سورة العصر(13)
الأربعاء | 30/06/2010 - 10:43 صباحاً

بسم الله الرحمن الرحيم

(سورة العصر) (13)

                                                                                                  إعداد: هشام بن فهمي العارف

17/7/1431 – 29/06/2010

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد...؛

ذكرنا في سورة الشرح أنه لا ينبغي لمن حمل أعباء الدعوة وقد شرح الله صدره أن يقنط من رحمة الله إذا واجهته الشدَّة، ولا ينبغي له أن يحبط أو ييأس إذا تعقدَّت أمامه المشكلات:

1- (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)

فالآية بشارة لكل مؤمن ليقوم بواجباته متبعاً منهج النبوة والسلف. فإذا فرغت من عمل صالح فعليك أن تجتهد في مزاولة عمل آخر، وكلمّا توجهت لعمل صالح، تذكر معونة الرب لك، فهو الذي يشرح صدرك، وهو الذي يجعل لك مع العسر يسراً.

فكن حريصاً على وقتك ولا تدعه يمر هباءً، بل استثمره في طاعة الله؛ لتنتقل في الزمان المطلق من طاعة إلى طاعة. لذا أقسم الله بالعصر ـ الذي هو الزمان من جهة مروره وذهابه ـ عقب سورة الشرح ليؤكّد على أهميته،  فقال:

وَالْعَصْرِ(1)

وهذا الزمان هو محل أفعال الإنسان، فإما إلى ربح، أو إلى خسارة، وفيه إشارة إلى ضرورة الاشتغال بذكر الله، والدعوة إلى الله على بصيرة، دون أن يشغل نفسه بسفاهة السفهاء، فمن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

2- "العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات ابن آدم من خير وشر".

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ـ رحمه الله ـ:

3- "هو زمن تحصيل الأرباح للمؤمنين، وزمن الشقاء والخسران للمعرضين الضالين".["عيون الرسائل"(ص:746)]

فلا بدَّ للمؤمن أن يجتهد على زمانه، فعصر الإنسان: عمره ومدة حياته الذي هو محل الكسب والخسران، ولأنه يخص العبد في نفسه موعظةً وانتفاعًا.

4- "فكلمة "العصر" تذكرهم الأيام الخالية، وتوجههم من صفة الزمان إلى زواله وسرعة ذهابه. والأولى: عبرة لهم بما جلب على الإنسان من حكم الله فيهم حسب أعمالهم. والثانية: تحرضهم على التشمير لكسب ما ينفعه من زمان أجلي صفته سرعة الزوال".["مفردات القرآن" للفراهي (ص:222)]

والإعصار:

5- "للريح السريعة من جهة المرور والذهاب".["مفردات القرآن"]

وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى.

6- "ذلك لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل".["معجم تهذيب اللغة" للأزهري]

فالعصر:

7- "لآخر النهار من جهة ذهاب النهار".["مفردات القرآن"]

لذا جاء الحضّ عليها  فعن فضالة الليثي مرفوعاً:

8- "حافظ على العصرين: صلاةٍ قبل طلوع الشمس، وصلاةٍ قبل غروبها".["الصحيحة"(1813)]

قال ابن الأثير:

9- "يريد صلاة الفجر وصلاة العصر، سماهما العصرين لأنهما يقعان في طرفي العصرين، وهما الليل والنهار".

وعليه فمعنى العصر هنا غير معنى الدهر، فالدهر: اسم للزمان من حيث مجموعه. قال الأزهري:

10- "والدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول، ويقع على مدة الدنيا كلها".

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

11- "وانقسام العصر إلى القرون، والسنين، والأشهر، والأيام، والساعات، وما دونها، آية من آيات الرب تعالى، وبرهان من براهين قدرته وحكمته".

قال متمم "أضواء البيان" ـ رحمه الله ـ:

12- "ويرجع لهذا المعنى ما يكتنف هذه السورة من سور؛ التكاثر قبلها، والهمزة بعدها، إذ الأولى تذم التلهي والتكاثر بالمال والولد، حتى زيارة المقابر بالموت، ومحل ذلك هو حياة الإنسان. وسورة الهمزة في نفس المعنى تقريباً في الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده. فجمع المال وتعداده في حياة الإنسان وحياته محدودة، وليس مخلداً في الدنيا، كما أن الإيمان وعمل الصالحات مرتبط بحياة الإنسان".

وتواترت الآثار الصحيحة على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وتخصيص الصلاة الوسطى بالأمر بالمحافظة لأنها وقت اشتغال الناس بالمعاش والتكسب. لذا فاحذر تفويت صلاة العصر لأنه من الكبائر لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

13- "إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهلَه ومالَه".[متفق عليه]

قال مالك ـ رحمه الله ـ:

14- "تفسيره: ذهاب الوقت".["صحيح الترغيب والترهيب"(480)]

وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

15- "أي: نُقِصَ أَهْلُهُ ومالُهُ فَبَقِيَ فَرْداً".["غريب الحديث]

وقال النووي ـ رحمه الله ـ قال الخطابي وغيره معناه:

16- "فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله".

وقال الحافظ ـ رحمه الله ـ:

17- "أشار بذكر الإثم إلى أن المراد بالفوت تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، لأن الإثم إنما يترتب على ذلك".["حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/100)]

هذا في تفويت صلاة العصر، وفي تركها حتى يغيب الشفق شر أعظم، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

18- "من ترك صلاة العصر؛ (وفي رواية: متعمّداً) فقد حبط عمله".["صحيح الترغيب والترهيب"(478و479)]قال أبو جعفر بن الزبير ـ رحمه الله ـ:

19- "لما قال تعالى:

20- (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) [التكاثر]

وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان، وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه، وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع

21- (..إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (72) [الأحزاب]

أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان، فقال:(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)، فالقصور شأنه، والظلم طبعه، والجهل جبلته، فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان، (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. إلى آخرها) فهؤلاء:

22-  (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ..(37) [النور] انتهى.

واعلم أن خاتمة سورة الشرح ارتبطت بمطلع سورة العصر من حيث المجاهدة والمعاودة لاستثمار الزمن في طلب الأعمال الصالحة.

23- "فلذلك أقسم به ونبّه على أن الليل والنهار فرصة يضيّعها المكلف".["التفسير الكبير"]

فالفجر إذن من جهة ذهاب الليل، وهو وقت لذة النوم، والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره. والعصر من جهة ذهاب النهار، لأن التكليف في أدائها أشق للفراغ من الصناعات وإتمام الوظائف وتسليم العهد وجمع الحصيلة.

وجاء في الأحاديث والآثار الصحيحة ما يرهِّب من ترك ذكر الله تعالى والغفلة عن العمل الصالح في: القعود، أو الاضطجاع، أو المشي، أو النوم، فعن أبي هريرة مرفوعاً:

24- "من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله ترة".["الصحيحة"(78)، ومعنى ترة: نقصاً وتبعة وحسرة وندامة]

وعن أبي إسحاق مرفوعاً:

25- "وما من رجل مشى طريقاً، فلم يذكر الله عز وجل؛ إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه، فلم يذكر الله؛ إلا كان عليه ترة".["الصحيحة"(79)]

فهؤلاء وأمثالهم تدركهم الحسرة والندامة إذا استمروا على هذا النقص، لأنهم ضيعوا رأس مالهم ـ الوقت ـ فمرَّ من غير ذكر الله على الأقل، ففوّتوا ربحهم، لذا رويت أحاديث وآثار صحيحة ترغِّب في التفرغ للدعوة والعبادة، وتحث على النشاط الدائم والمستمر في الأعمال الصالحة، فعن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

26- "إن الله يقول: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسدَّ فقرك".["الصحيحة"(1359)]

 

 

وعن معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :

27- "يقول ربكم ـ تبارك وتعالى ـ: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد مني فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً".["الصحيحة"(3/347)]

فإذا كان الإنسان صحيحاً ومستثمراً لزمانه في طاعة الله فهو في الربح المستمر، وإذا كان صحيحاً غير مستثمرٍ لزمانه في طاعة الله فهو مغبون، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً:

28- "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" .["صحيح الجامع"(6778)]

أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث أن يبين أن المخدوع حقيقة، الخاسر المحروم الأجر، ذو الصحة والفراغ، الذي لم يستفد من صحته وفراغه، فكأنما كان معه جوهرة نفيسة فباعها بثمن بخس.

قال ابن بطال ـ رحمه الله ـ:

29- "إن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكتفياً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرّط في ذلك فهو مغبون".

وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

30- "قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم".

والحديث " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا .." أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" في أول كتاب الرقاق، ثم أتبعه بحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  قال:

31- "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".

قال ابن المنيِّر ـ رحمه الله ـ:

32- "مناسبة إيراد حديث أنس مع حديث ابن عباس الذي تضمنته الترجمة: أن الناس قد غبن كثير منهم في الصحة والفراغ لإيثارهم لعيش الدنيا على عيش الآخــرة، فأراد الإشارة إلى أن العيش الذي اشتغلوا به ليس بشيء، بل العيش الذي شغلوا عنه هو المطلوب، ومن فاته فهو المغبون".

وقال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

33- "ومقصودها ـ يعني: السورة ـ تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى إضدادهم".

وقال ـ رحمه الله ـ:

34- "واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته".

ولمّا كان العصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما المعيب الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله قال:

إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)

جواب القسم، مؤكد بـ (إِنَّ)، واللام في قوله: (لَفِي)، قال الشوكاني:

35- "والإنسان يعم كل فرد من أفراد هذا النوع".

والأصل في الإنسان هو الخسران.

36- "لأن الأصل فيه إنما الاشتغال بالأحوال النباتية والبهمية والسَّبُعيَّة، ثم استثنى عنهم السعداء والكاملين".["رسالة في التنبيه على بعض الأسرار المودعة في التنزيل" للفخر الرازي (أشعري المعتقد)]

فالعصر يمر ويمضي معه الإنسان خاسراً. قال علي بن محمد الشيحي المعروف بالخازن ـ رحمه الله ـ:

37- "لأن الخسران هو تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر من عمر الإنسان إما أن تكون تلك السّاعة في طاعة أو معصية, فإن كانت في معصية فهو الخسران المبين الظاهر، وإن كانت في طاعة, فلعل غيرها أفضل وهو قادر على الإتيان بها، فكان فعل غير الأفضل تضييعاً وخسراناً, فبان بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران".

وقال المناوي ـ رحمه الله ـ:

38- "ولا يعتبر من الفائزين المفلحين إلا إذا تحول من إنسان جاحد، فاسد، أناني، إلى إنسان مؤمن بالله قائم بالعمل الصالح، متمسك بالحق، وموصٍ لغيره بالتمسك به، معتصم بالصبر، وموصٍ لغيره الاعتصام به".["التيسير في أحاديث التفسير"]

 

 

فمن لم يستعمل نفسه فيما يوجب له الربح، فهو في خسران إلى هلاك. قال الحافظ القصاب:

39- "فهذه بشارة للمؤمن جليلة، وغنيمة عظيمة، أن يكون الإنسان في خسر ويكون هو في زيادة، لأن الخسر نقصان".

وقوله تعالى (لَفِي خُسْرٍ) أبلغ من قوله (لخاسر)، وقال أهل المعاني:

40- "الخسر: هلاك رأس المال، أو نقصه".

قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ ـ رحمه الله ـ:

41- "تنبيه على عدم اختصاص خسره بنوع دون نوع، بل قد توجِّه إليه الخسران بحذافيره من جميع جهاته إلا ما استثني".

قال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

42- "فكأن الإنسان منغمس في الخسر، والخسران محيط به من كل جانب".

لأجل ذلك فإن الشوكاني ـ رحمه الله ـ تعدّى معنى النقصان في الخسارة، إلى معنى الهلاك، وغرضه الترهيب لأن الكلام اشتمل على جميع المؤكدات وقال:

43- "والمناسب للمقام أن يكون الخسر: الهلاك للإنسان المذكور؛ لعدم استقامته على الدين، وليس المراد الهلاك الدنيوي بالقتل أو نحوه، بل المراد: الهلاك الديني الموجب لمصيره إلى النار، كما يفيد ذلك استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات".

وقال:

44- "وأيضاً المقام مقام الترهيب للعصاة، والترغيب لأهل الإيمان والطاعات، ومجموع ذلك يفيد أن يفسر الخسر: بذهاب الدين الموجب للشقاوة الأبدية، وهذا أولى من تفسير الخسر بالنقص، لأن مقام الترهيب والتشديد والمبالغة في الوعيد يقتضي الخسران التام، وهو ذهاب الدين بالمرة؛ المستلزم لهلاك صاحبه، لا نقصه وذهاب بعضه، وبقاء بعض".

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

45- "فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمَّل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمّل غيره بوصيته له بهما".["كتاب أرسله الحافظ ابن القيم إلى بعض إخوانه"(ص:48)]

 

وقال صاحب "التفسير الكبير":

46- "هذه السورة فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس، إلا من كان آتياً بهذه الأشياء الأربعة":

وهي في قوله تعالى:

إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)

فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه". 

فالآية توجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه لينجو من مطلق الخسارة ويلتحق بالمؤمنين الموحدين، وتوجب الجد والاجتهاد على الأعمال الصالحة والإقامة عليها لينجو من الخسارة المطلقة ويلتحق بالمؤمنين الصالحين، وتوجب الجد والاجتهاد على التواصي بالحق، والتواصي بالصبر ليلتحق بالطائفة المنصورة.

قال الطوفي ـ رحمه الله ـ:

47- "كان السلف يسمونه ميزان النجاة، فيقولون: هلمّوا نزن أنفسنا بميزان النجاة يعني: الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق وبالصبر".["الإشارات الإلهية"]

والذي يسلم من الخسران إلى السعادة من كان:

أولاً: كاملاً في القوة العلمية لقوله تعالى:( إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) فهم الذين عرفوا الحق وصدَّقوا به. قال الشيخ عبد اللطيف ـ رحمه الله ـ:

48- "وطلب العلم ومعرفة ما قصد به العبد من الخطاب الشرعي أفضل الأرباح وعنوان الفلاح، والإعراض عن ذلك علامة الإفلاس والإبلاس، فلا ينبغي للعاقل العارف أن يضيِّع أوقات عمره، وساعات دهره إلا في طلب العلم النافع، والميراث المحمدي".

والتصديق: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان.

قال مجاهد:

49- "إلا الذين صدَّقوا الله ووحدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه".

وقال ابن بطة ـ رحمه الله ـ:

50- "يزيده كثرة العمل والقول بالإحسان، وينقصه العصيان. وله أول وبداية، ثم ارتقاء، وزيادة بلا ، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه، مكملاً لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه إياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافياً عن كل ما سواه، شافياً من كل داء، هادياً إلى كل خير".["مفتاح دار السعادة"(1/56-57)]

المقالة كاملة هنا