الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون
الخميس | 28/10/2010 - 07:45 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 20/11/1431 الموافق 28/10/2010

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً قال:

1- "يا رسول الله! أنبي كان آدم؟

قال:

2- "نعم، معلَّم مُكلَّم".

قال:

3- "كم بينه وبين نوح؟

قال:

4- "عشرة قرون".

قال:

5- "كم كان بين نوح وإبراهيم؟

قال:

6- "عشرة قرون".

قال:

7- "يا رسول الله! كم كانت الرسل؟

قال:

8- "ثلاث مئة وخمسة عشر، جماً غفيراً".["الصحيحة"(3289)]

وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت:

9- "يا نبي الله! فأي الأنبياء كان أول؟

قال:

10- "آدم عليه السلام".

قال: قلت:

11- "يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟

قال:

12- "نعم، نبي مُكلَّم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم قِبَلاً".

قال: قلت:

13- "يا رسول الله! كم وفى عدد الأنبياء؟

قال:

14- "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جماً غفيراً".[أخرجه أحمد (5/265)]

وخلاصة القول أن آدم ـ عليه السلام ـ أول نبي وقد بلَّغ، ونوح ـ عليه السلام ـ أول رسول وقد بلَّغ. ولهذا كان كل ما يقوله النبي أو الرسول فهو حق، قال الله تعالى في سورة فاطر: 15- (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ(24) وقال في سورة الأنعام: 16- (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا..(130) وقال في سورة الصافات عن يونس: 17- (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ(147) وغيرها من الآيات. ومعلوم أن من مقتضيات نبوة آدم ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الهداية قال الله تعالى:

18- (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا..(58) [مريم]

وقال:

19- (..وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ..(87) [الأنعام]

والهداية ظاهرة فيما علَّمه الله لآدم وما علَّمه آدم بعد ذلك لأولاده، وما تناقلته ذريته جيلاً بعد جيل إلى عهد نوح ـ عليه السلام ـ.

ومن المؤكد أن هذا الإسلام هو الهداية التي أوحى الله بها إلى آدم وعلَّمها آدم لذريته. وهو ظاهر من كلام الله تعالى في سورة طه:

20- (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)  

وقال تعالى في سورة البقرة:

21- (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)

يتبين لنا أن الله تعالى قد هدى آدم قبل الهبوط إلى الأرض، وأنه وعد آدم وحواء وعداً مؤكداً بنون التوكيد الثقيلة أن يرسل إليهم هدى بعد هبوطهما إلى الأرض، فلا بد أن يتحقق الوعد.

قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

22- "وفي هذه الآيات دليل على أن الله بعد أن أخرج أبوينا من الجنة لا يرد إليها أحداً منا إلا بعد الابتلاء والامتحان بالتكاليف من الأوامر والنواهي".

ومن هذا الابتلاء ما وقع لهابيل وقابيل ابني آدم من صلبه. ومعلوم أيضاً أنه من مقتضيات نبوة آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ تبليغ الهدى الذي تلقاه من الله تعالى، ومن المؤكد أنه بلَّغه إلى أولاده وأحفاده الذين عاشوا على الإسلام.

والإنسان باستمرار بحاجة إلى الدلالة والإرشاد في حياته الدنيا لأنه في ابتلاء، وبحاجة إلى التذكير، قال الله تعالى:

23- (..أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ..(37) [فاطر]

فالله تعالى جعل الحساب والعقاب يوم القيامة مترتباً على وصول رسالته إلى الناس وليس على مجرد الفطرة، أو تعليم الأسماء فحسب كما حصل لآدم أولاً قبل أن يبتلى بالشجرة، أو أن يستقل العقل بالنظر.

فلما ضل الناس عن التوحيد، وعن معرفة الله تعالى، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً، أرسل الله تعالى نوحاً، فكان نوح ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول نبي أرسل، فعن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

24- "أول نبي أرسل نوح".["الصحيحة"(1289)]

وله شاهد قوي عن أبي هريرة مرفوعاً في حديث الشفاعة الطويل وفيه:

25- "فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض".[أخرجه مسلم، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح]

وقال تعالى في سورة الأعراف:

26- (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(59)

وباشر نوح ـ عقب إرساله ـ بالقيام بمهمات رسالته، شأنه شأن كل الأنبياء والرسل، فماذا كان جواب قومه؟

27- (قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(60)

وماذا كان ردَّه عليهم:

28- (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(63)

وماذا كانت النتيجة؟

29- (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ(64)

يشير مضمون هذه النتيجة إلى أن المكذبين بما جاء به الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عصره، وأمثالهم من بعدهم، عرضة لإنزال الإهلاك بهم إذا أصروا على التكذيب، كما أهلك الله عز وجل قوم نوح من قبل فذلك من سنن الله في عباده. وتكذيب الرسل بدأ بقوم نوح وليس بقوم آدم، قال الله تعالى في سورة الشعراء:

30- (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ(105)

وقال في سورة القمر:

31- (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9)

وغيرها.

ولخص نوح موقف قومه من دعوته بقوله:

32- (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسَارًا(21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا(22) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23) [نوح]

جاء في صحيح البخاري (8/543) عن ابن عباس:

33- "أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عبدت".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

34- "وكذلك المشركون من أهل الكتاب ومن مبتدعة هذه الأمة وضلالها هذا غاية شركهم".["مجموع الفتاوى"(17/455)]

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

35- "وإنما المقصود أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم، وهم المقصودون. ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب: إما الشمس وإما القمر وإما غيرهما، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم ـ والله أعلم ـ كان من هذا أو كان بعضه من هذا، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك، وشرك العرب كان أعظمه الأول، وكان فيه من الجميع. وكذلك والله أعلم شرك قوم نوح، وإن كان مبدؤه من عبادة الصالحين، فالشيطان يجر الناس من هذا إلى غيره؛ لكن هذا أقرب إلى الناس؛ لأنهم يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه، فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك منه، فتارة يسألونه، وتارة يسألون الله به، وتارة يصلون ويدعون عند قبره ظانين أن الصلاة والدعاء عند قبره أفضل منه في المساجد والبيوت.

ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الباب، كما سد باب الشرك بالكواكب، ففي صحيح مسلم عن جُنْدَبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ:

36- "إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ".

وفي الصحيحين عنه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال:

37- "إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وعنه أنه قال وهو في مرض موته:

38- "قَاتَلَ اللَّهُ (وفي رواية: لعن الله) الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".["في الصحيحين، وأخرجه أبو داود، والنسائي]

قالت عائشة:

39- "ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً".

قال علي القاري ـ رحمه الله ـ في "المرقاة"(1/456):

40- "سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظراً منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي؛ لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قال بعض الشرّاح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية:

41- "يحذِّر ما صنعوا".[في الصحيحين من قول عائشة وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ]

وفي مسند أحمد وصحيح ابن أبي حاتم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ:

42- "أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".

وفي موطأ الإمام مالك أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

43- "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".

وغيرها من الأحاديث.

وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ:

44- "أَلا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَهُ وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاً سَوَّيْتَهُ".

وحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي حَبِيبٌ بِهَذَا الإسْنَادِ وَقَالَ:

45- "وَلا صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا".

فأمره بمحو التمثالين: الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره. فإن الشرك يحصل بهذا، وبهذا".["مجموع الفتاوى"(17/321 ـ 460)]

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

46- "إن كل من يتأمل في تلك الأحاديث الكريمة يظهر له بصورة لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور حرام، بل كبيرة من الكبائر؛ لأن اللعن الوارد فيها، ووصف المخالفين بأنهم من شرار الخلق عند الله تبارك وتعالى، لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى".

وقال:

47- "وقد اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك ومنهم من صرح بأنه كبيرة".

وبعد أن نقل التفصيل في المذاهب قال:

48- "فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة، من تحريم بناء المساجد على القبور. وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك أعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم، ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقد سئل رحمه الله بما نصه:

 49- "هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا ؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط ؟ فأجاب:

 50- "الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال:

 51- "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك" .

وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غيّر إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديداً، وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد، وإما تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه". ["تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد"(ص:45- 62]

ولا يعني أن آدم لم يكن نبياً مبلِّغاً، فالله تعالى نص على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل فقال تعالى في سورة الحج:

52- (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..(52)

والنبي يوحى إليه شيء يوجب على قومه أمراً، وهذا لا يكون إلا مع وجوب التبليغ، ولا أدل على ذلك من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

53- "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم..الحديث".["الصحيحة"(241)]

قال شيخنا الإمام الألباني عقب الحديث:

54- "وفي الحديث فوائد كثيرة، من أهمها أن النبي يجب عليه أن يدعو أمته إلى الخير ويدلهم عليه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، ففيه رد صريح على ما ذكر في بعض كتب الكلام أن النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ".

ثم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

55- "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد..الحديث". [أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي]

وعن أنس قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

56- "ما صدّق نبي من الأنبياء ما صدّقت، إن من الأنبياء من لم يصدّقه من أمته إلا رجل واحد".["الصحيحة"(397)]

فدلت هذه الأحاديث على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ وأنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم.