الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل العاشر-
الإثنين | 15/11/2010 - 11:47 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 9/12/1431 الموافق 15/11/2010

وبُعثت الدعوة السلفية ـ من جديد ـ، فهل من مصدِّق، بعثت والأحداث على الأرض كل يوم تتوالى، وتتوالى بسرعة، على الرغم من سرعة الزمان وتقاربه، ويتأكد كل يوم لذي عينين أن الدعوة السلفية ببعثها وتجديدها لدين الله الإسلام؛ شامخة، حاكمة، منصورة، بنص الكتاب والسنة الصحيحة، لأنها على درب الأنبياء وصحابتهم. وقلت في مقالتي: "الدعوة السلفية بعث وتجديد":

406- "وهكذا تمضي الدعوة السلفية على طريق الهدى والاستقامة، ولها في الأرض مع الناس ابتلاء تلو ابتلاء، فكما خصومها في ابتلاء، أنصارها في الثبات عليها أيضاً في ابتلاء".

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

407- "فثبت أن الخلاف شر كله وليس رحمة، ولكن منه ما يؤاخذ عليه الإنسان كخلاف المتعصبة للمذاهب، ومنه ما لا يؤاخذ عليه كخلاف الصحابة ومن تابعهم من الأئمة حشرنا الله في زمرتهم ووفقنا لاتباعهم، فظهر أن اختلاف الصحابة هو غير اختلاف المقلدة.

وخلاصته: أن الصحابة اختلفوا اضطراراً، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف ويفرون منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وأما المقلدة ـ فمع إمكانهم الخلاص منه ولو في قسم كبير منهم ـ فلا يتفقون ولا يسعون إليه، بل يقرونه، فشتان إذن بين الاختلافين. ذلك هو الفرق من جهة السبب، وأما الفرق من جهة الأثر فهو أوضح، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم ـ مع اختلافهم المعروف في الفروع ـ كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر الوحدة، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة، ويصدع الصفوف".["أصل صفة الصلاة"(ص:44-45)]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

408- "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يعذر فيه؛ فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع".["مجموع الفتاوى"(24/172)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

409- "وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة، ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير".["مجموع الفتاوى"(24/173)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

410- "وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

411- "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة".["صحيح الجامع"(2595)]

وصح عنه أنه قال:

412- "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".["صحيح الترغيب والترهيب"(2756)]

نعم صح عنه أنه هجر كعب بن مالك وصاحبيه ـ رضي الله عنهم ـ لما تخلفوا عن غزوة تبوك، وظهرت معصيتهم، وخيف عليهم النفاق فهجرهم وأمر المسلمين بهجرهم، حتى أمرهم باعتزال أزواجهم من غير طلاق خمسين ليلة، إلى أن نزلت توبتهم من السماء، وكذلك أمر عمر ـ رضي الله عنه ـ المسلمين بهجر صبيغ بن عسل التميمي، لما رآه من الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب إلى أن مضى عليه حول وتبين صدقه في التوبة فأمر المسلمين بمراجعته فبهذا ونحوه".["مجموع الفتاوى"(24/174)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

413- "رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها، والمظهرين للكبائر، فأما من كان مستتراً بمعصية أو مسراً لبدعة غير مكفرة، فان هذا لا يهجر وإنما يهجر الداعي إلى البدعة، إذ الهجر نوع من العقوبة وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولاً أو عملاً. وأما من أظهر لنا خيراً فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى، فإن غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله لما جاؤوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون".".["مجموع الفتاوى"(24/175)]

قال شيخنا العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ في أحد دروسه:

414- "الجمع بين أن المرحومين لا يختلفون مع وجود الاختلاف بين الصحابة، أعود لأؤكد على النقطة التي أريد التنبيه إليها: إن المرحومين لا يختلفون، لكن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانوا بلا شك مرحومين، فكيف يلتقي هذا مع ذاك الاختلاف الذي أشرنا إليه؟

نقول: الاختلاف قسمان: اختلاف هوى، واختلاف فهم، اختلاف تعصب، واختلاف تطلب للهدى. فإذا اختلف اثنان وكل منهما يسعى لمعرفة حكم الله ورسوله، ثم لم يتفقا فهذا لا ضير فيه، ولا شك أن الاتفاق خير من الاختلاف، مهما كان الاختلاف يسيراً وسهلاً وسمحاً، ولكن لا يمكن الاتفاق في كل مسألة بين عالمين، أو بين شقيقين، أو بين سلفيين، فهذا أمر مستحيل! لذلك يجب ألا نضيع وقتنا في تحقيق المستحيل، وإنما نصرف وقتنا في القضاء ما يمكن على الاختلاف، هذا هو واجبنا، وهذا هو تميزنا عن جماهير الناس الذين رضوا بالاختلاف وطبعوه بطابع الرحمة؛ ولذلك فهم لا يزالون مختلفين، ولم لا وهم يظنون أن الاختلاف رحمة، وأن الإنسان مخير بين أن يأخذ بهذا القول أو بهذا القول، أو بذاك أو بذاك؟ وكثير منهم يُصرحون بأن المذاهب الأربعة كشرائع أربع، فلكل شريعة وزنها، والإنسان مخير أن يأخذ بهذا أو بهذا أو بهذا! فأين ذهبوا بقول الله تبارك وتعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) ؟ فهذا الاختلاف مرفوض مردود مخالف للكتاب والسنة؛ لأنه اختلاف لا يرد إلى الكتاب والسنة كما في الآية السابقة، فالرضا بهذا التنازع خلاف الكتاب والسنة.

وهناك اختلافٌ لا بد منه، وسببه اختلاف نسبة العلم والفهم من زيد إلى عمرو؛ فلهذه الأسباب التي لا إمكان للإنسان أن ينجو منها وقع شيء من الخلاف بين الصحابة في فهمهم لبعض النصوص، ولكنهم إذا ما نُقِل إليهم أو عرض عليهم قول الله أو قول رسول الله، كان موقفهم كما قال تعالى:

415- (..وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(65) [النساء]

هذا هو الفرق بين المهتدين وبين الضالين، الذين يرضون بالخلاف وهم مأمورون برفع الخلاف ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً".

وعند تفسير قول الإمام الطحاوي:

416- "ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة".

قال ـ رحمه الله ـ:

417- "وليس من الشذوذ في شيء أن يختار المسلم قولا من أقوال الخلاف لدليل بدا له، ولو كان الجمهور على خلافه خلافاً لمن وهم، فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة دليل على أن كل ما عليه الجمهور أصح مما عليه مخالفوهم عند فقدان الدليل. نعم إذا اتفق المسلمون على شيء دون خلاف يعرف بينهم فمن الواجب اتباعه لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

وأما عند الاختلاف فالواجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فمن تبين له الحق اتبعه ومن لا استفتى قلبه سواء وافق الجمهور أو خالفهم، وما أعتقد أن أحداً يستطيع أن يكون جمهورياً،  في كل ما لم يتبين له الحق بل إنه تارة هكذا، وتارة هكذا، حسب اطمئنان نفسه وانشراح صدره وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ إذ قال:

418- "استفت نفسك وإن أفتاك المفتون".["صحيح الجامع"(948)]

 قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

419- "فالهرب الهرب، والنجاة النجاة! والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح".

وقال الآجري ـ رحمه الله ـ:

420- "رحم الله عبداً حذر هذه الفرق وجانب البدع، واتبع ولم يبتدع، ولزم الأثر، فطلب الطريق المستقيم، واستعان بمولاه الكريم".["الشريعة"(1/315)]

ومما تقدم تعلم أيها المؤمن البصير أن الصحابة كانوا يرون أن الخلاف شر، ويكرهونه أشد الكراهية، وينصاعون لأمر الله تعالى، وأمر نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ويعملون بنصوص الكتاب والسنة في منتهى التقوى والورع، فإن وقع بينهم خلاف فهو خلاف في الفهم، خلاف في التنوع، ومع هذا كانوا يرون الجماعة، لأن أي خلاف مهما صغر في عين المؤمن البصير لا بد أن يأخذه على محمل من الجدِّ والحكمة خشية أن يتوسع فيصير إلى التضاد ومن ثم إلى الفرقة، فكان الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ يرون أنهم مأمورون بنصوص الوحي برفع الاختلاف بينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فعن عبد الرحمن بن يزيد ـ على سبيل المثال ـ قال:

421- "كنا مع عبد الله بن مسعود بجَمْع، فلما دخل مسجد مِنى؛ سأل: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعاً. فصلى أربعاً. قال: فقلنا: ألم تحدِّثنا أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟! فقال. بلى، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إماماً، فما أخالفه، والخلاف شَرٌ".["صحيح أبي داود"(باب الصلاة بمنى 1712)]

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

422- "وهنا قد يرد سؤال وهو: إن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور ؟ وقد أجاب عنه ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ فقال في "الإحكام"(5/64-65):

423- " كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله، ووجهته الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجراً واحداً لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن، وكلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان، مقلداً عامداً للاختلاف، داعياً إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصداً للفرقة، متحرياً في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون".["الضعيفة"(1/77-78)]

واعلم أن الصحابة لم يختلفوا على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

424- "أبى الله والمؤمنون أن يُختلف عليك يا أبا بكر!".["الصحيحة"(690)]

وقال الإمام الصابوني ـ رحمه الله ـ:

425- "ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لديننا فرضيناه لدنيانا".["عقيدة السلف أصحاب الحديث"(فقرة:133)]

وقال النووي ـ رحمه الله ـ:

426- "أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر".["شرح النووي على صحيح مسلم"(12/206)]

وقال الصابوني ـ رحمه الله ـ:

427- "ثم خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ باستخلاف أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده.. ثم خلافة عثمان ـ رضي الله عنه ـ بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه، ثم خلافة علي ـ رضي الله عنه ـ ببيعة الصحابة إياه حين عرفه ورآه كل منهم ـ رضي الله عنه ـ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه".["عقيدة السلف أصحاب الحديث"(الفقرات:136و137و138)]

والخوارج الذين خرجوا على عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قاتلهم أمير المؤمنين ـ علي بن أبي طالب بمن معه من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

428- "وَاتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ سَلَفُ الأمَّةِ، وَأَئِمَّتُهَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي قِتَالِهِمْ كَمَا تَنَازَعُوا فِي الْقِتَالِ يَوْمَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ : قَوْمٌ قَاتَلُوا مَعَ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ، وَقَوْمٌ قَاتَلُوا مَعَ مَنْ قَاتَلَ، وَقَوْمٌ قَعَدُوا عَنْ الْقِتَالِ لَمْ يُقَاتِلُوا الْوَاحِدَةَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ. وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلا نَهَى عَنْ قِتَالِهِمْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ".["الفتاوى الكبرى"(3/536)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

429- "وقد ثبت اتفاق الصحابة على قتالهم ـ يعني الخوارج ـ وقاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ وذكر فيهم سنة رسول الله المتضمنة لقتالهم وفرح بقتلهم وسجد لله شكراً لما رأى أباهم مقتولاً ـ وهو ذو الثدية ـ بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين؛ فان علياً لم يفرح بذلك بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر ، ولم يذكر عن النبي فى ذلك سنة، بل ذكر انه قاتل باجتهاده".["مجموع الفتاوى"(20/395)] أما ما جرى من قتال الفتنة يوم الجمل فعن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما أتت الحوأب؛ سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لنا:

430- "أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب".["الصحيحة"(474)، والحوأب: ماء قريب من البصرة على طريق مكة]

فقال لها الزبير:

431- "ترجعين! عسى الله عز وجل أن يصلح بك بين الناس".

وفي رواية:

432- "فقال بعض من كان معها: بل تقدمين، فيراك المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم".

وقد أظهرت عائشة الندم، على أنها ما فعلت ذلك إلا متأولة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة والزبير قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

433- "قَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ:

434-  "لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ ممن بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ".["صحيح الجامع"(7680)]

وَأَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ العاص، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، هُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَهُمْ فَضَائِلُ وَمَحَاسِنُ. وَمَا يُحْكَى عَنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْهُ كَذِبٌ؛ وَالصِّدْقُ مِنْهُ إنْ كَانُوا فِيهِ مُجْتَهِدِينَ: فَالْمُجْتَهِدُ إذَا أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ يُغْفَرُ لَهُ".["مجموع الفتاوى"(4/431)]

وقال:

435- "فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ كَانُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمُقَاتِلَةِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ".[(4/433)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

436- "وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ الإمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالاسْتِغْفَارَ لِلطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا وَمُوَالاتَهُمْ ؛ فَلَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَسْكَرِ لَمْ يَكُنْ إلاَّ مُجْتَهِدًا مُتَأَوِّلاً كَالْعُلَمَاءِ، بَلْ فِيهِمْ الْمُذْنِبُ وَالْمُسِيءُ وَفِيهِمْ الْمُقَصِّرُ فِي الاجْتِهَادِ لِنَوْعِ مِنْ الْهَوَى لَكِنْ إذَا كَانَتْ السَّيِّئَةُ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مَرْجُوحَةً مَغْفُورَةً".

وقال:

437- "وَأَهْلُ السُّنَّةِ" تُحْسِنُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، لَكِنْ لا يَعْتَقِدُونَ الْعِصْمَةَ مِنْ الإقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ، وَعَلَى الْخَطَأِ فِي الاجْتِهَادِ إلاَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَنْ سِوَاهُ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الإقْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ وَالْخَطَأِ، لَكِنْ هُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

438- (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ..(16) [الأحقاف]

وَفَضَائِلُ الأعْمَالِ إنَّمَا هِيَ بِنَتَائِجِهَا وَعَوَاقِبِهَا لا بِصُوَرِهَا".[4/434)]