الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون- الفصل الثاني-
الجمعة | 29/10/2010 - 08:42 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 21/11/1431 الموافق 29/10/2010

قال الله تعالى:

57- (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا..(19) [يونس]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

58- "متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

59- "أي على الدين الحنيف، حتى كفر قوم نوح".

وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ:

60- "على الفطرة التي فطر الله الناس عليها متوجهين إلى التوحيد متنورين بنور الهداية الأصلية، (فَاخْتَلَفُوا) بأن كفر بعضهم وثبت الآخرون على ما هم عليه، فخالف كل من الفريقين الآخر".

وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

61- "وهذا يدل أنه لما اختلفت بنو آدم بعث الله النبيين، واختلافهم كان قبل المسيح بل قبل موسى بل قبل الخليل بل قبل نوح".["الجواب الصحيح"(2/258)]

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

62- "والمقصود: أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين كفاراً ومؤمنين فكادهم بعبادة الأصنام وإنكار البعث وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور وتصاوير أهلها ليتذكروهم بها".["إغاثة اللهفان"(2/204)]

وقال الشيخ جمال الدين القاسمي ـ رحمه الله ـ:

63- "( فَاخْتَلَفُوا) باتباع الهوى وعبادة الأصنام، فالشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة صرفاً للناس عن وجهة التوحيد، ولذلك بعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة ليهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيى من حيَّ عن بينة".

فبناء المساجد على القبور، أو إدخال القبر في المسجد، حرام لأن المحذور واحد، وهو ابتداع خطير في الدين يؤدي بالأمة إلى الاختلاف والتفرق كما حصل في أهل الكتاب. وهو من فعل المبتدعة وأصحاب الأهواء ومن صدَّ عن دين الحق، وهو أيضاً من فعل أهل الغلبة على الأمور؛ الجهلة بالدين، وليس هو من قول أهل العلم ولا من فعلهم.

ومما هو ابتداع خطير في الدين ويؤدي إلى الاختلاف والتفرق اتخاذ آثار الأنبياء بيعاً، لذا كان الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ ومن تبعهم بإحسان ينكرونه أشد الإنكار سداً للذريعة وخشية الغلو المؤدي إلى الشرك بالله تعالى، ويتأكد خطورة الابتداع عند انطفاء العلم ومعاداة أهله، وكثرة الجهل، وقلة الناصحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

وتحت عنوان مفاسد التعلق بالقبور يقول الشيخ محيي الدين محمد البروكي الرومي ـ رحمه الله ـ:

64- "ومنها السفر إليها ـ يعني القبور ـ مع التعب الأليم والإثم العظيم؛ فإن جمهور العلماء قالوا: السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول رب العالمين، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك قربة وطاعة فقد خالف السنة والإجماع، ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد لكان عمله حراماً؛ فصار التحريم من جهة اتخاذه السفر قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك، وقد ثبت في الصحيحين أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال:

65- "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". ["زيارة القبور الشرعية والشركية"(ص:28)]

ويفعل شد الرحال المبتدع في بلادنا فلسطين إلى المقبرة التي تدعى بـ (المسجد الإبراهيمي!) في مدينة الخليل!، وكذلك شد الرحال إلى ما يسمى بمقام موسى في أريحا، أو مقام النبي صالح، ومقام النبي صموئيل، ومقام النبي روبين، ومقام النبي يوسف، وأخيراً مقام شهاب الدين في الناصرة، وغيرها من مقامات زرعت بفعل الضلاّل في الأرض المقدسة. فإلى الله المشتكى مما وقع ويقع على الأرض المقدسة من شرك وتضليل.

ففيما تقدم من بلاغ آدم ـ عليه السلام ـ رد على الفلاسفة والملاحدة أن الأصل في الناس الشرك، ثم أنهم بعد ذلك عرفوا التوحيد!!! فمن أقوالهم ـ قاتلهم الله ـ: أن الإنسان قد اهتدى إلى ضرورة الدين بعقله، ثم ظل هذا العقل في ارتقاء إلى أن وصل إلى التوحيد!!!

وفي السورة قال تعالى:

66- (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ..(47)

ثم ذكر الله تعالى في السورة نوح فقال:

67- (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(72)

فقول نوح ـ عليه السلام ـ:(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بيان أن دين الأنبياء واحد، وأن الناس كانوا بعد آدم ـ عليه السلام ـ وقبل نوح ـ عليه السلام ـ على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر ـ عليه السلام ـ.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

68- "حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتاباً ولا أرسل بها رسولاً؛ بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة، والفلسفة الحائدة. قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية، والدرجات الفلكية، والأرواح العلوية. وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين. وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين، وقوم على مذاهب أخر".

وقال:

69- "وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون، وعن سبيل الهدى ناكبون. فابتعث الله نبيه نوحاً ـ عليه السلام ـ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه؛ وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليقربوا بهم إلى الله زلفى، ويتخذونهم شفعاء. فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلما أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن دعا عليهم، فأغرق الله تعالى أهل الأرض بدعوته، وجاءت الرسل بعده تترى. إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين؛ لما كانت النماردة والفراعنة ملوك الأرض شرقاً وغرباً فبعث الله تعالى إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية؛ إبراهيم ـ خليل الرحمن ـ فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص، ونهاهم عن عبادة الكواكب والاصنام".["مجموع الفتاوى"(28/463)]

وعلى الرغم من تحذيرات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته مثل الذي صنع أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ، سابق المسلمون الجهلة أهل الكتاب للاستحواذ على الأنصاب والمساجد المبنية على القبور والتقرب إلى الله بالشرك.

ودعم هذا السباق المحموم المستغرب !! وزراء أوقاف ! وهيئات إسلامية ! ومشايخ باعوا دينهم بدنيا غيرهم !! كلهم علماء سوء، جاءوا يلبّسون على الناس دينهم، بحجة أن هذه المقامات رموز للأنبياء والمرسلين !! وقولهم: أنها أملاك وقفية إسلامية وأماكن عبادة للمسلمين!! وأن صلاح الدين الأيوبي أنشأها ـ في فلسطين مثلاً ـ لأهداف دينية ولحماية المواطنين من غزوات الافرنجة !! ويبادرون الحمقى الواحد تلو الآخر ـ إلى يومنا هذا ـ للصلاة فيها إمعاناً في تضليل الناس!

سبحان الله العظيم، ومتى كان إنشاء رموز المقامات حماية، أنسعى لمثل هذا التراث التضليلي بزعم المحافظة على الكيان القومي!!

ومتى كان اتباع صلاح الدين فيما يزعم ديناً، وتركنا الإسلام دين الله؛ ودين أنبيائه ورسله؟ ومعلوم أن الأنبياء والرسل دعوا الناس أولاً إلى: توحيد الله وإزالة الشرك: أنواعه وأسبابه. لكن ينافس هؤلاء الجهال السوء في تعبدِّهم الله ـ زعموا ـ!! وثنية اليهود والنصارى بزعم حماية التراث والحفاظ على الأرض، وأنها مساجد!!، والله تعالى يقول:

70- (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) [الجن]

 فإلى الله المشتكى. فهذا هو منشأ الاختلاف بيننا، وبين هؤلاء السوء أهل الباطل، قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

71- "وإن مما يأسف له كل مسلم طاهر القلب أن يجد كثيراً من المسلمين وقعوا في مخالفة شريعة سيد المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي جاءت بالابتعاد عن كل ما يخدج بالتوحيد، ثم يزداد أسفاً حين يرى قليلاً أو كثيراً من المشايخ يقرونهم على تلك المخالفة، بدعوى نياتهم الطيبة! ويشهد الله أن كثيراً منهم قد فسدت نياتهم، وران عليها الشرك بسبب سكوت أمثال هؤلاء المشايخ، بل تسويغهم كل ما يرونه من مظاهر الشرك بتلك الدعوى الباطلة".

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

72- "ذلك لأن هؤلاء المشايخ إما إنهم مثلهم في الضلال وفاقد الشيء لا يعطيه! وإما أنهم يدارونهم، بل يداهنونهم كي لا يوصموا ببعض الوصمات التي تقضي على وظائفهم ومعاشاتهم!

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

73- "يا حسرة على هؤلاء المسلمين، لقد كان المفروض فيهم أن يكونوا دعاة لجميع الناس إلى دين التوحيد، وسببا لإنقاذهم من الوثنية وأدرانها، ولكنهم بسبب جهلهم بدينهم واتباعهم أهواءهم عادوا مضرب مثل للوثنية من قبل المشركين أنفسهم فصاروا يصفونهم بأنهم كاليهود في بنائهم المساجد على القبور!! ["تحذير الساجد"(ص:143-146)]

وقال ـ رحمه الله ـ تحت عنوان:

74- "الحكم السابق يشمل جميع المساجد إلا المسجد النبوي".

75- "ثم اعلم أن الحكم السابق يشمل كل المساجد كبيرها وصغيرها قديمها وحديثها لعموم الأدلة، فلا يستثنى من ذلك مسجد فيه قبر إلا المسجد النبوي الشريف، لأن له فضيلة خاصة لا توجد في شيء من المساجد المبنية على القبور، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:

76- "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، فإنه أفضل". [أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما]

ولقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

77- "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".[رواه البخاري ومسلم وغيرهما]

ولغير ذلك من الفضائل. فلو قيل بكراهة الصلاة فيه كان ذلك مساواته مع غيره من المساجد ورفع هذه الفضائل. وهذا لا يجوز كما هو ظاهر".["تحذير الساجد"(ص:178-182)]

قلت: وكذلك الحال في المسجد الأقصى الذي دفن فيه عدد من الأموات، شغلت قبورها غرفاً كان الأولى أن تكون للعبادة كما كانت من قبل.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ في رسالته إلى عالم من أهل المدينة:

78- "وإن سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك، ولا في شيء من المحرمات، الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين، والذي عندهم شين هو عندنا شين".

إلى أن قال ـ رحمه الله ـ:

79- "والذي قلب الناس علينا الذي قلبهم على سيد ولد آدم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقلبهم على الرسل من قبله

80- (..كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ..(44) [المؤمنون]

ومثل ما قال ورقة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي".["الرسالة السابعة"]

وقال ـ رحمه الله ـ:

81- "فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفّرونا، وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم".["الرسالة السابعة عشرة"]

فالحاصل أن دين الأنبياء واحد، وأن الذي دعا إليه آدم، هو الذي دعا إليه نوح، ومن ثم هو الذي دعا إليه إبراهيم ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ومن ثم هو الذي دعا إليه سائر الأنبياء والرسل، قال الله تعالى:

82- (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132)أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133)