يبتلى المسلمون اليوم بالدعوة السلفية كما ابتلي بنو إسرائيل بأبي القرن
الأربعاء | 25/08/2010 - 06:45 صباحاً

يبتلى المسلمون اليوم بالدعوة السلفية

كما ابتلي بنو إسرائيل بأبي القرن

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 14/09/1431 الموافق 24/08/2010

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

في الأول من رمضان عام 1423 كتبت قصَّة أبي القرن الذي أخلص لله في فهم مسائل الإيمان والمنهج، فحفظ الله به الدين والإيمان والمنهج.

واليوم أعود لقصَّة أبي القرن من باب التذكير ومن أبواب أخرى جديدة ليزداد الذين في الطائفة المنصورة في المسجد الأقصى وغيره إيماناً، ويخسأ الذين سقطوا في الابتلاء.

لقد كان الابتلاء في نصرة الدعوة السلفية بعد ظهورها في بيت المقدس سهلاً، لكن نفوس الساقطين، والمنافقين، والخونة، والحزبيين، طلبت السّفول والسّفالة لأنها نفوس خبيثة منحطَّة، وترفّعت عن العمل في سبيل الله بصدق وإخلاص، وآثرت الدنيا على الآخرة، فكان جزاؤها أن رمى الله بها في أوحال الدجل من الأقوال، والرذيلة من الأفعال، فأخزاها الله، فها هي تحصد كل يوم فساد أعمالها، لذا فإنك تراها بعد أن هتك الله سترها قد اتخذت من الهاوية التي سقطت فيها ممراً لعداء الدعوة السلفية في المسجد الأقصى، لتنتعش في أوساط أمثالها من الساقطين المبتدعة والحزبيين والمنافقين، لذا احتجّت بحجج أوهى من بيت العنكبوت لتتنصّل من وخم صنيعها التي فشلت فيه حين أرادت مجتمعة هدم الدعوة السلفية في بيت المقدس، فهي تزداد يوماً بعد يوم خزياً وعاراً بعد أن تكشَّفت الحقائق لكل عادل ومنصف. 

وكنت قلت حين حرّرت قصة أبي القرن قبل نحو ثمانية أعوام:

1- "وفي قصة أبي القرن يرى طالب العلم أهمية أخذ العبرة والدرس منها في وقت زاد فيه زخم الفتن، وتعجل الناس النتائج قبل أوانها، ومن هؤلاء الناس خاصة صغار العلم الذين تحمّسوا حماساً ما أراه إلا شغل بالهم عن المهم والأسمى، وفتنوا بأقوال من لم يشهد لهم أهل العلم بالعلم، فلعل في قصة صاحبنا أبي القرن العبرة والدرس والفائدة في ردّهم إلى طلب العلم بروية، خشية أن ينطبق عليهم قول الله تعالى:

2- (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ(101) [البقرة]

وقلت:

3- "وليدركوا أن الفرقة في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاصلة، وأنها فيها كما كانت في بني إسرائيل، وأن النجاة مع الذين انتهجوا منهج النبوة والسلف، وصبروا".

وقصة أبي القرن أخرجها البيهقي في "شعب الإيمان" عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بسند صحيح، وأوردها شيخنا الإمام محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ  في "السلسلة الصحيحة" (2694) وعنون لها:

4- "هل أصابنا ما أصابهم"؟

ونصّها:

5- "إن بني إسرائيل لما طال الأمد وقست قلوبهم، اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم عليه، فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قال: لا، بل ابعثوا إلى فلان ـ رجل من علمائهم ـ فإن تابعكم فلن يختلف عليكم بعده أحد، فأرسلوا إليه فدعوه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم، فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: تؤمن بهذا؟ فأشار إلى صدره ـ يعني الكتاب الذي في القرن ـ فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أؤمن بهذا؟ فخلوا سبيله. قال: وكان له أصحاب يغشونه فلما حضرته الوفاة أتوه، فلما نزعوا ثيابه وجدوا القرن في جوفه الكتاب، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا ومالي لا أومن بهذا، فإنما عنى بـ (هذا) هذا الكتاب الذي في القرن قال: فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة، خير مللهم أصحاب أبي القرن".

بيَّن الحديث أن بني إسرائيل كانوا إذا سمعوا التوراة رقَّت قلوبهم وخشعت لله تعالى، حتى طال عليهم الزمن ـ يعني بَعُد زمن الأنبياء عنهم والرسالات ـ فضَعُف الإيمان فيهم إلى أن غلبت الشهوات، واستحدث من استحدث منهم لأجلها في الدين الشبهات، فغلب عليهم الجفاء والقسوة، وبدأ الاختلاف يدقّ في عروقهم، والغلّ ينبت في قلوبهم، والحقد يأكل من أكبادهم، والانقسام يقع على أرضهم. فتهاونوا بأمور الدين، وتجرؤوا على حرمات الله، وصاروا إلى الهوى وآثروه على الهدى. ونسوا حظّاً مما ذكّروا به، وأهملوا وعظ الطائفة المنصورة لهم في بيت المقدس. 

إن هذا الضعف في الإيمان، وولوج البدع في الاعتقاد والعبادة، واتباع الهوى، والسكوت عن الشركيات بل والدفاع عنها أحياناً كثيرة، والفساد الذي استشرى في أوصال طبقات الإسرائيليين، والاختلافات بينهم، والانقسامات التي وقعت فيهم، وظهور طبقة علماء السوء في سلطتهم الدينية، استمر فيهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.

ولم يقف فسادهم عند حدِّ نبذ التوراة وراء ظهورهم بل أقدموا على اختراع كتاب وضعوه من عند أنفسهم هو من صناعتهم الضالة عن الهدى في مسائل الإيمان وغيرها بعد أن استهوته قلوبهم، واستحلته واستلذّته أنفسهم وألسنتهم.

إن هذا الضلال الذي عاش فيه المجتمع الإسرائيلي زمن أبي القرن ـ رحمه الله ـ في بيت المقدس دفعهم أخيراً إلى ترك التوراة وسنة موسى ـ عليه السلام ـ.

وإن هذا التوسع في دائرة الضلال والفساد في المجتمع الإسرائيلي في بيت المقدس وقتئذ، والغفلة التي كانوا فيها بالإضافة إلى ما تقدم ذكره، جرّأهم أخيراً إلى الاعتداء على كتاب الله التوراة، فاخترعوا كتاباً مضاداً ـ كبقية الحزبيين ـ يحتكمون إليه، سنّوا فيه لأنفسهم من التحريف والتأويل ما يوافق هواهم وتستلذّه أنفسهم. لأن الحق الذي في التوراة كان يحول بينهم وبين ما يشتهون، ويحول بينهم وبين ما يبتدعون.

كم هو نور النبوة نفيس ومهم، فعن أنس بن مالك قال:

6- "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، ولما نفضنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا".["صحيح الترمذي" و "صحيح ابن ماجه"]

وعن أنس قال: قال أبو بكر لعمر ـ رضي الله عنهما ـ بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

7- "انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ فقالت:

8- "إني لا أبكي، إني لأعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها". [رواه مسلم، وابن ماجه]

ولقد ابتلي الناس اليوم بهذا النور بعد ظهور الدعوة السلفية في بيت المقدس في المسجد الأقصى، فالدعوة السلفية في المسجد الأقصى ـ ولله الحمد ـ على منهاج النبوة والسلف، فماذا الناس فاعلون حيالها؟!! والتوراة كان فيها حكم الله، والتوراة كان فيها الهدى والنور، وكذلك القرآن الذي بين أيديكم اليوم جعله اللّه شفاءً لما في الصدور، وبيانًا للناس، قال تعالى:

9- (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) [المائدة]

10- "فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك؛ لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة، حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ. إما ألا يعرفوا اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه، فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة، ومن ههنا يقع الشرك، وتفريق الدين شيعًا، كالفتن التي تحدث السيف، فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم، كما قال مالك بن أنس:

11- "إذا قَلَّ العِلْمُ ظهر الجفَاَءُ، وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء".["مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (5/310)]  ومع هذا فإن الإسرائيليين في بيت المقدس في زمان أبي القرن أصرّوا على الباطل إصراراً عجيباً، فلم تتوقف أهواؤهم عند شهواتهم، بل تعدّتها إلى صناعة الشبهات واستحداث البدع في الدين، وظهر علماء السوء فيهم (منافقين ومبتدعة) فزينوا للناس أعمالهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

12- "وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين، وهم يعلمون صدقه، وحقيقة ما جاء به".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

13- "ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة ـ يعني (101) من سورة البقرة ـ أن كثيراً من اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به، وبين في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران:

14- (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ(110)

فكان المقصود من التوراة والإنجيل والقرآن العمل بمقتضاها، لا الاقتصار على تلاوتها باللسان وترتيلها، قال تعالى:

15- (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر:55]

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

16- "فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقتضاه، لكن تركنا ذلك، كما تركت اليهود والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئاً، لغلبة الجهل وطلب الرياسة واتباع الأهواء".

أضف إلى الذي تقدم الإعراض عن الدعوة السلفية، والبدء في الهوى قبل العمل، فعن عبد الله بن مسعود قال لإنسان:

17- "إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة، يبدؤون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدؤون فيه أهواءهم قبل أعمالهم".["الموطأ للإمام مالك"]

قال ابن بطّال ـ رحمه الله ـ:

18- "فذمَّ من حفظ الحروف وضيع العمل ولم يقف عند الحدود، ومدح من عمل بمعانى القرآن وإن لم يحفظ الحروف، فدلَّ هذا على أن الحفظ والإحصاء المندوب إليه هو العمل".["شرح صحيح البخاري"(10/421)]

وسبق لي أن كتبت مقالة مطوَّلة بعنوان:

19- "أيها السلفيون !! احذروا هاوية التنظير بعيداً عن العمل".[10/8/1430 الموافق 1/8/2009]

حذَّرت فيها المنتسب إلى منهاج النبوة والسلف أن يتقاعس عن العمل، وأشرت فيها إلى صفة الخوارج الذين عملوا بأهوائهم ولم يعملوا بالقرآن والسنة الصحيحة، وقد أشار إلى ذلك ابن بطال ـ رحمه الله ـ في شرحه لأحاديث صحيح البخاري ـ باب قول النَّبِي ـ صلى الله عليه وسلم:

20- "إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

فنقل عن أبي محمد الأصيلي أنه قال:

21- "الإحصاء لأسمائه تعالى هو العمل بها لا عدّها وحفظها فقط؛ لأنه قد يعدها المنافق والكافر وذلك غير نافع له. قال المؤلف: والدليل على أن حقيقة الإحصاء والحفظ في الشريعة إنما هو العمل؛ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وصف الخوارج:

22- "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" فبيّن أن من قرأ القرآن ولم يعمل به لم ترفع قراءته إلى الله، ولا جازت حنجرته، فلم يكتب له أجرها وخاب من ثوابها كما قال تعالى:

23- (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[فاطر:10]

يعنى أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى".    

وقد أردت من خلال مقالتي إيصال رسالة إلى كل من إلى انتسب للدعوة السلفية فوقع في التنظير بعيداً عن العمل؛ أن ذلك يورثه النفاق وينزع منه الخشوع ويقسّي قلبه، وأن حاله أسوأ بكثير من حال الخوارج. لأن الخوارج هجموا على الناس بتأويلاتهم الفاسدة للكتاب والسنة، وبغرض إشباع شهواتهم المحمومة، فكفّروا وفجّروا، وأثاروا الفتن وهيّجوا الناس وانتشر الآن الإرهاب بسببهم، بينما هؤلاء الرويبضة الفجرة جلسوا وتربعوا على كراسي السلطة الدينية للتنظير وهم منافقون. فظهروا بمظهر المفتين والمعلمين وهم في حقيقة أمرهم خبثاء دجّالون، شابهوا حاخامات اليهود وقساوسة النصارى وتبعهم الكثير من العوام السذج على ذلك، فهم أسوأ حالاً من الخوارج، لأن الخوارج يذبحون الناس في العلن، وهؤلاء يذبحونهم في السّر، وهذا معنى قول عبد الله بن مسعود في الحديث الذي له حكم المرفوع: "استهوته قلوبهم، واستحلَّته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون".  

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

24- "فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلّموا الناس مما علَمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفاً من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق، وراء ظهورهم فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤاً على محارم الله، وتهاوناً بحقوقه تعالى، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمناً قليلاً، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهوائهم، المقدمين شهواتهم على الحق. (فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه ـ وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية ـ أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس إلا لسوء حظهم وهوانهم وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له".

ولا شك أن هذا الصنف من الناس لا يؤتمنون على دين الله، ولا يجوز أن يكون لهم منصب في حكومة، عدا أن يكونوا موظفين فيها، فلا يستحق أن يجلس أحدهم على كرسي من كراسي اتخاذ القرار أو عشر القرار في الدولة، لأن هؤلاء إذا تمكنوا رأى الناس منهم العجب العجاب. فهم أخطر الطوائف والفرق لأنهم منافقون، يظهرون الدين والتديّن وهم أكثر الأفاعي سمّاً زعافاً.

وكشف حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ما عليه أهل النفاق والمبتدعة من غلِّ على الدعوة السلفية، لأنهم أرادوا حمل الناس ـ بعد سقوطهم في الابتلاء ـ على اتباع أهوائهم الضالة، ليبلغوا شهواتهم بكل الوسائل، إنهم وفي خضم الوصول إلى أهدافهم الخبيثة الحقيرة باعوا أنفسهم بأرخص الأثمان. وأرادوا هذا لغيرهم، فمن باع من الناس دينه وسقط سقوطهم خلّوه، ومن امتنع قتلوه!! "فإن تابعوكم عليه فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم".

وأشار الحديث إلى أهمية العلماء من الطائفة المنصورة الذين يمسّكون بالكتاب والسنة، فهؤلاء أخذوا الكتاب بجد وعزم، ولم يتلوَّنوا، وثبتوا ولم يتغيَّروا، وعملوا فيه بصدق وإخلاص، ولم يرتشوا ولم يزوِّروا، ولم يكذبوا، ولم يجبنوا، ولم يبيعوا دينهم. لأنهم جعلوا ولايتهم خالصة لله، فهم ظاهرون على الحق، لأنهم على منهاج النبوة والسلف، وعلى الرغم من قلّتهم إلا أنهم كانوا شوكة في خاصرة كل مبتدع ومنافق، بل شوكة دقيقة في حلوقهم، قال ابن كثير في قوله تعالى:

25- (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) [الأعراف]

26- "أي: اعتصموا به واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره".

وقال مجاهد:

27- "هم المؤمنون من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرّفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة".

قال الشيخ العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:

28- "وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم".

وقال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

29- "أي: يمسّكون إمساكاً شديداً يتجدد على كل وجه الاستمرار، وهو إشارة إلى إن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد". فلا يقولون على الله إلا الحق، ومن جملة تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك الكتاب عند إتيان الناسخ لأنه ناطق بذلك والله الموفق".

وختم الله تعالى الآية بوصف الطائفة المنصورة بالمصلحين، لأنهم غرباء قائمون على الإصلاح وإزالة الفساد. والطائفة المنصورة كما كانت في بني إسرائيل هي أيضاً في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فمن كان تمسّك بالكتاب والسنة فآمن بموسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعمل بمقتضى التوراة نجا وانقاد بفضل من الله تعالى ليؤمن بعيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن آمن بعيسى وعمل بمقتضى التوراة والإنجيل نجا وانقاد بفضل من الله تعالى ليؤمن بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن آمن بمحمد وعمل بمقتضى القرآن والسنة الصحيحة نجا وكان مع الطائفة المنصورة وانقاد بفضل من الله تعالى ليكون تحت لواء المهدي ـ عليه السلام ـ يقاتل الدّجّال.

قال تعالى:

30- (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ(44)[المائدة]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

31- "قوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها".

بقية المقال من هنا