الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الرابع-
السبت | 30/10/2010 - 07:14 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 22/11/1431 الموافق 30/10/2010

وقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) نقل البقاعي عن الحرالي قوله:

120- "ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له الحجة البالغة".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

121- "وأن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف".["مجموع الفتاوى"(16/365-366)]

وقال:

122- "ومن أعظم الاختلاف الاختلاف في المسائل العلمية الخبرية المتعلقة بالإيمان بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يكون الكتاب حاكماً بين الناس فيما اختلفوا فيه من ذلك".["المجموع"(17/304)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

123- "ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد؛ فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم: أن أرسل إليهم رسـله؛ وأنزل عليهم كتبه؛ وبين لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم؛ بل أشر حالاً منها، فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالاً من الكلب والخنزير والحيوان البهيم".["مجموع الفتاوى"(19/70)]

وقول الله تعالى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) قال أبي بن كعب:

124- "فهداهم الله عند الاختلاف، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف. أقاموا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، و اعتزلوا الاختلاف، فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة. كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم هود، و قوم صالح، وقوم شعيب، وال فرعون، إن رسلهم قد بلغتهم وأنهم كذَّبوا رسلهم، وهي في قراءة أبي بن كعب: (وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يوم القيامة(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فكان أبو العالية يقول:

125- "في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن".[أخرجه الطبري، وابن أبي حاتم]

قال الشاطبي:

126- "فأخبر في الآية أنهم اختلفوا ولم يتفقوا، فبعث النبيين ليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه من الحق، وأن الذين آمنوا هداهم للحق من ذلك الاختلاف".["الاعتصام"(ص:451)]

وقال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

127- "المراد بالهداية هنا: هداية التوفيق المسبوقة بهداية العلم والإرشاد؛ لأن الجميع قد جاءتهم الرسل بالكتب، وبيَّنت لهم؛ لكن لم يوفق منهم إلا من هداهم الله".

وقال الإمام البربهاري ـ رحمه الله ـ في "شرح السنة" (الفقرة (103):  

128- "واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) فاستثناهم فقال: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

129- "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون".[حديث أخرجه الشيخان وغيرهما]

وفي مقالة لي بعنوان:

130- "لا يضرهم من خذلهم".[تاريخ 5/5/1429 الموافق 10/5/2008)]

نقلت فيها قول ابن رجب ـ رحمه الله ـ:

131- "وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون، متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ثم عمل الشيطان مكائده على المسلمين، وألقى بأسهم بينهم، وأفشى فيهم فتنة الشبهات والشهوات، ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئاً فشيئاً حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق. فمنهم من ضل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوقوعه".

وقال ـ رحمه الله ـ:

132- "فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين، أو أحدهما أصبحوا متقاطعين، متباغضين، بعد أن كانوا إخواناً متحابين، متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمَّت غالب الخلق، ففتنوا بالدنيا وزهرتها، وصارت غاية قصدهم؛ لها يطلبون، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك، وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعاً، وكفَّر بعضهم بعضاً، وأصبحوا أعداء وفرقاً وأحزاباً، بعد أن كانوا إخواناً قلوبهم على قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق كلها إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي ..الحديث".["كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة" ـ ابن رجب الحنبلي ـ (ص:40-41)]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

133- "فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق:

1- الطائفة المنصورة وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين.

2- والطائفة المخالفة وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام.

3- والطائفة المخذِّلة وهم القاعدون عن جهادهم وان كانوا صحيحي الإسلام، فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة، أم من الخاذلة، أم من المخالفة فما بقى قسم رابع".["الفتاوى"(28/417)] وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

134- "والاختلاف المذموم كثيراً ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به بل يجحده إياه، بغياً ومنافسة فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين، بخلاف أهل الحق فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به فيأخذون حق جميع الطوائف، ويردّون باطلهم فهؤلاء الذين قال الله فيهم: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ["الصواعق المرسلة"(2/515)]

واعلم أن الطائفة المنصورة هي الجماعة، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

135- "أن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله".["ظلال الجنة"(2)]

وقال ابن تيمية:

136- "وأهل الضلال، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، هم كما قال مجاهد:

137- "أهل البدع والشبهات؛ يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل، كما قال فيهم الإمام أحمد:

138- "هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يحتجون بالمتشابه من الكلام، ويضلون الناس بما يشبهون عليهم".["المجموع"(2/121)]

وقال:

139- "وأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم فمثل أن يؤمن هؤلاء ببعض دون بعض، وهؤلاء ببعض دون بعض، كاختلاف اليهود والنصارى كاختلاف الثنتين وسبعين فرقة، وهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى:

140- (..وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ..(119) [هود]

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

141- "وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال:

142- "أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافاً يضرهم".

يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها بقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، ومع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتى فيه بأصل يرجع إليه، وهو قول الله تعالى:

143- (..فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ..(59) [النساء]

فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وذلك رده إليه إذا كان حياً وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء ـ رضي الله عنهم ـ".["الاعتصام"(ص:452)]وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

144- "فَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لا يَخْتَلِفُونَ، وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ هُمْ أَتْبَاعُ الأنْبِيَاءِ قَوْلاً وَفِعْلاً وَهُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ ـ يعني الطائفة المنصورة ـ فَمَنْ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ فَاتَهُ مِنْ الرَّحْمَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ الْفَلاسِفَةُ أَبْعَدَ عَنْ اتِّبَاعِ الأنْبِيَاءِ كَانُوا أَعْظَمَ اخْتِلافًا، وَالْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّوَافِضُ لَمَّا كَانُوا أَيْضًا أَبْعَدَ عَنْ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ كَانُوا أَعْظَمَ افْتِرَاقًا".["مجموع الفتاوى"(4/52)]

وقال:

145- "وَأَيْضًا الْمُخَالِفُونَ لأهْلِ الْحَدِيثِ هُمْ مَظِنَّةُ فَسَادِ الأعْمَالِ: إمَّا عَنْ سَوْءِ عَقِيدَةٍ وَنِفَاقٍ، وَإِمَّا عَنْ مَرَضٍ فِي الْقَلْبِ وَضَعْفِ إيمَانٍ.

فَفِيهِمْ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَاعْتِدَاءِ الْحُدُودِ وَالاسْتِخْفَافِ بِالْحُقُوقِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَعَامَّةُ شُيُوخِهِمْ يُرْمَوْنَ بِالْعَظَائِمِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِزُهْدِ وَعِبَادَةٍ فَفِي زُهْدِ بَعْضِ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعِبَادَتِهِ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِمَّا هُوَ فِيهِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعِلْمَ أَصْلُ الْعَمَلِ وَصِحَّةُ الأصُولِ تُوجِبُ صِحَّةَ الْفُرُوعِ، وَالرَّجُلُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ فَسَادُ الْعَمَلِ إلاَّ لِشَيْئَيْنِ: إمَّا الْحَاجَةُ؛ وَإِمَّا الْجَهْلُ فَأَمَّا الْعَالِمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ الْغَنِيُّ عَنْهُ فَلا يَفْعَلُهُ اللَّهُمَّ إلاَّ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَقْلَهُ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الْمَعَاصِي فَذَاكَ لَوْنٌ آخَرُ وَضَرْبٌ ثَانٍ".["المجموع"(4/53)]

وقال تعالى:

146- (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ..(93) [يونس]

قال الشيخ العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:

147- "فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات، والأدلة القاطعات، فضلوا بذلك ضلالاً بعيداً".

وقال:

148- "وهذا هو الداء، الذي يعرض لأهل الدين الصحيح، وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين. وإلا فإذا كان ربهم واحدًا، ورسولهم واحدًا، ودينهم واحدًا، ومصالحهم العامة متفقة، فلأي شيء يختلفون اختلافًا يفرق شملهم، ويشتت أمرهم، ويحل رابطتهم ونظامهم، فيفوت من مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت، ويموت من دينهم، بسبب ذلك ما يموت؟ فنسألك اللهم، لطفًا بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم ويرأب صدعهم، ويرد قاصيهم على دانيهم، يا ذا الجلال والإكرام".

وقال الإمام البربهاري ـ رحمه الله ـ:

149- "واعلم أنه لم تجيء زندقة قط إلا من الهمج الرِّعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا، فلا دين له، قال الله عز وجل:

150- (..فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..(17) [الجاثية]

وهم علماء السوء أصحاب الطمع والبدع".["شرح السنة"(فقرة: (101)]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

151- "فهؤلاء المختلفون بالتأويل بعد مجيء الكتاب كلهم مذمومون، والحامل لهم على التفرق والاختلاف البغي وسوء القصد،.... وهذا النوع وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف، وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين".["الصواعق المرسلة"(2/513) بتصرف]

وأخطر ما يدخله المختلفون على الأمة ـ أو يمهدون لإدخاله ـ الشرك والإلحاد والزندقة،  سواء كان هذا منهم بقصد أو بغير قصد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

152- "مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ أَوْ الْحَدِيثَ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ التَّفْسِيرِ الْمَعْرُوفِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ مُلْحِدٌ فِي آيَاتِ اللَّهِ مُحَرِّفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَهَذَا فَتْحٌ لِبَابِ الزَّنْدَقَةِ وَالإلْحَادِ وَهُوَ مَعْلُومُ الْبُطْلانِ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإسلام".["المجموع"(13/243)]

قال الشيخ السعدي:

153- "حتى جاءهم العلم الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعض، وصار لكثير منهم أهوية وأغراض تخالف الحق، فحصل بينهم من الاختلاف شيء كثير".

فكان من الواجب على بني إسرائيل المحافظة على ما أنعم الله عليهم، ومن أحسن هذه النعم المباركة التي وهبها الله لهم السكنى في الأرض المقدسة، وعبادة الله في المسجد الأقصى، وكان من الواجب عليهم ذكر امتنان الله عليهم بما رزقهم من الطيبات، لكنهم اختلفوا بسبب ما أدخلوه على العلم والتوراة من البدع والأهواء والتأويلات الفاسدة، فصاروا أحزاباً وجماعات متفرقة ضالة ومضلَّة، فبدل أن يستعملوا العلم الشرعي الصحيح المنصوص عليه في التوراة في الحق والخير، استعملوه وسيلة للاختلاف فابتعدوا عن الصراط المستقيم.  وهذا هو الذي أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:

154- "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى و سبعين فرقة و إن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي : الجماعة".["صحيح الجامع"(2042)]

وقد تقدم نحوه، وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

155- "فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم، وهذا حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم فيبغى بعضهم على بعض، ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغى على الآخر فيكذب بما معه من الحق مع علمه أنه حق، ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم أنه باطل، وهؤلاء كلهم مذمومون ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومين في الكتاب والسنة فإنه ما منهم إلا من خالف حقاً واتبع باطلاً، ولهذا أمر الله الرسل أن تدعوا إلى دين واحد وهو دين الإسلام، ولا يتفرقوا فيه وهو دين الأولين والآخرين من الرسل وأتباعهم، قال تعالى:

156- (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ..(13) [الشورى]

وقال في سورة المؤمنون:

157- (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)

أي كتباً، اتبع كل قوم كتاباً مبتدعاً غير كتاب الله، فصاروا متفرقين مختلفين لأن أهل التفرق والاختلاف ليسوا على الحنيفية المحضة التي هي الإسلام المحض الذي هو إخلاص الدين لله الذي ذكره الله في قوله في سورة البينة:

158- (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) ["منهاج السنة النبوية"(5/184)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

159- "فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْزَمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَالسَّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الأمَّةُ وَتَفَرَّقَتْ فِيهِ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَإِلاَّ اسْتَمْسَكَ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالإجْمَاعِ، وَأَعْرَضَ عَنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا فَإِنَّ مَوَاضِعَ التَّفَرُّقِ وَالاخْتِلافِ عَامَّتَهَا تَصْدُرُ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى".["الفتاوى الكبرى"(6/463)]