الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الثاني عشر-
الأحد | 21/11/2010 - 08:10 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ14/12/1431 الموافق 20/11/2010

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

499- "فَلا بُدَّ فِي الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبَةِ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ نَوْعِ تَنَازُعٍ لَكِنْ لا بُدَّ فِيهِمْ مِنْ طَائِفَةٍ تَعْتَصِمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَنَازُعٌ وَاخْتِلافٌ لَكِنَّهُ لا يَزَالُ فِي هَذِهِ الأمَّةِ طَائِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْحَقِّ لا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا وَلا مَنْ خَذَلَهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".["مجموع الفتاوى"(4/167)]

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

500- "فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه، وفقها في سنة رسوله، وفهما في كتابه، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط؛ فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه؛ كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه محمد ـ عليه السلام ـ.

فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه، فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله؛ فهو:

-      غريب في دينه؛ لفساد أديانهم.

-      غريب في تمسكه بالسنة؛ لتمسكهم بالبدع.

-      غريب في اعتقاده؛ لفساد عقائدهم.

-      غريب في صلاته؛ لسوء صلاتهم.

-      غريب في طريقه؛ لضلال وفساد طرقهم.

-      غريب في نسبته؛ لمخالفة نسبهم.

-      غريب في معاشرته لهم؛ لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم.

وبالجملة فهو:

غريب في أمور دنياه وآخرته، لا يجد من العامة مساعداً ولا معيناً. فهو:

-      عالم بين جهّال، صاحب سنة بين أهل بدع.

-      داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع.

-       آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف!!"["مدارج السالكين"(3/199-200)]

وفي مقال لي بعنوان:

501- "من كان على الصفاء كان من الغرباء".[تاريخ 3/3/1429 الموافق 12/3/2008]

قلت:

502- "فالغرباء وصف سماه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لأنصاره الحريصون كل الحرص على اتباعه، وإحياء سننه. وقد عرَّفهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله أنهم:

503- "من نزّاع القبائل".["الصحيحة"(3464)]

وأنهم:

504- "الذين يَصْلُحون إذا فسد الناس".["الصحيحة"(1273)]

وأنهم:

505- "أناس صالحون قليل، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".["صحيح الجامع"(3921)]

والسؤال بعد هذا البيان: ما أصل هذه الغرابة؟ ومن أين جاءت؟ الجواب: إنها جاءت من محبتهم لله، ومحبتهم لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وجاءت من اتباعهم لمنهج النبوة والسلف، وجاءت من محبتهم للحق وإيثاره على أنفسهم، وجاءت هذه الغرابة لأن قلوبهم صافية نقية سليمة، ليس فيها شائبة باطل، ولا خلق ذميم، وليس فيها شيء من اتباع الهـوى".

فالشاهد أن الغرباء يخالَفون ولا يُطاعون!! لماذا؟ لأن الكثرة انحازت إلى الباطل أو إلى جزء منه عناداً بداعي الهوى، بينما القلة هي التي انتصرت للحق كله وانحازت إليه بداعي التمسك بالسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

506- "فَظَهَرَ أَنَّ سَبَبَ الاجْتِمَاعِ وَالألْفَةِ جَمْعُ الدِّينِ وَالْعَمَلُ بِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا أَمَرَ بِهِ بَاطِنًا، وَظَاهِرًا. وَسَبَبُ الْفُرْقَةِ: تَرْكُ حَظٍّ مِمَّا أُمِرَ الْعَبْدُ بِهِ، وَالْبَغْيُ بَيْنَهُمْ".["مجموع الفتاوى"(1/17)]

قال الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ:

507- "هذا هو الواجب الدخول في الإسلام كله وليس ببعضه، قال تعالى:

508- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً..(208) [البقرة]

يعني في الإسلام، ويقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)، ويقول جل وعلا:

509- (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا..(151) [النساء]

فالواجب هو الدخول في الإسلام كله. يعني: الواجب أن يلتزم المسلم في الإسلام كله: صلاة وزكاة وصياماً وحجاً وجهاداً، ما يقول بس أنا أصلي ولا أزكي، أزكي ولا أصوم، لا؛ يجب أن يلتزم بالإسلام كله. يعني : ليلزم الحق ويستقيم عليه ما سار عليه الصحابة وأتباعهم بإحسان، وأن يحذر أقوال أهل البدع والفرقة والاختلاف (ثنتان وسبعون فرقة كلها في النار) ما بين كافر وما بين مبتدع وفاسق، لكن أهل السنة والجماعة هم الذين ساروا على نهج الصحابة واستقاموا على الدين فهؤلاء لهم الجنة والكرامة. أما بقية الفرق فيهم الكافر والمبتدع، وفيهم المخالف للشرع الذي لم يلتزم بالحق.["شرح كتاب فضل الإسلام"(ص:23)]

وقال العلامة الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

510- "فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وتصير السنة بدعةً، والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف، كما كان أولاً يقام على أهل البدعة طمعاً من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعاً، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم، لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم".["الاعتصام"(1/7)]

وقال الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ:

511- "فيجب الحذر وعدم الطمأنينة لرأي فلان ورأي فلان، حتى تعلم الدليل من الكتاب والسنة. هذا فيه الحث على الاستقامة في الغربة، وأنه ينبغي للمؤمن أن يستقيم ويحرص على الاستقامة عند غربة الناس، ولا يغتر بكثرة الهالكين".["شرح كتاب فضل الإسلام"(ص:31)]

وقال:

512- "هؤلاء هم الغرباء الذين يَصْلُحون عند فساد الناس، ويُصْلِحون ما أفسد الناس، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتمسكون بالقرآن حينما يتركه الناس".["شرح كتاب فضل الإسلام"(ص:32)]  

513- "بَدَأَ الإسلام غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ".["صحيح الجامع"(1580)]

فالغرباء هم: أهل الصلاح والاستقامة وتنفيذ الأوامر والدعوة إلى الله عند فساد الزمان وتغير أهله".["شرح كتاب فضل الإسلام"(ص:32)]

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

514- "لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله، لا يضرها من خالفها".["الصحيحة"(1962)]

قال الأوزاعي ـ رحمه الله ـ:

515- "أما إنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد".["كشف الغربة"لابن رجب(ص:7)]

فالغرباء الذين ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوصافهم، قوّامون على أمر الله لا يضرّهم مخالفة من خالفهم، ولا خذلان من خذلهم، لأنهم متمسّكون بالسنة، ظاهرون على الحق، فهم أحق بنصر الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في كتابه "الجواب الصحيح" (2/179):

516- "فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسله كان أحق بنصر الله تعالى فإن الله يقول في كتابه:

517- "إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ (51) [غافر]

وقال في كتابه:

518- (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) [الصافات]

وقال الحرالي:

519- "والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون لغير المحق الظَّفَرُ والانتقام". ["نظم الدرر" للبقاعي (2/1)]

وقد عاش الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ الغربة بين أقوامهم بحذافيرها، وكذلك لا بد من هذه الغربة لمن تمسك بعدهم بدينهم ومنهجهم ولم ينحاز عنه قِيد أنملة، أو قِيد شعرة.