الصحيحة"(7/1/608)]

ومن الجور أنهم يتلاعبون بالدين، فأقوالهم ليس فقط تخالف أفعالهم، بل أقوالهم تخالف أقوالهم، وفي "الترغيب والترهيب" للمنذري، ذكر في كتاب العلم:

28- "الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه، ويقول ما لا يفعله".

أورد فيه ـ رحمه الله ـ جملة من الأحاديث ختمها بالذي تقدم في (16) وفسّره بما تقدم في الباب. لأن الذين يقولون ولا يفعلون توعّدهم الله أن تقرض شفاههم بمقاريض من النار، لأن القول من غير فعل لون من ألوان النفاق فما بالك إذا صار هذا اللئيم إلى خلق النفاق يستعمله ليخلد إلى الأرض، فإنه بلا شك (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)، وقيل:

29- "إن هذا مثل من يتلو كتاب الله عز وجل ولا يعمل به، هو مثل الكلب لا ينتفع بترك الحمل عليه، ولا يترك اللهث، كذلك هذا لا ينتفع بقراءة كتاب الله عز وجل فيعمل، هو مثل من لا يقرأه ولا يعمل به".["الهداية إلى بلوغ النهاية" لمكي بن أبي طالب القيسي(4/2643)]

لكن هل هناك علاقة تربط بين الدجل والنفاق والخروج على جماعة المسلمين بعد انسلاخ العالم (السوء) عن منهاج النبوة والسلف؟

أو بمعنى آخر: هل بعد أن ينسلخ العالم (السوء) !! عن دين الله ويخلد إلى الأرض مغترّاً بزهرة الدنيا متبعاً لهواه، مقدّماً داعي نفسه على داعي الحق، إلى أن يصير مَثَله لشدة لهفه على الدنيا كمثل الكلب، فلا يتوقف بخساسته عند حدِّ هذا الذّم، بل يسعى لأن يكون أيضاً كلباً خسيساً من كلاب أهل النار؟

الجواب: أن هؤلاء العلماء (السوء) !! اغترّوا ففسدوا، فكانت الأسباب التي تحملهم على الصدِّ عن سبيل الله تعالى، هو أنهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم. وبالتالي تجرؤوا على تحليل الحرام وتحريم الحلال، كما قال الشيخ المعصومي ـ رحمه الله ـ: 

30- "فأولوا المطامع والأهواء يفتون الملوك والأمراء والأغنياء بما يساعدهم على إرضاء شهواتهم، والانتقام من أعدائهم بضروب من الحيل والتأويل".!!

قال ابن زيد في تفسير قوله تعالى: (.. وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ..):

31- "كان هواه مع قومه".["زاد المسير"]

فيدفعه انقياده للهوى إلى الصدِّ عن سبيل الله، فعلماء (السوء) بالغوا في المنع عن اتباع الدعوة السلفية بجميع وجوه المكر والخداع، ومنها افتعال الخصومات فيما بينهم، والمحافظة على استمراريتها بصور مختلفة لصرف وجوه السذّج عن الحق، وإشغالهم بهذه المعارك الجانبية الكلامية لئلا يطّلعوا على حقيقتهم المخزية.

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

32- "وهم مع أكلهم الحرام يصدّون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون".

وقد يحملهم شناعة الصدِّ عن سبيل الله بعد الانسلاخ لستر فضائحهم إلى التواطؤ مع أهل البدع والأهواء، بحجج واهية، والدخول معهم وموافقتهم من خلال درب الاستدراج إلى أن يصيروا مثلهم أو أسوأ، فيطعنون بأهل الحق ويخرجون على أهل العلم، وبالتالي يخرجون على جماعة المسلمين كل ذلك للحفاظ على زهرة الدنيا التي أرادوها من خلال الدين.

قال حذيفة: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

33- "إن أخوف ما أخاف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردءاً للإسلام؛ انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك. قلت: يا نبي الله! أيهما أولى بالشرك، الرامي أو الرمي؟ قال: بل الرامي".["الصحيحة"(3201)]

وهكذا ينتقلون بخساستهم من خساسة إلى خساسة أكبر، فلما أخلدوا إلى الأرض شبِّه الله تعالى أحدهم بالكلب في الدنيا، فإذا وافق الخوارج بقولهم صار كلباً من كلاب النار. فالخوارج كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

34- "كلاب النار".["صحيح الجامع"(3347)]

وفي رواية:

35- "كلاب أهل النار".[سنن ابن ماجه"(173)، وأخرجه ابن أبي عاصم في "ظلال الجنة"(904)]

فلا يغرنّك ماضيه اللامع، بل انظر إلى حاله اليوم!! بعد الانسلاخ!! فإنه يعمل على هدم الإسلام!! وقد أعجبني جداً تسمية شيخنا مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ في الرد على القرضاوي بـ:

36- "إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبد الله القرضاوي".

فإنه ـ رحمه الله ـ فقيه في الردِّ على أهل الأهواء والبدع، سمّاهم بالذي يستحقون. وأسفت لدار الآثار ـ صنعاء ـ في طبعتها الثانية (1426 ـ 2005) أنها ميعت تسمية الرد فكتبت على الغلاف:"الرد على القرضاوي"!! وخالفت بذلك تسمية الشيخ للكتاب!! وهذا للأسف من التلاعب.

وكتب ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابه قائلاً:

37- "سيقول بعض الحزبيين عالم من العلماء وسميته: كلباً عاوياً! أما هذه فكبيرة يا أبا عبد الرحمن، عالم من العلماء! ومفتي قطر!".

وأقول: كلباً من كلاب النار أيضاً إذا لم يتب من بدعه. فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر:

38- "هل تعرف ما يهدم الإسلام

قال: قلت:

39- "لا".

قال:

40- "يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين".[رواه الدارمي بسند صحيح]

إعداد: هشام بن فهمي العارف

25/5/1431 الموافق 8/4/2010