محمد حسان الفتان زوبعة في فنجان
الأربعاء | 06/08/2008 - 08:14 صباحاً

محمد حسان الفتان زوبعة في فنجان

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 18/5/1429 الموافق 23/5/2008

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد؛

قال العلامة الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه "الدعوة إلى الإصلاح":

(1)"ومن الناس من يضمر في نفسه لُبانة لا تنالها يده إلا بمساعدة قومه، فينصب اسم الإصلاح شَرَكاً لاستعطافهم والتفافهم حوله، فإذا ضحك الإقبال في وجهـه، وحان قطاف أمنيته: انصرف عن معاضدة العدل، وعرَّى أفراس الدعوة ورواحلها".

وقال:

(2) تهافت كثير من أصحاب الضمائر المعتلة على منصب الدعوة، واجتهدوا في كتم سرائرهم بغاية ما يستطيعون، وما لبثوا أن انكشف سرّهم، وافتضح أمرهم؛ سنة الله في الذين يظهرون بغير ما يعلمون من أنفسهم!".

وقال:

(3) "وهذا ما يجعل أذكياء الناس يحترسون ممن يخرج بزيِّ المصلح، أشد مما يحذرون المجاهر بإرادة العنت والفساد، فأخو العشيرة إذا ظهر لهم في ثـوب الناصح الأمين؛ انخدع لأقواله أهل الغباوة !! والتبس حاله على كثير من أهل النباهة! فيجد سبلاً مفتوحة ونفوساً متهيئة لقبول ما يدسّه في مطوي كلامه، ويكنّه تحت اسم الإصلاح من مقاصد سيئة، فيكون كيده أقرب إصابة، وأنفذ رمية من خطر المبارز لهم بالعداوة، والعمل على شقائهم؛".

وقال:

فإن من يكشف لهم عن بطانة صدره: لا يرميهم بالمكايد تحت ستار، ولو رماهم بها في مواربة لوجدوا من شعورهم بطويته ما يحملهم على سوء الظـن به، وينقذهم من الوقوع في حبائله.

ونحن نرى الذين يصدُّون عن الإسلام من المخالفين له علانية: لم ينالوا بين الأمم الإسلامية إلا خيبةً وخساراً، ورأينا الفئة التي ما برحت تذكر في حساب المسلمين ـ وهي تحمل لهم عداوة الذين أشركوا ـ قد فعلت في فريق من شبابنا؛ ما تقر له عين الأجنبي الذي يحاول أن تكون سلطته خالدة.

وقال:

(4) "والتمييز بين من وقف ينادي للإصلاح صادقاً، ومن لبس قميص المصلح عارية ـ لدنيا يصيبها، أو وجاهة يتباهى بها ـ إنما تهتدي إليه الفراسة المهذبة والاختبار الصحيح".

فإذا أبصرنا داعياً ذا يسار ولم يُظهر في طبيعته حرص على نماء ما بين يديه من المال، أو قام يدعو فريقاً ليس من دأبهم بسط أكفهم بصلة الدعاة؛ فما كان لنا أن نرميه بتهمة القصد إلى اصطياد ما في خزائن الناس، من زينة هذه الحياة.

ويدلّك على سلامة نيّته من إحراز رياسة أو وجاهة: أن ينشأ في بيت ماجد، ويحوز في الشرف مكانة سامية، فيقوم وهو يشعر بأن مجاراته للقوم، وإغضاءه عما يشاهدهم عليه من العوج يزيد في إقبالهم عليه، ويضع في قلوبهم الرضا عن سيرته، فيضرب عن مداجاتهم ، ـ يعني : مداراتهم ـ ويناضلهم بالحجة ، ولا ينفك يعرض شمس الحقيقة على أبصارهم ، وهم لها كارهون .

ومن شواهد طيب السريرة: أن ينادي قومه للإصلاح سنين، ويتمادى في سعيه المتواصل إلى آخر رمق من حياته؛ دون أن يفُلَّ عزمه تباطؤهم عن إجابته، أو مقابلتهم لصنيعه بالكفران.

وقال ـ رحمه الله ـ

(5) "والشأن في من انطوى صدره على سريرة غير طيبة: أن يبتغي إليها الوسيلة، فإذا أبطأت به ولم تقع عينه إلا على خيبة وإخفاق؛ ملَّ العمل وصرف جهده إلى وسيلة أخرى!!"

 

 

وقال ـ رحمه الله ـ:

(6) "والذي يواصل سعيه وينفق معظم حياته في الدعوة: قد نصفْه بسلامة النيّة وإرادة الخير لقومه، ولكنّا لا ننعته باسم "المصلح" إلا إذا صفا منهجه، واستقامت آراؤه؛".

وقال:

(7) "فمن الدعاة من تطيب سريرته ويخلص قصده، وإنما يخونه قلة بضاعته في العلم، أو قصور نظره عند قياس الأشياء بأشباهها، أو اقتباس الفروع من أصولها".

انتهى كلام العلامة محمد خضر الحسين ـ رحمه الله ـ فكلامه ـ رحمه الله ـ كلام الخبير النافع.

أهل الحق وأهل الباطل

وكلام أهل الحق لا يعجب أهل الباطل، وقد نقل عن سيِّد العبَّاد بعد الصحابة أويس القرني أنه قال:

(8) "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقاً، نأمرهم بالمعروف، فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك أعواناً من الفاسقين، حتى ـ والله ـ لقد رموني بالعظائم، وأيم الله؛ لا أدع أن أقوم فيهم بحقه".

وقال أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله ـ كما في ـ "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي" (1/179):

(9) "علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر".

وقال ابن القطان ـ رحمه الله ـ:

(10) "ليس في الدنيا مبتدع، إلا وهو يبغض أهل الحديث".

وقال أبو إسماعيل الصابوني ـ رحمه الله ـ في كتابه "عقيدة السلف":

(11) "وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم، شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واحتقارهم لهم، واستخفافهم بهم".

وعن قتيبة بن سعيد ـ رحمه الله ـ قال:

(12) "إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث، فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع".

احذر المبتدعة! إنهم أكذب الناس

جاء في "الكفاية" للخطيب (ص123): عن علي بن حرب الموصلي:

(13) "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي".

وأخرج الحافظ عبد الله بن محمد بن عبيد في "ذم الكذب وأهله" عن مطرِّف بن الشِّخِّير قال:

(14) "من صفا عمله، صفا لسانه، ومن خَلَط خُلِط له".

ومن الخلط الذي يعيشه الكثير من الناس ـ اليوم ـ أنهم لا يعرفون ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (12/467) ـ اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذماً مطلقاً، لا يفرقون بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواطن الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع".

وقال ـ رحمه الله ـ في "نفس المصدر" (4/51):

(15) "وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة، أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة".

كونوا مع الصادقين

أيها الطالب السلفي، لا يغرنَّك شقشقت ألسنة المبتدعة، وحلاوة منطقهم، ومعسول ابتساماتهم،  واعلم أن الله ـ تعالى ـ خاطبنا بقوله في سورة التوبة:

(16) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119).

بعد أن حذرنا من أهل البدع الذين خرجوا من هذا الخطاب واختاروا بمحض إرادتهم أن يكونوا مع الكذبة والمنافقين، فقدَّم وصفهم لنا في السورة نفسها مرشداً مخبراً بقوله:

(17) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ..(34).  

لقد اتفقت كلمات السلف الصالح على وجوب مجاهدة أهل البدع وهجرهم لأنهم أكذب الناس، وخطرهم على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد، قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (7/261):

(18) "من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم، خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه".

إن أساليب المبتدعة خبيثة لأنها تعتمد على الكذب والنفاق، فهي أساليب خطيرة جداً على دين أمة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، قال أبو الفضل الهمداني فيما نقله ابن الجوزي في "الموضوعات" (1/51):

(19) "مبتدعة الإسلام أشد من الملحدين، لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من الداخل".

وذكر ابن مفلح في كتابه "الآداب الشرعية" (ص165): أن المتوكل أرسل إلى الإمام أحمد رسولاً يستفتيه، فقال: ترى أن نستعمل النصارى في أعمال الدولة أو أهل الأهواء؟ فقال: يستعمل النصارى، ولا يستعمل أهل الأهواء، فلما خرج رسول المتوكل سأل الإمام أحمد مَن عنده، فقال: ـ رحمه الله ـ:

(20) "اليهود والنصارى مفضوحون، وأما أولئك فيلبِّسون على الناس دينهم".

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

(21) "حينما تكون فرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدع والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود بأنه منهم".

 أخرج الترمذي "صحيح الترمذي" (2229) عن ثوبان مرفوعاً:

(22) "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين".

وأخرج الهروي في "ذم الكلام" عن الأوزاعي:

(23) "عليك بآثار من سلف، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها بالقول".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في "مجموع الفتاوى" (28/231-232): "وقال بعضهم: لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا، وفلان كذا. فقال:

(24) "إذا سكت أنت، وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل؛ الصحيح من السقيم؟!

وقال:

(25) "ومثل أئمة البدع من أهل المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين".

حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال:

(26) "إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين وهذا أفضل".

فتبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، ودينه ومنهاجه وشريعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً ، وأما أولئك فهم يفسدون ابتداءً".

ثم قال ـ رحمه الله ـ: وأعداء الدين نوعان: الكفار، والمنافقون، وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله ـ تعالى ـ في سورة التوبة:

(27) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..(73)

في آيتين من القرآن".

من أجل أن يُقرأ القرآن كما نزل

إن الدرب الذي يسلكه مبتدعة اليوم على شتى ألوانهم ومسمياتهم وتوجهاتهم في جميع أنحاء البلاد الإسلامية، وفي أنحاء أخرى من شتات العالم،  هو ذات الدرب الذي سلكه اليهود والنصارى وحذر منه النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا تزال آثار ضلال أهل الكتاب عن هدي أنبيائهم واعوجاج أفهامهم وكفرهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ماثلة للعيان، ولا تزال آثار خزيهم في الدنيا واضحة المعالم لا يحتار فيها من العقلاء اثنان، فمن أحب الاعتبار  فعليه أن يحذَر  ويحذِّر من أهل البدع فاستعمال التزييف والتحريف من أمهر الحرف التي يتقنها هؤلاء لإخراج السذج عن الجادة.

إن من أخطر ما يلبس به على الناس تلك الأوراق المكتوبة بخط المبتدعة، إنهم يجعلون باستدلالاتهم المفرقة المأخوذة من كتاب الله ـ تعالى ـ أو من حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألعوبة يبنون عليها آرائهم السقيمة؛ إمعاناً في التلبيس على السذج من العوام. فينخرط في سلكهم الكثير ممن انطوت عليهم الشبهة فيصبح الناس بعدها تائهين حائرين لا يدرون أين الصواب !! فإلى الله المشتكى.

ويهدف هؤلاء المبتدعة طمس الحقائق وإظلام النور، وصدق فيهم قول الله ـ تعالى ـ في سورة الصف (109/نزول):

(28) (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8).

فلا يجوز للمسلم السلفي الإذعان لهم لأنهم خرجوا من الصف وعاثوا بتسويته فساداً. جاء في "صحيح سنن ابن ماجه (4048)":  عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم شيئا ـ فقال:

(29) "ذاك عند أوان ذهاب العلم" .

قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرؤه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال:

(30) "ثكلتك أمك زياد؛ إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما"؟.

والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصرط المستقيم" (ص759-760):

(31) "ولهذا: كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركاً، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم".

إن الله ـ تعالى ـ لهؤلاء المتلاعبين بكتاب الله وسنة رسوله بالمرصاد، ألا ترى إلى التوراة نوراً وهدى، فإذا تلاعب بها المتلاعبون فطمسوا ما فيها من النور والخير العظيم، بعث الله رسولاً، وأنزل كتاباً، فكان بعد موسى؛ عيسى ـ عليهما السلام ـ مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتاه الله الإنجيل، وهكذا جاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فترة من الرسل وبعد أن دخلت الحيرة والشك قلوب الناس واحتاجوا إلى النور من جديد كان القرآن مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رحمة الله بها أنه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد دينه ، فيشع النور من جديد، والدعوة السلفية بعث وتجديد ـ ولله الحمد ـ فهل فطن لهذا البعث وهذا التجديد من انتسب للدعوة السلفية فغابت عنه ألاعيب المبتدعة؟!! فإذا به يرى ـ منفرداً ـ تقريبهم بحجة توبتهم المشبوهة.

قال الله تعالى في سورة المائدة (112/نزول):

(32) (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ(44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنفَ بِالأنفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(47).

 وقد دعا الله ـ تعالى ـ الناس الاستجابة للدعوة السلفية فقال في مطلع السورة نفسها يحث من سبقنا من أهل الكتاب، ومن ضل من المسلمين وسار على طريقتهم فاضحاً أساليب الخبثاء منهم ـ ومنها ـ إخفاء الحقائق التي نزلت في التوراة والإنجيل:

(33) (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16).

وعلماء الدعوة السلفية يفضحون ولا يزالون يفضحون ـ بفضل من الله تعالى ـ أساليب المبتدعة الخبيثة، وتزييفاتهم، في طمس معالم الدين،  لأنهم يحافظون على إحقاق الحق بالاستدلالات العلمية الباهرة الوارد ذكرها في الكتاب والسنة الصحيحة، ويقرِّبون فهم نصوص الوحي للناس ليفهموها كما فهمها السلف الصالح فهم ـ ولله الحمد ـ يبيِّنون حقيقة الدين الذي أوحاه الله لنبيه المصطفى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنهم وأتباعهم حزب الله حقاً.

وشتان بين أن يكون المرء في حزب الله زوراً وافتراءً عداءً (تقيةً) و (جهراً)، وبين أن يكون على الجادة سلفياً واضحاً حقاً.

فمحمد حسان فتَّان، ولقد افتتن به من افتتن من المترددين جبناً، وتقليداً، وتعصباً، وجهالة، انسياقاً، فهل يعامل محمد حسان معاملة ابن لادن في الانسياق نحوه بالعاطفة. أم أنه التعصب لأقوال صدرت.

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ: "أذكر جيداً أنه نُقل إلى بعض المشايخ ـ توفي رحمه الله ـ أنني أقول بعدم مشروعية تعدد الجماعة في المسجد الواحد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب، فلقيته يوماً أمام المسجد فبادرني قائلاً، أنت تقول: كذا وكذا؟ قلت: نعم، قال: كيف هذا؟ قلت: بهذا قال الأئمة، وأتيت له بكتاب "الأم" للإمام الشافعي (وهو شافعي المذهب) فلما قرأت عليه كلام الإمام، إذا به يقول: لا آخذ بكلام الإمام. قلت له: لماذا؟ قال: لأنه جاء بعد الإمام الشافعي أئمة درسوا أقواله، فوجدوا فيها الراجح والمرجوح فنحن نأخذ بما رجَّحوه.

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ فأحببت أن ألفت نظره إلى ما يتهموننا به، فقلت له: إذن في كلام الإمام الشافعي راجح ومرجوح، فيه صواب وفيه خطأ، فجاء من بعده فميَّز صوابه من خطئه؟!! فبهت الرجل بهذه المفاجئة ثم لف الموضوع وقال: نحن باجوريون لسنا شافعيون نحن باجوريون.

ثم قال شيخنا ـ رحمه الله ـ في ختام حديثه:

(34) "فهذه فارقة وفاصل هام بين السلفيين الذين يقدِّرون الأئمة، وبين مقلديهم الذين أيضاً يشاركونهم في تقدير الأئمة أيضاً ولكنهم ـ في اعتقادنا ـ يعطوهم مزية ما أعطاها الله ـ عز وجل ـ لأحد من البشر إلا لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ". انتهى قول شيخنا ـ رحمه الله ـ.

قال شيخنا ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ:

(35) "فلا تتحقق السلفية والسنية في أحد حتى يفارق أهل البدع والتحزب قلباً وقالباً، ويلتزم بما كان عليه السلف الصالح ظاهراً وباطناً، عقيدة ومنهجاً، قولاً وعملاً، عبادة وأخلاقاً، معاملة وسياسة".

قلت: وفي كلامه ـ حفظه الله ـ غاية قوية في بيان عِوار من انتسب إلى السلفية، لا يدرك معناها إلا من تضلَّع في الدعوة السلفية تضلُّعاً شمل كافة جوانبها، وقدَّر القائل والمقالة، فمن أراد أن يفصِل بين القلب والقالب، أو الظاهر والباطن، أو يفصِل بين العقيدة والمنهج، أو يفصِل بين القول والعمل، أو يفصِل بين المعاملة والسياسة، أو يفصِل بين العبادة والأخلاق، فإن الله ـ تعالى ـ له بالمرصاد.

ومن فضل الله ـ تعالى ـ وسنته في خلقه أن من تقدم إلى الصفوف الأولى للدعوة أن يمتحن امتحاناً شديداً عند كل نازلة أو فتنة تأتي، فمن كان عنده شيء من الفصل فيما تقدم ـ عامداً متعمداً ـ والله ـ تعالى ـ أعلم به، فصله العزيز الحكيم، لأن الله ـ تعالى ـ لا يجعل نصره إلا على أكتاف أوليائه الخلَّص، ولا يجعل في صفوفه إلا الصفوَة، وهكذا تبقى الدعوة السلفية منصورة ظاهرة نقية لأن الله ـ تعالى ـ أراد لها أن تكون في مظلة الابتلاء للنقاء في صفوفها، والظهور بالحق للناس، والنصر على الأعداء.

سئل الشيخ مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ: ما سر نجاح دعوة أهل السنة في بلاد اليمن؟ فقال:

(36) "التمايز".

وهكذا عندنا في فلسطين فنحن نتعرض هذه الأيام للابتلاء، وما ذِكر محمد حسان الفتَّان إلا زوبعة في فنجان تهدأ ـ إن شاء الله ـ بعد فترة من الزمان، فيكون التمايز، فلا يضر السلفي خذلان من اختار بمحض إرادته الخذلان.

قال محمد بن عبيد الغلابي:

(37) "يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة".

ولقد سبق محمد حسان الكثير ممن تسابق إلى الصفوف الأولى من الدعوة السلفية فسقطوا عند أول ابتلاء، والمتتبع لهؤلاء الساقطين في أقوالهم وأفعالهم يعلم علم السلفيين أنهم فصلوا بين  الظاهر والباطن، والعقيدة والمنهج، والقول والعمل، والعبادة والأخلاق، والمعاملة والسياسة. التي أشار إليها خبير العلماء إمام الجرح والتعديل شيخنا ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ.

وكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ إذا رأوا الشاب في أول أمره مع أهل السنة رجوه، وإن رأوه مع أهل البدع في ممشاه، ومجلسه، وصحبته، أيسوا من خيره ولم يرجوه.

فلا يجوز للسلفي أن يغترَّ بأفعال وأقوال المبتدعة، مهما زيَّنوا أو حسَّنوا من القول، بل عليه الرجوع إلى حكم العلماء الأكابر فيهم، وقد أشرت في مقالتي السابقة "مخارج للطلبة السلفيين من فتن اختلاف حكم العلماء في الرجال"، فعلى الطلبة الاجتهاد في اتخاذ الوسائل  الصحيحة للوصول إلى معرفة المصيب من العلماء في حكمه، ومن أهم هذه الوسائل النية الصالحة الخالصة لله للوصول إلى الحق، والتأدب مع العلماء في مخاطبتهم واحترامهم وتقديرهم، والبعد عن روغان الثعالب.