المنافقون والمبتدعة حمير تحمل أسفاراً
الثلاثاء | 19/10/2010 - 08:41 مساءً

المنافقون والمبتدعة حمير تحمل أسفاراً

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 11/11/1431 الموافق 19/10/2010

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

حدَّث عبد الله بن يزيد المقريء عن عبد الله بن لهيعة عن مِشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر الجهني ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

1- "لو جعل القرآن في إهاب، ثم ألقي في النار؛ ما احترق".["الصحيحة"(3562)]

الإهاب: الجلد من البقر، والغنم، والوحش، قبل أن يدبغ. وبعضهم يقول: الجلد مطلقاً، والحديث أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلاّم، حدثنا أبو الأسود المصري، عن ابن لهيعة به، وقال أبو عبيد ـ رحمه الله ـ:

2- "وجه هذا عندنا أن يكون أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعى القرآن".["فضائل القرآن" لأبي عبيد (14-1)]

والحديث أخرجه البيهقي في "الشعب" (2443) عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا ابن بكير عن عبد الله بن لهيعة به. وقال البوشنجي ـ رحمه الله ـ:

3- "يعني أن من حمل القرآن وقرأه لم تمسّه النار".

وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ:

4- "يعني : في جلد في قلب رجل، يرجى لمن القرآن في قلبه محفوظ أن لا تمسه النار".["الأسماء والصفات" للبيهقي (2/123)]

قال ابن قتيبة ـ رحمه الله ـ:

5- "سألت الأصمعي عن هذا الحديث فقال: يعني لو جعل القرآن في إنسان ثم ألقي في النار ما احترق، وأراد الأصمعي أن من علَّمه الله تعالى القرآن من المسلمين، وحفّظه إياه لم تحرقه النار يوم القيامة إن ألقي فيها بالذنوب، كما قال أبو أمامة:

6- "احفظوا القرآن ـ أو اقرءوا القرآن ـ، ولا تغرنَّكم هذه المصاحف فإن الله تعالى لا يعذب بالنار قلباً وعى القرآن".

وجعل الجسم ظرفا للقرآن كالإهاب، والإهاب: الجلد الذي لم يدبغ، ولو كان الإهاب يجوز أن يكون مدبوغاً ما جاز أن يجعله كناية عن الجسم".["تأويل مشكل القرآن"(ص:200)]

ونقل الإمام الطحاوي ـ رحمه الله ـ في "شرح المشكل"(906) هذا المعنى عن أهل العلم فقال:

7- "فإخبار النبي ـ عليه السلام ـ أمته بقوله هذا؛ أنَّ من كان معه القرآن منعه أن تعمل فيه النار ولو ألقي فيها، وكان مراده بالإهاب الإنسان الذي يكون معه القرآن، وأنه تعالى يقيه به من النار، كمثل ما وقى إبراهيم خليله ـ عليه السلام ـ لمكانه منه من عمل النار فيه، ومن قوله لها:

8- (..كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69) [الأنبياء] 

وقال الطيبي ـ رحمه الله ـ:

9- "أي ينبغي ويحق أن القرآن لو كان في مثل هذا الشيء الحقير ـ يعني الإهاب ـ الذي لا يؤبه به ويلقى في النار ما مسَّته النار، فكيف بالمؤمن الذي هو أكرم خلق الله، وقد وعاه في صدره وتفكر في معانيه، وعمل بما فيه، كيف تمسُّه النار فضلاً عن أن تحرقه".[نقله المناوي في "فيض القدير"]

وقال في "النهاية":

10- "من علَّمه اللّه القرآن لم تحرقْه نار الآخرة، فجُعِل جِسْم حافظ القرآن كالإهاب له".

فحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه لا تمسّه النار، وهذا شرف عظيم له، صرّح به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لأنه حمل القرآن على منهاج النبوة والسلف، فحمله إياه كان على الوسطية الحقَّة، فكان من أهل الله وخاصّته، قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ:

11- "وحملة القرآن هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه بما فيه، ومن أوثق عرى الإسلام البغض في الله والحب في الله".["التمهيد"(17/430)]

 

وسمي حاملاً للقرآن: لما تحمَّل في حفظه من الدرس والبحث، والمشقَّة في تفهّمه والعمل بأحكامه، وتدبّره، فهو كحامل لمشاق كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة، وقد آتاه الله تعالى بصيرة وحكمة ثواباً على هذا الحمل العظيم.

12- "والقرآن العظيم ذو المعاني الوفيرة الغزيرة. ثقيل في التكاليف، وتكاليفه فروض وأحــكام، لكنه خفيف على المؤمنين محبب إليهم. واعلم إذا خفف الله تعالى ثقل التكاليف على المؤمنين، من باب إعانته لهم، بحيث  تنشرح صدورهم ويحبون القيام بها، فهو يريد  لهم مضاعفة الأجر والثواب، بحيث يصير القول الحق الخفيف على لسانهم، ثقيلاً في ميزان حسناتهم".["التفسير السلفي للقرآن الكريم" (سورة المزمل)]

وهو خلاف من تحمّله من غير تدبّر ولا تفهم.

13- "فالقرآن العظيم ثقيل بحججه على الكفار، ثقيل بحججه على المنافقين، ثقيل بحججه على المبتدعة في الدين. لذلك فالكفار، والمنافقون، والمبتدعة، لما تركوا الإقبال على كتاب الله تدبُّراً وعملاً؛ ثقلت عليهم التكاليف، فتركوا الصلاة، وخاضوا مع الخائضين".["التفسير السلفي للقرآن الكريم" (سورة المزمل)]

وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم:

14- "فالغالي فيه: هو المتعمّق؛ حتى يخرجه ذلك إلى إكفار الناس، كنحو من مذهب الخوارج وأهل البدع، والجافي عنه: التارك له، وللعمل به، ولكن القصد من ذلك".["غريب الحديث"(4/376)] 

وقال في "النهاية":

15- "إنما قال ذلك لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها".

وقال القاري ـ رحمه الله ـ:

16- "وحاصله: أن كلاً من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جميع الأقوال والأفعال".["مرقاة المفاتيح"(14/262)]

فمن حمل القرآن وقرأه من غير أن يبتدع فيه، ومن غير أن يحمّل ألفاظه ومعانيه ما لم تحتمل أن النار لا تعمل فيه، كما تعمل في الفرق الضالة من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فهؤلاء وإن حمل أحدهم القرآن وقرأه فإنه شر من خنزير كما قال عبد الله بن يزيد المقريء ـ رحمه الله ـ:

17- "أن من جمع القرآن، ثم دخل النار، فهو شر من خنزير".

بل هو عندي أيضاً ـ والله ـ كلب من كلاب النار، وقد أطلت شرح وبيان ذلك في مقالة لي بعنوان:

18- "الخوارج في التديِّن .. إلى أين؟!!"[تاريخ 5/12/1430 الموافق 22/11/2009]

وعقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ الذي حدّث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه، هو الذي روى عن النبي ـ عليه السلام ـ:

19- " سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن".["صحيح الجامع"(3653)]

وفي رواية:

20- "كشربهم الماء".["الصحيحة"(1886)]

قال المناوي:

21- "أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه، بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة". 

وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:

22- "ثم يكون خلْف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم".["الصحيحة"(3034)]

وفي نص الحديث:

23- "ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر".["الصحيحة"(3034)]

قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ فقال:

24- "المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به".[قال الحاكم: "صحيح، رواته حجازيون وشاميون أثبات". ووافقه الذهبي]

وأخرج الهروي في "ذم الكلام" (164)، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" عن ميمون بن مهران قال:

25- "إن هذا القرآن خَلِقَ في صدور كثير من الناس، والتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإن ممن يتبع هذا العلم من يتخذه بضاعة يريد بها الدنيا، ومنهم من يريد أن يشار إليه، ومنهم من يماري به، وخيرهم الذي يتعلمه ليطيع الله به".

وشيخنا العلاّمة الألباني ـ رحمه الله ـ قال عقب تخريجه حديث عقبة:

26- "وإن مما لا شك فيه: أن المراد حامل القرآن وحافظه وتاليه لوجه الله تبارك وتعالى، لا يبتغي عليه جزاء ولا شكوراً إلا من الله عز وجل، وإلا كان كما قال أبو عبد الرحمن ـ وهو عبد الله بن يزيد المقريء ـ، وذكر قوله..".

والنار تعمل في المنافقين أسوأ مما تعمل في الفرق الضالة من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنهم يتعلَّمون القرآن ثم يجادلون به الذين آمنوا، فهم:

27- (.. فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ..(145) [النساء]

فعن عقبة بن عامر أيضاً قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:

28- "هَلاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكِتَابُ وَاللَّبَنُ؟ قَالَ: يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ فَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُحِبُّونَ اللَّبَنَ فَيَدَعُونَ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعَ وَيَبْدُونَ".[ومعنى يبدون: يسكنون البادية]

وفي رواية:

29- "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْكِتَابَ وَاللَّبَنَ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْكِتَابِ؟ قَالَ يَتَعَلَّمُهُ الْمُنَافِقُونَ ثُمَّ يُجَادِلُونَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا. فَقِيلَ وَمَا بَالُ اللَّبَنِ؟ قَالَ أُنَاسٌ يُحِبُّونَ اللَّبَنَ ( وفي رواية: فينتجعه أقوام لحبه ) فَيَخْرُجُونَ مِنْ الْجَمَاعَاتِ وَيَتْرُكُونَ الْجُمُعَاتِ". [أخرجه الإمام أحمد، وأبو القاسم في "فتوح مصر وأخبارها"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ"، وأبو يعلى في "مسنده"، والطبراني في "الكبير"، والهروي في "ذم الكلام وأهله" (206)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" وترجم له بقوله: باب فيمن تأول القرآن أو تدبره وهو جاهل بالسنة، وابن بطة في "الإبانة والرد على الجهمية" ، والطبري في "التفسير" عند قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ)، والحاكم في "المستدرك" وأورده شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2778) تحت عنوان: "هلاك من يفسر القرآن بغير السنة، ومن يؤثر الدنيا على الآخرة"]

قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ بعد أن بوَّب لهذا الحديث بقوله: الباب السابع والستون: فيمن تأول القرآن وتدبّرَه وهو جاهل بالسنة:

30- "أهل البدع أجمع أضربوا عن السنة، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا، ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة".

وقال شيخنا العلاّمة الألباني ـ رحمه الله ـ:

31- "ومن ضلالهم تغافلهم عن قوله تعالى في كتابه موجهاً إلى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

32- (..وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ..(44) [النحل]

فحامل القرآن على غير هدى كالحمار يحمل أسفاراً، فالمنافقون والمبتدعة على شتى أصنافهم حمير تحمل أسفاراً، وما أقبح هذا المثل مثلاً لهم لتلاعبهم بكتاب الله وترك العمل بما فيه. فلا حظّ لهم من الكتاب العزيز إلا الحَمل دون علم ولا فهم، وقد ذمَّ الله تعالى اليهود بقوله:

33- (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا..(5) [الجمعة]  

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

34- "شبَّههم ـ والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها ـ بالحمار يحمل كتباً، وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة".

وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز":

35- "وليس ذلك من الحمل على الظهر، وإن كان مشتقاً منه، وذكر تعالى أنهم (لَمْ يَحْمِلُوهَا) أي: لم يطيعوا أمرها ويقفوا عند حدها حين كذَّبوا بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ و"التوراة" تنطق بنبوته، فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل؛ كمثل حمار عليه أسفار فهي عنده والزبل وغير ذلك بمنزلة واحدة".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

36- "يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحمّلوها للعمل بها، فلم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتباً لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسياً، ولا يدري ما عليه. وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظاً ولم يفهموه،  ولا عملوا بمقتضاه، بل أوَّلوه وحرَّفوه وبدلوه، فهم أسوأ حالا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهمَ له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها".