الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون-الفصل السادس-
الإثنين | 01/11/2010 - 09:39 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 24/11/1431 الموافق 1/11/2010

وقد بيَّن الله تعالى خطورة عدم الاعتصام بالكتاب والسنة "منهج النبوة والسلف"، وخطورة ما أحدثته البدع في الأمة من الضلال والتفريق فقال:

194- (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) [المؤمنون] جريمة من جرائم الحزبيين لأنهم جاءوا كتاب الله فتجاذبوه حتى قطَّعوه ومزَّقوه، ثم انصرف كل حزب منهم فرحاً بحصته "قطعة من سورة" أو "آية من كتاب الله" ليتأولها ويكتب فيها كتاباً، يحاول أن يجعل منه بديلاً عن كتاب الله تعالى، وبديلاً عن سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبديلاً عن فهم السلف الصالح!! فيلبِّسون بكتبهم المحدثة على الناس، فإن استدلوا بالآيات أو الأحاديث فغرضهم غرس الشبهات وتفريق الأمة، فذرهم في بدعهم وضلالهم واختلافاتهم إلى أن يحين حينهم من العذاب بإذن الله.

وقد كنت كتبت مقالاً بعنوان:

195- "قراطيس المبتدعة وأحكامهم".[تاريخ 27/5/1429 الموافق 1/6/2008]

نقلت فيه قول الله تعالى:

196- (..قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا..(92) [الأنعام]

وقلت:

197- "وهذه الآيات نزلت في قريش وطائفة من اليهود، وقد كان كتاب الله ـ التوراة ـ الذي نزل على موسى ـ عليه السلام ـ نوراً وهدى للناس، يعني أنه يستضاء به في كشف المشكلات، ويهتدى به من ظلم الشبهات، لكن أهل الضلال والمغضوب عليهم جعلوا من التوراة قراطيس، أي: قطعاً مكتوبة من الكتاب الأصل الذي بأيديهم ويحرفون منها ما يحرفون، ويبدلون ويتأولون ويقولون: هذا من عند الله!!! وقد فضح الله أعمالهم هذه في سورة البقرة فقال:

198- (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ(79)

وبيَّن الله تعالى في الآية أنهم  ـ يعني اليهود ـ تعلموا من التوراة ـ الكتاب الأصل ـ العلوم الشرعية المفيدة والعقيدة الصحيحة، فإذا سألوا من أنزل هذا الكتاب؟ ـ يعني التوراة الذي فيه النور والهدى ـ قل : الله الذي أنزله، فحينئذ يتضح الحق وينجلي مثل الشمس. فإذا ألزموا بهذا الإلزام فاتركهم يخوضوا في الباطل ويلعبوا بما لا فائدة فيه حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.

ثم أشار الله تعالى إلى القرآن ووصفه بأنه مبارك ومن بركته أنه مصدِّق لما بين يديه من الكتب المنزلة، فأي نور بعد هذا النور؟.

فكان من صناعتهم الخسيسة كما رأيت حياكة الباطل، والتلبيس على الناس، وفي الآية رسالة مهمة للمبتدعة في أمة محمد فعليهم أن يتقوا الله ـ عز وجل ـ ولا يفعلوا فعل من استحق غضب الله تعالى من التلاعب في نصوص كتاب الله تعالى، وأحاديث نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذلك بتحريف معانيها خلاف فهوم الصحابة والتابعين لهم بإحسان اتباعاً للهوى، فإن هذا النوع من التلبيس يطمس النور، ويوقع الناس في الحيرة والشك. كما حصل في أسلافهم من أمة بني إسرائيل.

وحيلة وكيد هؤلاء المتلاعبون بدين الله ضعيف جداً لأنهم غيبوا رقابة الله عنهم ظانين أن الله ليس بعليم، ولا بسميع، ولا ببصير، وقد فضح الله تعالى نواياهم الخسيسة في سورة الصف والتوبة.

لقد عاب الله ـ تعالى ـ على أهل الكتاب بدعهم وضلالهم وخيانتهم الله تعالى في اتباع الحق.

إن من أخطر ما يلبس به على الناس تلك الأوراق المكتوبة بخط المبتدعة، إنهم يجعلون باستدلالاتهم المفرقة المأخوذة من كتاب الله تعالى أو من حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألعوبة يبنون عليها آرائهم السقيمة إمعاناً في التلبيس على السذج من العوام. فينخرط في سلكهم الكثير ممن انطوت عليهم الشبهة فيصبح الناس بعدها تائهين حائرين لا يدرون أين الصواب (!!!!) فإلى الله المشتكى من هؤلاء الذين أحياناً نصبوا أنفسهم في حلقات الذكر والوعظ. فهم يظهرون ما يريدون إظهاره، ويخفون ما يريدون إخفائه لما جبلت عليه نفوسهم من المكر والخبث لدين الله تعالى.

فالهدف الملعون لهؤلاء المبتدعة ـ كما تلاحظ أخي المسلم ـ هو طمس الحقائق وإظلام النور، وصدق فيهم قول الله تعالى في سورة الصف:

199- (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8)

إن الله تعالى لهؤلاء المتلاعبين بكتاب الله وسنة رسله بالمرصاد، ألا ترى إلى التوراة نوراً وهدى، فإذا تلاعب بها المتلاعبون فطمسوا ما فيها من النور والخير العظيم، بعث الله رسولاً وأنزل كتاباً فكان بعد موسى عيسى ـ عليهما السلام ـ مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتاه الله الإنجيل، وهكذا جاء محمد على فترة من الرسل وبعد أن دخلت الحيرة والشك قلوب الناس ـ بسبب الاختلافات ـ واحتاجوا إلى النور من جديد كان القرآن مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل. وأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رحمة الله بها أنه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد دينه، فيشع النور من جديد".

قال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ:

200- "فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي دان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذّبوا بحكم الإنجيل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل بزعمهم، وكذبوا بحكم الفرقان".

وقال ابن زيد ـ رحمه الله ـ:

201- "هذا ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، ليس أهل أهواء إلا وهم معجبون برأيهم، وهواهم، وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم".[أخرجه الطبري]

وقال آخرون:

202- "فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون فيها لمذهبهم"!!

فهم معجبون بآرائهم ومحدثاتهم يرونها حق، وبالتالي يرون أنهم على الحق، وهذا من شدة غفلتهم، وسوء عاقبتهم، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة، وسلَّم أتباع كل حزب رقابهم للشياطين الذين لبسوا لباس الأحبار والرهبان. وقد كنت كتبت مقالاً بعنوان:

203- "الدعوة السلفية وتحديات المنافقين".[ثلاث حلقات]

قلت في مقدمة الحلقة الأخيرة منه:

204- "اتخذت مشيخة من العلماء والعبّاد والمشايخ أساليب عجيبة للوصول إلى أهدافها لإشباع شهواتها بالتضليل والإضلال، واستطاعت أن تلعب أدواراً خسيسة، فنصبت من أجل ذلك فخاخها لاصطياد فرائسها من الغافلين، وبسطت شباكها في كل اتجاه، فكانت هي المشيخة المزيَّفة بلباس الدين !! وكان التستر هو الوسيلة التي يصلون بها إلى الغاية التي كانوا يحلمون، ولها يخططون، ومن خطط هذه المشيخة الفاجرة أن فئة منها أخيراً استظلت بظلال العلماء الأكابر، وادَّعت لفترة من الزمان ليست بالقصيرة أنها في الدعوة السلفية، وراحت تذرف دموع التماسيح على أشياء كثيرة من هموم المسلمين، فكتبت، وألَّفت، وحقَّقَت، وعلَّقت، وقابلت، واستغفلت، وأفتت، وأكلت الباطل ونسيت أن الله ـ تعالى ـ لها بالمرصاد".

فاليهود تركوا التوراة وانصروا إلى باطلهم، والنصارى تركوا الإنجيل وانصرفوا إلى باطلهم، وكذلك أهل البدع والأهواء في هذه الأمة فرحون مسرورون بباطلهم وزبالات أفكارهم، تركوا الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة وانصرفوا إلى ما جعلهم أحزاباً تلعن بعضها بعضاً، فهم في أباطيل لا يُعلم لها انتهاء؛ لشدة عنادهم وتعصبهم لها، وظنهم الفاسد بالحق وأهله.

قال أبو شامة المقدسي ـ رحمه الله ـ:

205- "ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها!! فقصرت همم أتباعهم إلا قليلاً منهم، فقلدوا بعدما كان التقليد لغير الرسل حراماً، بل صارت أقوال أئمتهم عندهم بمنزلة الأصلين "الكتاب والسنة"، وذلك معنى قوله تعالى:

206- (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ..(31) [التوبة]

 

وقال ـ رحمه الله ـ:

207- "حتى آل بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب والسنة الثابتة على خلافه، يجتهد في دفعه بكل سبيل من التآويل البعيدة، نصرة لمذهبه ولقوله. ولو وصل ذلك إلى إمامه الذي يقلده، لقابله ذلك الإمام بالتعظيم وصار إليه وتبرأ من رأيه، مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم وحمد الله على ذلك".["مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول"(ص:65-66)] 

وقال ـ رحمه الله ـ:

208- "ومن العجب أن كثيراً منهم ... يرون مصنفات أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم؛ فلا تراهم ينكرون شيئاً من هذا. فإن اتفق أنهم يسمعون أحداً يقول: "أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا". انزعجوا وغضبوا وأنكروا !! ورأوا أنه قد ارتكب كبيراً من الإثم!! فإن كان الأمر كما ذكروا فالأمر الذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم؛ فما بالهم لا ينكرون ذلك، ولا يغضبون منه، لولا قلة معرفتهم، وكثرة جهلهم بمراتب السلف"؟![مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول"(ص:114)]

فانظر ـ رحمك الله ـ إلى هؤلاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، كيف آل بهم التعصب فهم في الحزب الواحد أقسام إما: جاهل، أو منافق مزوِّر، أو متصدِّر مصنف أحب أن يكون له أتباع عمي. قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ في وصف انحراف المبتدعة ومنهم الصوفية ـ على سبيل المثال ـ:

209- "فجاء أقوام، فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم تطلبوا لها الدليل. وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع طريقاً ويتطلب دليلها. ثم انقسموا:

فمنهم: متصنع في الظاهر، ليث الشرى في الباطن، يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات. ويري الناس بزيه أنه متصوف متزهد، وما تزهد إلا القميص وإذا نظر إلى أحواله فعنده كبر فرعون.

ومنهم: سليم الباطن، إلا أنه في الشرع جاهل.

ومنهم: من تصدَّر، وصنَّف؛ فاقتدى به الجاهلون في هذه الطريقة، وكانوا كعمي اتبعوا أعمى. ولو أنهم تلمحوا للأمر الأول، الذي كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما ذلّوا".["صيد الخاطر"(ص:6)]ويفرح الحزبي الضال وهو يلعن حزبياً من غير حزبه، وما سبب هذا الفرح إلا العصبية التي صنعتها الحزبية للمذهب، أو العصبية للقبيلة، أو العصبية للإقليمية، أو العصبية لقومه، أو العصبية للدولة والوطنية، أو العصبية للعشيرة، أو العصبية لفرقته الضالة وحزبه المشين، أو العصبية لمن هو على شاكلته من أهل البدع والنفاق، مفادها كلها الدعاء بدعوى الجاهلية، وقد عاشت الأمة من جرّاء هذه العصبيات الحزبية المنتنة الباطلة في ويلات، ولا زالت تعاني منها، فهي اليوم أكبر وأشد بسبب العصبية الدينية المنافقة والسياسية. فأقول لكل واحد من هؤلاء تصريحاً لا كناية امتثالاً لأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أعضض أير أبيك". والحديث نصه:

210- "من تعزَّى بعزَّى الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا".["الصحيحة"(269)]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

211- "الدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، والتعصب للمذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية وكونه منتسباً إليه يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه ويعادي، ويزن الناس به، فكل هذا من دعوى الجاهلية".["زاد المعاد"(2/471)]   

وقال الطبري ـ رحمه الله ـ:

212- "كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحق فأحدثوا البدع التي أحدثوا (بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) أي: بما هم به متمسكون من المذهب فرحون مسرورون يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

213- "أي كل فرقة من هؤلاء الفرق الضالين المختلفين المتقطعين دينهم قطعاً: فرحون بباطلهم، مطمئنون إليه، معتقدون أنه هو الحق. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أن ما فرحوا به، واطمئنوا إليه باطل".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

214- "وَلِهَذَا تَجِدُ قَوْمًا كَثِيرِينَ يُحِبُّونَ قَوْمًا وَيُبْغِضُونَ قَوْمًا، لأجْلِ أَهْوَاءٍ لا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهَا وَلا دَلِيلَهَا، بَلْ يُوَالُونَ عَلَى إطْلاقِهَا أَوْ يُعَادُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مَنْقُولَةً نَقْلاً صَحِيحًا عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَسَلَفِ الأمَّةِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا هُمْ يَعْقِلُونَ مَعْنَاهَا وَلا يَعْرِفُونَ لازِمَهَا وَمُقْتَضَاهَا. وَسَبَبُ هَذَا إطْلاقُ أَقْوَالٍ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً وَجَعْلُهَا مَذَاهِبَ يُدْعَى إلَيْهَا وَيُوَالِي وَيُعَادِي عَلَيْهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ:

215- "أحسن الكلام كلام الله".["صحيح سنن النسائي"(1455)]

فَدِينُ الْمُسْلِمِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأمَّةُ، فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ هِيَ أُصُولٌ مَعْصُومَةٌ، وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الأمَّةُ رَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وَلَيْسَ لأحَدِ أَنْ يُنَصِّبَ لِلأمَّةِ شَخْصًا يَدْعُو إلَى طَرِيقَتِهِ وَيُوَالِي وَيُعَادِي عَلَيْهَا غَيْرَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلا يُنَصِّبَ لَهُمْ كَلامًا يُوَالِي عَلَيْهِ وَيُعَادِي؛ غَيْرَ كَلامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأمَّةُ، بَلْ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ لَهُمْ شَخْصًا أَوْ كَلامًا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الأمَّةِ يُوَالُونَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْكَللامِ أَوْ تِلْكَ النِّسْبَةِ وَيُعَادُونَ".["مجموع الفتاوى"(20/163-164)]

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

216- "أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون؛ ولهذا قال متهددًا لهم ومتواعدًا:

217- (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) [المؤمنون]

218- "أي: في غيِّهم وضلالهم، إلى حين حينهم وهلاكهم".

وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:

219- "أي اتركهم في جهلهم فليسوا بأهل للهداية، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم فلكل شيء وقت".

وهذه الغمرة التي غمر أتباع الضلالة أنفسهم فيها سببها الهوى وتقليد دينهم الرجال، إن آمنوا آمنوا معهم، وإن كفروا كفروا معهم!! قال الإمام أحمد:

220- "من قلة فقه الرجل أن يقلّد دينه الرجال".["الإعلام"(2/201) و"الإيقاظ"(ص:113)]  

وهذا التقليد من الهوى، قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

221- "فأهل الأهواء إذا استحكمت فيهم أهواءهم لم يبالوا بشيء، ولم يعدوا خلاف أنظارهم شيئاً، ولا راجعوا عقولهم مراجعة من يتهم نفسه، ويتوقف في موارد الإشكال، وهؤلاء صنف من أصناف من اتبع هواه، ولم يعبأ بعذل العاذل فيه".["الاعتصام"(1/338)]

قال أيوب السختياني وغيره:

222- "إن المبتدع لا يرجع".

قال الشيخ تقي الدين:

223- "لأن اعتقاده ـ يعني: المبتدع ـ يدعوه إلى ألاَّ ينظر نظراً تاماً إلى دليل خلافه فلا يعرف الحق، ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية".[الآداب الشرعية"لابن مفلح(1/59)]

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

224- "فإنهم لا ينفع فيهم وعظ، ولا يفيدهم زجر، وكيف يفيد من يزعم أنه على الحق، ويطمع في دعوة غيره إلى ما هو عليه؟

وقال تعالى في السورة:

225- (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ(56)

قال ابن كثير:

226- "يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم، لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء؛ ولهذا قال (بَل لا يَشْعُرُونَ)".

ومن الظن المزري الذي يعيشه أتباع الأحزاب المتفرقة الضالة الكاذبة أنها ترى الاختلافات الواقعة من الاختلاف الجائز!! فدعاة الضلال صوَّروا وأوهموا أتباعهم أن الاختلاف الحاصل هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد!! وأن سبب هذه الاختلافات هو الاجتهاد!! فمن أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران!!

واعلم أن الأحزاب فرق محتالة بامتياز، تحتال بتأويلاتها الفاسدة على دين الله لغرض الوصول إلى أهدافها التي تجد فيها ملاذها من المنافع والمصالح والأطماع الدنيوية، لذا فهي تستمتع بالضلال والتضليل، ومستعدة لأن تسلك درب النفاق بنوعيه الأكبر والأصغر، وتتجرأ عليه دون اكتراث بأحد، وتمارس الجريمة على شتى أنواعها وبشاعاتها علناً جهاراً نهاراً بطريقة توحي لمن ليس عنده خبرة فيهم أو عنده سذاجة، أنها حق؛ وهذه طريقة الدجاجلة صنّاع مشاريع الباطل، فأباحوا لأنفسهم في خضم غفلة الناس التلبيس بصوره التكتيكية المتنوعة، فبلغ علمهم في هذا الباب مبلغه من أجل التعتيم على الحق وأهله. وتناسى هؤلاء الدجاجلة الحمقى نهاية دجّالهم مسيح الضلالة، بل تناسوا وهم يمارسون الاحتيال ما حصل لمن قال الله لهم:

227- (..كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65) [البقرة]

قال قتادة:

228- "فصار القوم قروداً تعاوى، لها أذناب بعدما كانوا رجالاً ونساء".

وقد كنت كتبت مقالاً بعنوان:

229- "التشنيع على جريمة التمييع".[تاريخ 23/8/1430 الموافق 14/8/2009]

ليعلم الناس مقدار شناعة التمييع في الدين، فجريمة التمييع مدخل من مداخل الحزبيين على الناس من أجل هدم الجادة، حتى أنهم عمدوا إلى تسمية الأحزاب بالفصائل تمييعاً لئلا تنكشف اختلافاتهم فيظهرون أمام العوام بمظهر المجتمعين الموحدين!!  وباختصار فإن التمييع مداهنة تضعف بصيرة طلاب الحق، أو تعكر مياه شربهم، أو تكدر معيشتهم. والتمييع باب كبير من أبواب الاحتيال على الأمة بدس السم لها بطريقة ناعمة.

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ":

230- "قال شيخنا ـ يعني ابن تيمية رحمه الله ـ: "وهؤلاء لم يكفروا بالتوراة وبموسى، وإنما فعلوا ذلك تأويلاً واحتيالاً، ظاهره ظاهر الاتقاء، وحقيقته حقيقة الاعتداء، ولهذا ـ والله أعلم ـ مسخوا قردة؛ لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له في الحد والحقيقة، فلما مَسخَ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جزاءً وفاقاً".["أعلام الموقعين"]

وقال ـ رحمه الله ـ:

231- "ثم كان الانحراف في هذه الأمة بسبب التأويل عظيماً، وقد حذا فيه المؤولون المحرفون حذو اليهود والنصارى، حتى إنك لو رأيت تأويلات اليهود والنصارى لنصوص التوراة في الأخبار والأمر والنهي لقلت: إن أهل التأويل الباطل من هذه الأمة إنما تلقوا تأويلاتهم عنهم، وعجبت من تشابه قلوبهم، ووقوع الحافر على الحافر، والخاطر على الخاطر".["الصواعق المرسلة"(1/361)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

232- "وإن قوماً من هذه الأمة ممن ينسب إلى علم أو دين قد أخذوا من هذه الصفات بنصيب يرى ذلك من له بصيرة؛ فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله ولهذا كان السلف يحذرون هذا".["اقتضاء الصراط المستقيم"(1/90)]

وكنت في مقال لي تحت عنوان:

233- "احذر متبعي المتشابه".[تاريخ 07/10/1429 الموافق6/10/2008]

قلت فيه:

234- "فأهل الكتاب خلطوا الحق بالباطل، هذا معنى قوله ـ تعالى ـ: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) قاله الطبري ـ رحمه الله ـ. فمن سوء صنيع أهل الكتاب أنهم ستروا الحق، أو خلطوه بالباطل، وبالتالي عمدوا إلى تحريف التوراة والإنجيل، أو نافقوا، أو أنهم ادعوا الإيمان بموسى وعيسى وكفروا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو كذَّبوه. فأرادوا بالتلبيس تمويه الحق، وكذلك فعل المنافقون وأهل البدع والأهواء في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أدخلوا الأكاذيب، والخرافات، والتأويلات الفاسدة، والفهومات الخاطئة، المضلة، وزبالة آرائهم، واستنتاجاتهم العقلية في فهم نصوص الوحي،  واستعانوا على ذلك بالأحاديث والآثار الموضوعة والضعيفة، ونقلوا ما يسمح لهم التزييف والتحريف حتى غلَّبوا مشروعهم من الفساد العظيم من أجل كتمان الحق، وتضليل الناس عن الدعوة السلفية ومنهجها في بيان الحق. فلدعاة الباطل طريقتان في تضليل الناس:

الأولى: التلبيس، وهو خلط الحق بالباطل.

والثانية: كتمان الحق. 

وقد استعمل أهل الكتاب الطريقتين الخبيثتين لصرف الناس عن الحق، فأهل النفاق والبدع في كل أمة بتلبيساتهم يضللون الناس عن الحق وهو منهاج الطائفة المنصورة، حتى بلغ التلبيس ذروته بادعاء كل فرقة ضالة أنها هي الطائفة المنصورة!!! بعد أن اتخذت كل فرقة من التأويلات الفاسدة التي بموجبها تعزز هواها في مخالفة هدي النبوة والسلف عن علم.

لذلك طلع علينا ـ حديثاً ـ ممن انتسب إلى أهل العلم يزكي الضلاّل، ويدافع عنهم، ضارباً حكم العلماء السلفيين بالحائط، فأدخل العوام الذين يريدون الحق في الحيرة، فبنى على الحق شبهة لبَّس فيها، ففتن بقوله خلق كثير من طلبة العلم، فإلى الله المشتكى من صنيعه الباطل".