الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون - الفصل الحادي عشر-
الأربعاء | 17/11/2010 - 09:35 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ11/12/1431 الموافق 17/11/2010

وأعلم أيها المؤمن البصير أن المنافقين لعبوا ولا يزالون يلعبون أدواراً خسيسة لهدم دعوة الحق في كل زمان ومكان، ومن أساليبهم الخبيثة: الكذب، والمراوغة، والافتراء، والطعن، والتشكيك، وإثارة الفتن، والحرص على توسيع دائرة الخلاف بنقل خلاف التنوع إلى التضاد إن أمكنهم، أو بشحن خلاف التضاد ذاته ليأخذ منعطفات حادة، الغرض منها إشاعة الفوضى، والوصول في مجتمعاتهم إلى التشاحن، والتباغض، والتدابر، ومن ثم التقاتل، كيف لا والله تعالى حذَّرنا منهم بقوله:

439- (.. هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)  [المنافقون]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

440- " فهؤلاء (هُمُ الْعَدُوُّ) على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، (فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي: كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبيَّنت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا يفيدهم إلاَّ الخسار والشقاء".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

441- "إن كثيراً من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر".["الكيلانية"(ص:113)]

والذين خرجوا على عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ منافقون أرادوا عزله عن الخلافة، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

442- "يا عثمان! إن ولاّك الله هذا الأمر يوماً، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمَّصك الله؛ فلا تخلعه (يقول ذلك ثلاث مرات).

قال النعمان ـ يعني ابن بشير ـ فقلت لعائشة: ما منعك أن تعلمي الناس بهذا؟ قالت: أنسيته".["صحيح ابن ماجه"(90)]

وفي رواية:

443- "يا عثمان! إن الله مقمِّصك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني".["صحيح الجامع"(7947)]

فأصحاب الفتنة التي أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوقوعها قبل وفاته بقوله:

444- "إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً ـ أو قال: اختلافاً وفتنة ـ".["الصحيحة"(3188)] 

هم الذين سعوا أيضاً إلى إذكاء الفتنة يوم الجمل، قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ:

445- "وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي ـ رضوان الله عليه ـ ولا قصد علي ـ رضوان الله عليه قتالهم ـ، وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان ـ رضوان الله عليه ـ وإقامة حق الله تعالى فيهم، فأسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم، وكانوا أعداداً عظيمة يقربون من الألوف فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم".[الإحكام"(2/212)]

وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقال:

446- "فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة، فحملوا دفعاً عن أنفسهم، فظن علي أنهم حملوا عليه، فحمل دفعاً عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة ـ رضي الله عنها ـ راكبة لا قاتلت ولا أمرت بالقتال، هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار".["منهاج السنة"(2/185)]

ومعاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ لم ينازع ولم يقاتل علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ على الخلافة، فحاله حال عائشة وطلحة والزبير، لم ينكر أحداً منهم فضل علي ـ رضي الله عنه ـ واستحقاقه للخلافة، فعائشة وطلحة والزبير في يوم الجمل قصدوا الإصلاح بين المسلمين، فخشي قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ الإمساك بهم فجرى الذي جرى.

وما كان بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ إنما هو في شأن قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ. فمعاوية امتنع عن البيعة لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لأنه رأى أخذ القَود من قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ وكان علي ـ رضي الله عنه ـ يستمهله، قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ:

447- "ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أدَّاه إلى أن رأى تقديم أخذ القَود من قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان ... فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه، وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أن لهم أجراً واحداً وللمصيب أجرين".

وقال ـ رحمه الله ـ:

448- "وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فانه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله ولا بمحب له، فبالمقابل هو مأجور لإجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي ـ رضي الله عنه ـ وصحة أمانته وانه صاحب الحق، وان له أجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية ـ رضي الله عنه ـ ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجراً واحداً".[الفصل في الملل والنحل"(4/124-125)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

449- "ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصاً على أن لا يكون قتال".["منهاج السنة"(4/258)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

450- "وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا علياً ولا معاوية، وكان علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غُلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان في العسكرين مثل: الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على القتال، قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلي، وقوم ينفرون عنه".["منهاج السنة النبوية"(4/272-273)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

451- "ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيراً للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال قتال فتنة؛ ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيراً للطائفتين، مع أن علياً كان أولى بالحق، وهذا هو قول أحمد، وأكثر أهل الحديث، وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقى من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ، ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة،  فإنه قد ثبتت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم، وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكن مغفوراً فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضاً وذماً، ويكون هو في ذلك مخطئاً بل عاصياً، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر من تكلم في ذلك، فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله إما من ذم من لا يستحق الذم، وإما من مدح أمور لا تستحق المدح ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف".["منهاج السنة"(4/259)]

فالشاهد فيما هدفت إليه من البيان، أن نحذر من المبتدعة اشدَّ الحذر، فالمنافقون يبتدعون بدعاً، ويدخلون على الناس شبهاً يفسدون بها دينهم، كما فسد دين أهل الكتاب.

فلا بدَّ أن نحذر هذا الصنف من الناس؛ المنافقون المبتدعة، لأن من وقع في شبهاتهم، أو حيلهم، حمل ضلالهم وصار داعية لهم، وإذا جرحناه وقلنا "مبتدع" ثارت ثائرته، ومع هذا يرى أن جرحه بالابتداع أهون من جرحه بالنفاق!!، وما عرف الجاهل أنه صار فرخاً للمنافقين استعملوه فهو يروِّج بضاعتهم ويسوِّقها وقد باع دينه بعرض من الدنيا قليل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

452- "فَإِذَا كَانَ أَقْوَامٌ مُنَافِقُونَ يَبْتَدِعُونَ بِدَعًا تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَيُلْبِسُونَهَا عَلَى النَّاسِ وَلَمْ تُبَيَّنْ لِلنَّاسِ: فَسَدَ أَمْرُ الْكِتَابِ وَبُدِّلَ الدِّينُ؛ كَمَا فَسَدَ دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّبْدِيلِ الَّذِي لَمْ يُنْكَرْ عَلَى أَهْلِهِ".

وقال ـ رحمه الله ـ:

453- "وَإِذَا كَانَ أَقْوَامٌ لَيْسُوا مُنَافِقِينَ لَكِنَّهُمْ سَمَّاعُونَ لِلْمُنَافِقِينَ: قَدْ الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ حَتَّى ظَنُّوا قَوْلَهُمْ حَقًّا؛ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَصَارُوا دُعَاةً إلَى بِدَعِ الْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

454- (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ .. (47) [التوبة]

باقي- الفصل  الحادي عشر- من هنا