الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل التاسع-
الأربعاء | 10/11/2010 - 07:37 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 3/12/1431 الموافق 9/11/2010

337- (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) [النساء]

فما أصبرهم على صناعة الاختلاف التي كلَّفتهم وجوهاً سوداء، وقلوباً قاسية، إنهم أوجبوا على أنفسهم لأجل هذه المفسدة العظمى نار جهنم، نعوذ بالله منهم ومنها.

قال شيخنا الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ:

338- "هذه الآية أرجو أن تكون ثابتة في ألبابكم، وفي قلوبكم، ولا تذهب عنكم، لأنها الحق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)، وبذلك تنجون عن أن تنحرفوا يميناً أو يساراً، وعن أن تكونوا ـ ولو في جزئية واحدة، أو مسألة واحدة ـ من فرقة من الفرق غير الناجية، إن لم نقل: من الفرق الضالة، [قلت: بل هي بالتأكيد فرق ضالة لأنها غير ناجية من العذاب] لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الحديث المعروف، واقتصر منه ـ الآن ـ على الشاهد منه: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلَها في النار إلا واحدة". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "هي الجماعة".

وقال الشيخ ـ رحمه الله ـ معرّفاً:

339- "الجماعة: هي سبيل المؤمنين؛ فالحديث إن لم يكن وحياً مباشراً من الله على قلب نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإلا فهو اقتباس من الآية السابقة: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ). فإذا كان من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين؛ قد أوعد بالنار؛ فالعكس بالعكس: من اتبع سبيل المؤمنين؛ فهو موعود بالجنة ـ ولا شك ولا ريب ـ".[محاضرة ألقاها الشيخ الإمام في مدينة المفرق ـ الأردن]

وقال ـ رحمه الله ـ:

340- " وإنما أضاف إلى مشاقة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين، فاتباع سبيل المؤمنين أو عدم اتباع سبيلهم أمر هام جداً إيجاباً وسلباً، فمن اتبع سبيل المؤمنين: فهو الناجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين: فحسبه جهنم وبئس المصير. من هنا ضلت طوائف كثيرة جداً ـ قديماً وحديثاً ـ لأنهم لم يكتفوا بعدم التزام سبيل المؤمنين فحسب، ولكن ركبوا عقولهم واتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة، ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة جداً، خرجوا بها عما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم جميعاً. وهذه الفقرة من الآية الكريمة: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أكدها عليه الصلاة والسلام تأكيداً بالغاً في غير ما حديث نبوي صحيح".

وقال ـ رحمه الله ـ:

341- "وهذه الأحاديث ـ التي سأورد بعضاً منها ـ ليست مجهولة عند عامة المسلمين ـ فضلاً عن خاصتهم ـ لكن المجهول فيها هو أنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة ووجوب ذلك وتأكيده، وهذه النقطة يسهو عنها ـ ويغفل عن ضرورتها ولزومها ـ كثير من الخاصة فضلاً عن هؤلاء الذين عرفوا بـ ( جماعة التكفير ) أو بعض أنواع الجماعات التي تنسب نفسها للجهاد وهي في حقيقتها من فلول التكفير. فهؤلاء ـ وأولئك ـ قد يكونون في دواخل أ نفسهم صالحين ومخلصين، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله عز وجل من الناجين المفلحين. إذ لابد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين: صدق الإخلاص في النية لله عز وجل، وحسن الاتباع لما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فلا يكفي ـ إذا ـ أن يكون المسلم مخلصاً وجاداً فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما بل لا بد ـ بالإضافة إلى ذلك ـ من أن يكون منهجه منهجاً سوياً سليماً وصحيحاً مستقيماً، ولا يتم ذلك على وجهه إلا باتباع ما كان عليه سلف الأمة الصالحون رضوان الله تعالى عليهم أجمعين".

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

342- "ومن هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حين لم يتنبهوا إلى مدلول الآية السابقة وإلى مغزى حديث سنة الخلفاء الراشدين وكذا حديث افتراق الأمة فكان أمراً طبيعياً جداً أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله وسنة رسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ ومنهج السلف الصالح. ومن هؤلاء المنحرفين : الخوارج قدماء ومحدثين".["فتنة التكفير"(ص:2-5)]

وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

343- "ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة".[أخرجه البخاري]

قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ:

344- "جوز الخطابي في هذا أن تكون المشقة من الإضرار فيحمل الناس على ما يشق عليهم، وان تكون من الشقاق وهو الخلاف ومفارقة الجماعة وهو أن يكون في شق أي ناحية عن الجماعة".

وهذه الآية تبيِّن أن المختلفين نأوا فيها عن أهل الحق حتى وقعوا في التفرق الذي أهلك أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قال تعالى في سورة المائدة عن النصارى محذّراً من الوقوع في التهلكة: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ..(14) وقال عن اليهود:

345- (..وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ..(64)

وجاء هذا التحذير على لسان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:

346- "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، (وفي رواية: والباع بالباع) حتى لو دخلوا (وفي رواية: لو سلكوا) جحر ضب تبعتموهم".

قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال:

347-"فمن" . [متفق عليه، وما بين قوسين لأحمد]

فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "شبراً بشبر" كناية عن شدة الموافقة لهم في عاداتهم رغم ما فيها من سوء وشر ومعصية لله تعالى ومخالفة لشرعه. والتشبيه بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته ونتن ريحه وخبثه. فما بال هؤلاء الأحزاب الضالة المتفرقة لا يتقززون من هذا التشبيه؟! إلا لنتانة نفوسهم وخباثتها وما جبلت عليه من عداوة للحق، وخساسة في الأخلاق، وحقارة في الطباع.

وتقدم معنا الكثير من الأحاديث التي تحذِّر من الاختلاف، وتبيِّن أن الاختلاف الذي سيقع في الأمة بعد نبيِّها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثير وخطير. فكان من التحذيرات الخطيرة:

348- "حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً".

وفي رواية:

349- "ويقتل بعضهم بعضاً".

وفي رواية:

350- "وبعضهم يفتن بعضاً".[أخرجه مسلم، وأحمد، والبيهقي،]

مع العلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حذّر من أقل الاختلاف أن يقع في أمة محمد، فعن عبد الله بن عمرو قال: هجّرت إلى رسول الله  ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرف في وجهه الغضب؛ فقال:

351- "إنما هلك من كان قبلكم: باختلافهم في الكتاب".["الصحيحة"(3578)]

وفي رواية عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رجلاً قرأ، وسمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية فقال:

352- "كلاكما محسن، فلا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" . [رواه البخاري]

وعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال:

353- "إنّي خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان؛ فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسُوها في السَّبع والتِّسع والخّمسِ".["الصحيحة"(3592)، وتلاحى من التلاحي وهو التنازع والمخاصمة] قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ:

354- "فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة وأنها سبب العقوبة المعنوية أي: الحرمان".

والأدلة التي ترهّب من الاختلاف والتفرق من القرآن كثيرة وكثيرة جداً، قال تعالى:

*- (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) [الأنعام]

عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: لما نزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال:

355- "أعوذ بوجهك".

(أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال:

356- "أعوذ بوجهك".

قال فلما نزلت (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال:

357- "هاتان أهون أو أيسر".[أخرجه البخاري، والترمذي]

فهذا أهون أو أيسر من الهلاك التـام أو الاستئصال، وفيه للمؤمنين كفّارة. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:

358- "قوله تعالى: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) الأهواء والاختلاف. وقوله تعالى: (وَيُذِيقَ) قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب".[أخرجه ابن جرير الطبري]

وقال ابن زيد ـ رحمه الله ـ:

359- "الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك دماء بعضهم بعضاً".[أخرجه الطبري]

باقي- الفصل التاسع- هنا