الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الخامس-
الأحد | 31/10/2010 - 09:24 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 23/11/1431 الموافق 31/10/2010

وقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) قال الآجري ـ رحمه الله ـ:

160- "فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علماً، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا".["الشريعة"(1/278)]

وعن الربيع قوله:

161- "يقول: بغياً على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس! فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض".[أخرجه الطبري]

وقال القرطبي:

162- "وقيل: (إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) نبوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاختلفوا فيها. (بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي: حسداً على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ قال معناه الضحاك. وقيل: معنى (بَغْياً) أي: بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

163- "فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقاً".

وكان اختلافهم في الحق بعد أن قامت عليهم الحجج، لكنه التحاسد والبغي. وقال ابن تيمية في "المجموع"(35/326):

164- "فبين سبحانه وتعالى أنه هداهم وبين لهم الحق لكن بعضهم يبغي على بعض مع معرفته بالحق فيتبع هواه ويخالف أمر الله، وهو الذي يعرف الحق ويزيغ عنه كما قال تعالى:

165- (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) [الأعراف]

وقال ـ رحمه الله ـ:

166- "وذلك يقتضي أن الله هدى الذين آمنوا بعد اختلاف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم لما اختلفوا فيه من الحق، وهذا ذم لمن أوتوا الكتاب فاختلفوا".["الجواب الصحيح"(2/259)]

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

167- "ومن فوائد الآية: أن أولئك الذين اختلفوا في الشرع كانوا قد أوتوا الكتاب؛ ويتفرع على هذه الفائدة أن الحجة قد قامت عليهم؛ ومن فوائد الآية: كمال التوبيخ واللوم على هؤلاء ما هو ظاهر؛ لأنه كان الواجب، والأحرى بهؤلاء الذين أوتوه ألا يختلفوا فيه؛ بل يتفقوا عليه؛ لكنهم اختلفوا فيه مع تفضل الله عليهم بإيتائه؛ ومنها: بيان ضعف ما يروى عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "اختلاف أمتي رحمة"؛ فالاختلاف ليس برحمة؛ نعم، دخول المختلفين تحت عفو الله رحمة إذا اجتهدوا، حيث إن الله عزّ وجلّ لم يعذب المخطئ؛ فالمختلفون تسعهم الرحمة إذا كانوا مجتهدين؛ لأن من اجتهد فأصاب فله أجران؛ ومن اجتهد فأخطأ فله أجر؛ أما أن نقول: «إن الخلاف بين الأمة رحمة» فلا. ومنها: أن فعل الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات إنما كان ذلك بغياً منهم؛ فالذين اختلفوا في محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اليهود والنصارى إنما كان اختلافهم بغياً وعدواناً؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ وكذلك الذين اختلفوا في محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قريش كان كفرهم بغياً وعدواناً. ومنها: أن كل مخالف للحق بعد ما تبين له فهو باغٍ ضال ـ وإن قال: أنا لا أريد البغي، ولا أريد العدوان ـ. ومنها: أنه متى تبين الحق وجب اتباعه ـ ولو كان قد قال بخلافه من قبل ـ؛ فيدور مع الحق حيث دار. ومنها: رحمة الله عزّ وجلّ بالمؤمنين؛ ومنها: أن الإيمان سبب للهداية للحق. ومنها: أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق؛ لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان؛ وما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه؛ ولهذا كان الصحابة أقرب إلى الحق ممن بعدهم لا في التفسير، ولا في أحكام أفعال المكلفين، ولا في العقائد أيضاً؛ لأن الهداية للحق علقت بالإيمان؛ ولا شك أن الصحابة أقوى الناس إيماناً؛ قال الرسول ـ صلى الله عليـه وسلم ـ:

168- "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".["الصحيحة"(699)]

ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء الذي هداه الله ألا يعجب بنفسه، وألا يظن أن ذلك من حوله، وقوته؛ ومنها: الإيماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الهداية من الله؛ ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ ومنها: أن أفعال العباد واقعة بإرادة الله وخلقه. ومنها: أن إذن الله نوعان: كوني، وشرعي؛ ومنها: إثبات مشيئة الله في أفعال العباد؛ ومنها: أن كل ما سوى الشرع فهو طريق معوج؛ ومنها: أن الشرع لا ضيق فيه، ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صراط واسع، ومستقيم. ومنها: الإشارة إلى الطرق الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في سورة الفاتحة؛ وهي طريق الذين أنعم الله عليهم؛ وطريق المغضوب عليهم؛ وطريق الضالين؛ الذين أنعم الله عليهم: هم الرسل، وأتباعهم؛ والمغضوب عليهم: اليهود، وأمثالهم؛ والضالون: النصارى، وأمثالهم؛ وهذا بالنسبة للنصارى قبل أن يبعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ أما لما بعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم كاليهود بالنسبة لدين المسيح؛ لأن اليهود كانوا مغضوباً عليهم، حيث جاءهم عيسى فكذبوه بعد أن علموا الحق؛ وبعد ما بعث عيسى واتبعه النصارى وطال الأمد، ابتدعوا ما ابتدعوا من الدين، فضلُّوا؛ فصاروا ضالين؛ لكن لما بعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذبوه، وأنكروه؛ فصاروا من المغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق، وخالفوه".انتهى

وعن أبي هريرة مرفوعاً:

169- "وإذا حسدتم فلا تبغوا".["الصحيحة"(3942)]

فتبيَّن أن البغي أخص من الحسد، لأنه بمعنى العدوان، وهو من صفات اليهود والنصارى، فهؤلاء وأمثالهم حين جاءتهم البيِّنات وعرفوا الحق وأهله فبدل أن يزدادوا خيراً من خلال التمسك فيه، ومحبة أهله، والعمل على نصرته ونصرتهم، انقلبوا ـ والعياذ بالله ـ سباع متوحشة من أجل التخلص منه وممن يحمله، وتمنّوا زواله وزوال من أنعم الله عليه باتباع الحق ونصرة دين الله، بل حرَّضوا غيرهم على محاربته والإجهاض عليه بما أوتوا من قوَّة، فأي ظلم أكبر من هذا؟!!

قال الحرالي:

170- "والبغي إعمال الحسد بالقول والفعل. فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه، فلذلك عذرت فيه؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها كانت باغية".

وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:171- "ثم غطى الحسد على أقوام فتركوا الحق وقد عرفوه.

فأمية بن أبي الصلت يقر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقصده ليؤمن به، ثم يعود فيقول: لا أؤمن برسول ليس من ثقيف.

وأبو جهل يقول: والله ما كذب محمد قط، ولكن إذا كانت السدانة والحجابة في بني هاشم ثم النبوة فما بقي لنا ؟

وأبو طالب يرى المعجزات ويقول: إني لأعلم أنك على الحق ولولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك.

فنعوذ بالله من ظلمة حسد، وغيابة كبر، وحماقة هوى يغطي على نور العقل. ونسأله إلهام الرشد، والعمل بمقتضى الحق".["صيد الخاطر"(ص:104)]

قال الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ:

172- "والحسد: قلق النفس من رؤية نعمة يصيبها إنسان، وينشأ عن هذا القلق تمنى زوال تلك النعمة عن الغير وتمني زوال النعم مذموم بكل لسان".

قال تعالى:

173- (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ..(32) [النساء]

وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، وسَلُوا الله من فضله. واعلموا أن الحسد من أشد الأمراض فتكاً بالقلوب، وعاقبته وخيمة، فليستعمل العاقل جهده وجهاده للتخلص منه، فإذا أنعم الله تعالى عليه بأن حسَّن خلقه في هذا الباب فليفرح وليعلم أنه أدرك نعمة عظيمة.

وتنبيهاً لأمَّةِ مُحَمَّدٍ لئلا تقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل قال تعالى :

174- (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105) [آل عمران]

ومع هذا ورغم كل التحذيرات وقع الاختلاف في الأمة وفشا الجهل، حتى صارت الأمة للأسف فرقاً وأحزاباً  تتناحر (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) كما هو مشاهد اليوم.

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

175- "ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون.

وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب. ولسان الحق يتلوا عليهم ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. قال الشافعي ـ قدس الله تعالى روحه ـ:

176- "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس".["إعلام الموقعين"(1/7)]

وقد سئل شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ عن حكم الشرع في تعدد الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية، مع أنها مختلفة فيما بينها، في مناهجها، وأساليبها، ودعواتها، وعقائدها، والأسس التي قامت عليها، وخاصة أن جماعة الحق واحدة كما دل الحديث على ذلك؟ فقال:

177- "لنا كلمات كثيرة وعديدة حول الجواب عن هذا السؤال، ولذلك نوجز الكلام فيه ونقول: لا يخفى على كل مسلم عارف بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلفنا الصالح ـ رضي الله عنهم ـ، أن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار أولاً، والمناهج والأساليب ثانياً، ليس من الإسلام في شيء، بل ذلك مما نهى عنه ربنا عز وجل في أكثر من آية في القرآن الكريم".

ثم قال:

178- "ولا شك ولا ريب أن أي جماعة تريد بحرص وإخلاص لله عز وجل أن تكون من الأمة المرحومة المستثناة من هذا الخلاف الكوني، فلا سبيل للوصول إلى ذلك وتحقيقه عملياً في المجتمع الإسلامي إلا بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلى ما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم".انتهى

فالاختلاف إذن حصل في الأمة وتوسع ولا زال يتوسع ـ كما ترى ـ مع العلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبَّه إلى خطورة وقوع الاختلاف في الأمة، وكان حريصاً ألا يقع أدنى اختلاف، بل كان إذا رأى من الصحابة اختلافاً يسيراً ظهر الامتعاض على وجهه حتى كأنما فقيء فيه حب الرمان. فعن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان فقال:

179- "أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه".["صحيح سنن الترمذي"(2133)]

 وكان مما حذَّر منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

180- "فإنه من يعش منكم بعدي يرى اختلافاً كثيراً".["الصحيحة"(2735)]

وعن حسين بن علي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خبأ لابن صياد (دخاناً)، فسأله عما خبأ له؟ فقال: دخ.

فقال:

181- "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك".

فلما ولَّى قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

182- "ما قال؟

فقال بعضهم: دخ . وقال بعضهم: بل قال: زخ. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

183- "قد اختلفتم وأنا بين أظهركم، وانتم بعدي أشد اختلافاً".["الصحيحة"(3256)]

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

184- "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم".["صحيح الجامع"(961)]

وقال:

185- "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتُم فقومُوا عنه".["الصحيحة"(3993)]

وأرشد ـ عليه السلام ـ من أدرك الاختلاف بقوله:

186- "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي".

وحذَّرهم ـ عليه السلام ـ من المحدثات، قال الإمام أحمد:

187- "أصول السنَّة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والإقتداء بهم وترك البدع وكلّ بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين. ["شرح أصول السنة"(317)]

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

188- "وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصًا على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق، وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى، وذلك مخالفة الشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء، فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع، ضلال في الشرع ولذلك سميت البدع ضلالات، وجاء:

189- "وإن كل بدعة ضلالة".["ظلال الجنة"(25)]

لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب، ودخول الأهواء في الأعمال خفي، فأقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع".["الموافقات"(5/221)]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

190- "وأكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص، والعلم وراء الكلام، كما قال حماد بن زيد قلت لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟

فقال:

191- "الكلام اليوم أكثر والعلم فيما تقدم أكثر".["الفوائد"(ص:104)]

لذا فإن من أعظم أسباب وقوع الاختلاف: البدع المضلة الناشئة عن اتباع الهوى، قال العلامة المعلمي اليماني ـ رحمه الله ـ:

192- "ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم ـ كما تراهم ـ على أديان مختلفة، ومقالات متباينة، و مذاهب متفرقة، وآراء متدافعة ثم تراهم كما قال الله تبارك و تعالى :(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)".["القائد إلى تصحيح العقائد"(ص:11)]قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

193- "فإذا صار الناس يبتدعون البدع تفرقوا، وصار كل واحد يقول: الحق معي، وفلان ضال مقصر ويرميه بالكذب والبهتان وسوء القصد وما أشبه ذلك.

ونضرب لهذا مثلاً بأولئك الذين ابتدعوا عيد ميلاد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصاروا يحتفلون بما يدَّعون أنه اليوم الذي ولد فيه؛ وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول. أتدرون ماذا يقولون لمن لا يفعل هذه البدعة؟ يقولون: هؤلاء يبغضون الرسول ويكرهونه! ولهذا لم يفرحوا بمولده، ولم يقيموا له احتفالاً وما أشبه ذلك.

فتجدهم يرمون أهل الحق بما هم أحق به منهم، والحقيقة أن المبتدع بدعته تتضمن أنه يبغض الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان يدَّعي أنه يحبه لأنه إذا ابتدع هذه البدعة والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يشرعها للأمة فهو كما قلت سابقاً: إما جاهل وإما كاتم".["شرح رياض الصالحين"(1/194)]