الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الثامن-
الخميس | 04/11/2010 - 11:48 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 27/11/1431 الموافق 4/11/2010

قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ:

282- "وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى كوناً، كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي".[الإحكام في أصول الأحكام"(5/64)]

قال تعالى:

283- (..وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(253) [البقرة]

قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

284- "يعني تعالى ذكره بذلك: ولكن اختلف هؤلاء الذين من بعد الرسل، لما لم يشأ الله منهم تعالى ذكره أن لا يقتتلوا، فاقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات من عند ربهم بتحريم الاقتتال والاختلاف، وبعد ثبوت الحجة عليهم بوحدانية الله ورسالة رسله ووحي كتابه، فكفر بالله وبآياته بعضهم، وآمن بذلك بعضهم. فأخبر تعالى ذكره: أنهم أتوا ما أتوا من الكفر والمعاصي، بعد علمهم بقيام الحجة عليهم بأنهم على خطأ، تعمداً منهم للكفر بالله وآياته. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) يقول: ولو أراد الله أن يحجزهم ـ بعصمته وتوفيقه إياهم ـ  عن معصيته فلا يقتتلوا ما اقتتلوا ولا اختلفوا، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)، بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه".

قال صاحب "التحرير والتنوير":

285- "فيكون مفيداً أنّ أمة كل رسول من الرسل اختلفوا واقتتلوا اختلافاً واقتتالاً نشَأ من تكفير بعضهم بعضاً، كما وقع لبني إسرائيل في عصور كثيرة بلغت فيها طوائف منهم في الخروج من الدِّين إلى حد عبادة الأوثان، وكما وقع للنصارى في عصور بلغ فيها اختلافهم إلى حد أن كفَّر بعضهم بعضاً، فتقاتلت اليهود غير مرة قتالاً جرى بين مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل، وتقاتلت النصارى كذلك من جرّاء الخلاف بين اليعاقبة والمَلَكية قبل الإسلام، وأشهر مقاتلات النصارى الحروب العظيمة التي نشأت في القرن السادس عشر من التاريخ المسيحي بين أشياع الكاثوليك وبين أشياع مذهب لوثير الراهب الجرماني؛ الذي دعا الناس إلى إصلاح المسيحية واعتبار أتباع الكنيسة الكاثوليكية كفّاراً لادّعائهم ألوهية المسيح، فعظمت بذلك حروب بين فرَنسا وأسبانيا وجرمانيا وإنكلترا وغيرها من دول أوروبا .

والمقصود: تحذير المسلمين من الوقوع في مثل ما وقع فيه أولئك، وقد حَذَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذلك تحذيراً متواتراً بقوله في خطبة حجة الوداع:

286- "لاَ ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض".[متفق عليه]

يحذّرهم ما يقع من حروب الردَّة، وحروب الخوارج بدعوى التكفير، وهذه الوصية من دلائلِ النبوءة العظيمة".

ولكن وقع الاختلاف بينهم، قال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:

287- "إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد، الفعال لما يريد".

ولو شاء الله  تعالى ألا يقتتل الذين جاءوا بعد كل رسول من الرسل، وبعد أن جاءهم الرسل بالبينات الدالة على الحق، لو شاء الله ذلك لفعل، بأن جعلهم جميعاً متفقين على الحق، ولكن الله الحكيم العليم لم يشأ ذلك، قال تعالى:

288- (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات]

فخلقهم الله تعالى ليبتليهم في عبادته وتوحيده، فترتب على ابتلائهم أنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً، فمنهم من آمن باختياره المحض بعد مجيء البينات وثبت على إيمانه وعمل بموجبه، وهو من لطف الله تعالى به وفضله عليه، ومنهم من كفر لخذلان الله له، بسبب ما جبلت عليه نفسه من العناد والكبر، وإيثارها الهوى على الرشاد، فأساء اختياره بعد مجيء البيِّنات وظهور الحق ووضوح السبيل، فوقع الاقتتال بينهم.

قال الحرالي ـ رحمه الله ـ:

289- "فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال، بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد، بعد فقد السلامة، بعد فقد الوداد، بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها".

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

290- "هذا القتال حصل بعدما زال اللبس، واتضح الأمر، ووجدت البينات الدالة على صدق الرسل؛ ومع ذلك فإن الكفار استمروا على كفرهم، ورخصت عليهم رقابهم، ونفوسهم في نصرة الطاغوت؛ وقاتلوا المؤمنين أولياء الله عزّ وجلّ؛ كل ذلك من أجل العناد، والاستكبار".وقال صاحب "الوسيط":

291- "وقدم ـ سبحانه ـ المسبب وهو الاقتتال على السبب وهو الاختلاف، للتنبيه على سوء مغبة الاختلاف، وللتحذير من الوقوع فيه، لأن وقوعهم فيه سيؤدي إلى أن يقتل بعضهم بعضاً".

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

292- "فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب، فلهذا قال: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته".

وقال البغوي ـ رحمه الله ـ:

293- "يوفق من يشاء فضلاً، ويخذل من يشاء عدلاً".

وقد بلغت الوقاحة في دعاة الضلال أنهم جعلوا اختلاف التضاد الذي يفرق الصف ويمزِّق كلمة الحق رحمة!!، وذلك لأجل صرف الناس عمّا وقعوا فيه من العقاب وهو التفرق المؤدي إلى الاقتتال، ومضللين أتباعهم بالحديث الباطل المكذوب: "اختلاف أمتي رحمة"! وأي رحمة في الاختلاف؟! قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ:

294- "وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخطاً".["الإحكام"(5/61)]

وتساءل شيخنا العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ في أحد دروسه:

295- "إذا كان اختلاف أمتي رحمة، هل يكون اجتماعها عذاباً؟!

وقال في درس آخر:

296- "فإذا كان الاختلاف رحمة فيا ترى هل يكون الاتفاق نقمة؟

وقال في "الصحيحة"(7/2/773):

297- "فالحق أن الخلاف ـ وهو الذي يسميه ابن تيمية ـ رحمه الله ـ اختلاف تضاد، إنما هو نقمة وليس برحمة".

وقال في دروسه:

298- "يجب أن نشكر ربنا عز وجل على أن هدانا إلى هذا الطريق الذي لا ثاني له، ومن شُكرِه عز وجل أن نبتعد عن الاختلاف الذي يفرق الصف ويشتت الشمل؛ ذلك لأننا نعلم جميعاً أن الاختلاف في الدين ليس من شيم المسلمين، ولا من نهجهم ولا من طريقتهم، بل هو من شأن الكافرين المشركين، كما قال رب العالمين تبارك وتعالى في كتابه الكريم: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32).

وقال ـ رحمه الله ـ:

299- "الواقع المؤسف شديد الأسف أن هذه الآية تنطبق، أو على الأقل تكاد تنطبق على كثير من المسلمين اليوم، الذين يختلفون بعضهم مع بعض أشد الاختلاف؛ بحيث أنهم انقسموا إلى مذاهب شتى وأحزاب كثيرة، وصدق فيهم قول ربنا عز وجل: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) فيجب أن نبتعد عن الاختلاف مع بعضنا البعض خشية أن نقع في هذه الفرقة التي ليست من طبيعة المسلمين، وإنما هي من سجية الكافرين المشركين.

أقول هذا وأنا أعلم أن الخلاف أمر لا منجاة منه؛ ذلك لأن الله عز وجل خلق الناس متفاوتين في أفهامهم، وفي مداركهم، وفي قدراتهم، وفي فهم نصوص الكتاب والسنة، فلا بد من أن يقع شيء من الاختلاف بين أفراد الاتجاه الواحد والخط المستقيم، ومثاله أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فقد كانوا متفقين في عقائدهم وفي جميع مسائلهم الفقهية، ولكن من جهة أخرى كانوا مختلفين في بعض المسائل الفرعية؛ إلا أن هذا الاختلاف لم يؤد بهم إلى أن ينقسموا إلى أحزاب وإلى مذاهب متفرقة، وهذا التفرق هو الذي يحمل المتفرقين على أن يعادي بعضهم بعضاً، وأن يشتغل بعضهم بالجهاد في البعض الآخر، فيصرفهم ذلك عن أن يتوجهوا جميعاً صفاً واحداً إلى محاربة أعداء الله، من الكفار والمشركين والمرتدين عن الدين.

لقد كان أصحاب الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يختلفون في بعض المسائل، لكن ذلك لم يوصلهم إلى التباغض وإلى التدابر الذي نهى عنه الرسول ـ عليه السلام ـ في الأحاديث الصحيحة:

300- "لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا تقاطعوا و لا تدابروا و كونوا عباد الله إخواناً".["صحيح الجامع"(4072)]

هكذا كان أصحاب الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ولذلك فلا بد أن نجعل من جملة الخط الذي نمشي عليه، هو ما يمكن التعبير عنه أن نتسامح بعضنا مع بعض فيما إذا اختلفنا في فهم نص من كتاب الله أو من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فينبغي أن يعذر بعضنا بعضاً في ذلك؛ لأنه من المستحيل، ويجب أن تكون هذه الفكرة قائمة في عقيدة كل فرد منا؛ لأن الإصلاح لا يقوم على تجاهل الواقع وعلى تجاهل الحقائق، يجب أن نعلم أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين هم خير القرون، كما قال ـ عليه السلام ـ في الحديث الصحيح: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".لم يستطيعوا إلا أن يختلفوا في بعض المسائل، وأنتم على ذكر لكثير من هذه المسائل.

وحسبكم ما يبتلى به كثير من الناس اليوم مما يقال: إنه مفسد للوضوء أو مبطل للصلاة، وهل مس المرأة ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ وهل خروج الدم يفسد الوضوء أو لا يفسد؟ ونحو ذلك، فهل وصل بهم الأمر إلى أن يمتنع أحدهم من الصلاة وراء أخيه المسلم لأنه يخالفه في رأيه؟!

وقال ـ رحمه الله ـ في أحد اللقاءات من دروسه:

301- "نحن بحاجة إلى التنبيه ألا يتعصب كل منا لرأيه في فهم نص من كتاب الله، أو حديث رسول الله، تعصباً يؤدي بنا إلى شيء من التنازع والتنافر، وقد يؤدي هذا بعد ذلك إلى التدابر وإلى التباغض، وهذا كله منهي عنه.

فإذاً: نستطيع أن نقول باختصار: إن الفرق بين الاختلاف الجائز والاختلاف المحرم، يظهر من بقاء هؤلاء المختلفين على وحدتهم وعلى تناصحهم وتوادهم، أو خرجوا من ذلك إلى التناحر وإلى التباغض، فهذا ما أردت التنبيه عليه فيما إذا وقع الخلاف بين بعضنا بعضاً في مسألة ما فينبغي أن نتسامح.

وأنا أُذكِّر بكلمة لبعض الدعاة الإسلاميين فيها شيء من هذا المعنى، ولكن يمكن تفسيرها بشيء يخالف بعض التوجيه السابق، تلك الكلمة تقول:

302- "نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".

هذا الكلام يمكن تفسيره تفسيراً صحيحاً، ويمكن تفسيره تفسيراً أعوجاً، وهذا التفسير الأعوج هو الذي يطبقه المنتمون إلى قائل هذه الكلمة؛ لأنهم ينتهون إلى الرضا بالاختلاف وترك السعي للقضاء عليه بقدر الإمكان؛ ولذلك تجدهم يجتمعون ويعيش بعضهم مع بعض على أشد الاختلاف في قلوبهم هذا حنفي، وهذا شافعي، وذاك مالكي، وآخر حنبلي، ومع ذلك فهم جماعة واحدة ـ زعموا ـ وهذا ماتريدي، وهذا أشعري، وذاك سلفي، ومع ذلك جماعتهم جماعة واحدة، كيف كان هذا؟ كان هذا لأنهم تبنوا هذا التوجيه (يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) هذا لا يجوز في الإسلام؛ لأنه يجب على المسلمين أن يتناصحوا، ولا شك أن التكتل والتجمع مما أمر الله به ورسوله، لكن يجب أن يكون التكتل على أساس الإسلام وعلى أساس النصيحة، وقد قال ـ عليه السلام ـ كما تعلمون:

303- "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، وللأئمة المسلمين وعامتهم".["صحيح سنن الترمذي"(1926)]

باقي الفصل الثامن من هنا