الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الثالث عشر-
الأربعاء | 01/12/2010 - 07:45 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ25/12/1431 الموافق 01/12/2010

والغرباء هم الوسيط في الأمة، وهم العدول، لأنهم خير الأمة، فليسوا بالغلاة الذين تجاوزوا الحدَّ في اتباع الحق، ولا بالجفاة الذين تركوا العمل به، فللغرباء الحظ الأوفر في الأمة من الخير والوسطية والعدالة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

520- "ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقاً على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف، من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ،.. كما لم يكن في الأمم أعظم اجتماعاً على الهدى وأبعد عن التفرق والاختلاف من هذه الأمة، لأنهم أكمل اعتصاماً بحبل الله الذي هو كتابه المنزَّل وما جاء به من نبيه المرسل، وكل من كان أقرب إلى الاعتصام بحبل الله وهو اتباع الكتاب والسنة كان أولى بالهدى والاجتماع والرشد والصلاح، وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة، واعتبر ذلك بالأمم، فأهل الكتاب أكثر اتفاقاً وعلماً وخيراً من الخارجين عن الكتب، والمسلمون أكثر اتفاقاً وهدى ورحمة وخيراً من اليهود والنصارى، فإن أهل الكتابين قبلنا تفرَّقوا وبدَّلوا ما جاءت به الرسل، وأظهروا الباطل وعادوا الحق وأهله، وإنه وإن كان يوجد في أمتنا نظير ما يوجد في الأمم قبلنا .. لكن أمتنا لا تزال فيها طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة، ولهذا لا يسلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيجتاحهم .. ومن قبلنا كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة ظاهرة منصورة ولهذا كان العدو يسلط عليهم فيجتاحهم، كما سلِّط على بني إسرائيل وخرب بيت المقدس مرتين، فلم يبق لهم ملك، ونحن ـ ولله الحمد ـ لم يزل لأمتنا سيف منصور يقاتلون على الحق فيكونون على الهدى ودين الحق الذي بعث الله به الرسول فلهذا لم نزل ولا نزال".["منهاج السنة النبوية"(6/242-244)]

وفي مقال لي بعنوان:  

521- "الوسطية دين الله ـ عز وجل ـ".[الأول من شوال 1427 الموافق 23/10/2006 (منشورات الدعوة السلفية رقم:(72) جديد]

قلت:

522- "فلا غلوَّ ولا تقصير، ولا إفراط ولا تفريط، ولا تطرف ولا تضييع، ولا تهاون ولا تمييع. والوسطية من أعظم خصائص المنهج الرباني النبوي السلفي. ولا يحتكم إليها إلا الذي فهم الإسلام فهماً صحيحاً شاملاً، لذلك أكد العلماء على أهمية فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

إن السبب الرئيس في الانحراف عن الصراط المستقيم هو ترك تعاليم دين الله الإسلام، والناتج المؤسَفُ له بسبب الانحراف؛ البعد عن الوسطية إلى أن تصير  الأمور إلى اختلاط الأوراق، واضطراب الأفكار، والبعد عن الهدى. والدخول في جُحر الضَّب الذي حذر منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، الذي يكون على إثْرِه الشقاق، والنزاع، ووقوع أصناف العذاب؛ منها القتل، والقذف، والخسف ، والمسخ ... وغير ذلك، نسأل الله أن يعيذنا منها، ومما صار إليه أهل الكتاب من الضلال".

وفسَّر الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) فقال:

523- "وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم (وسط)؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوٍّ فيه، غلوّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدّلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

524- "وَاَللَّهُ تَعَالَى مَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِأَمْرِ إلاَّ اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ لا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفِرَ: إمَّا إفْرَاطٌ فِيهِ وَإِمَّا تَفْرِيطٌ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الإسْلامُ الَّذِي هُوَ دِينُ اللَّهِ لا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ قَدْ اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ؛ حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ شَرَائِعِهِ؛ بَلْ أَخْرَجَ طَوَائِفَ مِنْ أَعْبَدْ هَذِهِ الأمَّةِ وَأَوْرَعِهَا عَنْهُ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ. وَأَمَرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ مِنْهُ".["مجموع الفتاوى"(3/381)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

525- "وما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أصحابه على طريقة أهل البدع من أهل الكلام والرأي، ولا على طريقة أهل البدع من أهل العبادة والتصوف، بل كان على ما بعثه الله من الكتاب والحكمة".["منهاج السنة النبوية"(5/299)] وفسَّر الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ (الوسط) في "كتاب الأنبياء" من "صحيحه" بالعدل. وقال الإمام نصر بن إبراهيم المقدسي ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى:

526- (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ..(143) [البقرة]

527- "وإذا أخبر الله تعالى أن الأمة عدل لم يجز إجماعهم على الضلالة، لأنه لا عدالة مع الضلالة، ولأن الله تعالى جعلهم شهداء على الناس. والشاهد إذا قال قولاً وجب قبوله والعمل به، ثم أكّد حالهم بقوله:

528- (..وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..(143) [البقرة]

أي يكونوا شهداء كما يكون الرسول شهيدا".["مختصر الحجة على تارك المحجة"(ص:143)]

وفسَّر الإمام البخاري (الوسط) في كتابه "خلق أفعال العباد" (صفحة:61) بقوله:

529- "هم الطائفة التي قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

530- "وأهل السنة في الإسلام، كأهل الإسلام في الملل، وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون، وإنما يضلهم علماؤهم، فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على هدى، وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤهم خيارهم، وكذلك أهل السنة أئمتهم خيار الأمة، وأئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب، ولهذا أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقتل الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة، وأولئك لهم نهمة في العلم والعبادة، فصار يعرض لهم من الوساوس التي تضلهم  ـ وهم يظنونها هدى فيطيعونها ـ ما لا يعرض لغيرهم. ومن سلم من ذلك منهم كان من أئمة المتقين مصابيح الهدى، وينابيع العلم".["مجموع الفتاوى"(7/284-285)]

وقلت في "الوسطية دين الله عز وجل":

531- "فكما أن أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير الأمم وأوسطها، فكذلك الطائفة الناجية، أهل السنة والسلف، وسط في سائر الفرق والطوائف من أهل القبلة، فإنهم ولله الحمد على الصراط المستقيم لا يميلون عنه إلى إفراط أو إلى تفريط، كما فعل غيرهم من الفرق والطوائف الأخرى. فكما وقع في أهل الكتاب إفراط وتفريط حذّر الله منه، وبيَّن خطورته نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقع أيضاً في فرق المسلمين إفراط وتفريط لأنهم ابتعدوا عن الجادة وانحرفوا عن هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ".["الوسطية دين الله عز وجل]

ومما بيَّنته في "الوسطية":

532- "أن الفرقة الوسط المفضلة الناجية خير الفرق لأنها على منهاج النبوة والسلف، والمبتدعة من أهل القبلة ليسوا من أهل السنة والجماعة، لأنهم ليسوا على منهاج النبوة والسلف. وأن الفرقة الوسط منصورة لأنهم ظاهرين على الحق، فهم أحق الناس بالوسطية، لأنهم ليس لهم متبوع إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وهذا يقتضي أنهم علماء فقهاء بدين الله، لأن القرآن وهو كلام الله بحاجة إلى السنة، ولا تعرف السنة إلا بالعلم، ولا يكون العلم إلا بالإسناد الصحيح".

قال الحاكم ـ رحمه الله ـ:

533- "لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد".

وان الفرقة الوسط عدول بنص الكتاب والسنة، قال الحافظ ابن حجر:

534- "وأما قوله ـ يعني الإمام البخاري بعد الآية (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وما أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم، فمطابقته لحديث الباب خفية، وكأنه من جهة الصفة المذكورة وهي العدالة لما كانت تعم الجميع لظاهر الخطاب، أشار إلى أنها من العام الذي أريد به الخاص، أو من العام المخصوص، لأن أهل الجهل ليسوا عُدولاً وكذلك أهل البدع، فعرف أن المراد بالوصف المذكور هم أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم الشرعي. ومن سواهم ولو نسب إلى العلم فهي نسبة صورية لا حقيقية".["الفتح"(13/316)]

قال وكيع ـ رحمه الله ـ:

535- "أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم".["ذم الكلام" للهروي (338)]

وأن الفرقة الوسط الناجية متفقون ولله الحمد والمنة، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قلَّ. قال أبو الحسنات اللكنوي ـ رحمه الله ـ:

536- "ومن نظر بنظر الإنصاف وغاص في بحار الفقه والأصول، متجنباً عن الاعتساف، يعلم علماً يقينياً: أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم. وإني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول المحدثين فيها قريباً من الإنصاف، فلله درّهم، وعليه شكرهم! كيف لا، وهم ورثة النبي حقاً، ونواب شرعه صدقاً، حشرنا الله في زمرتهم وأماتنا على حبهم وسيرتهم".["إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام (ص:228)]

وفي مقال لي بعنوان:

537- "العدل والإنصاف من خصائص أهل السنة والجماعة".[جمادى الأولى 1425 الموافق 18/06/2004 (منشورات الدعوة السلفية رقم:(53) جديد]

قلت:

538- "وحُكْم أهل السنة على أهل البدع أنهم أهل أهواء؛ حكم كله عدل وإنصاف لأنه قائم على الدليل من الكتاب والسنة، قال تعالى:

539- (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ...(50)[القصص]

ومن المعلوم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يتكلم عن هوى قال تعالى:

540- (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(4) [النجم]

والله تعالى أمر نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإقامة العدل وعدم اتباع الهوى وهو تشريع لأمته فقال:

541- (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ..(15)[الشورى]

فدل الله تعالى في الآية على أن مخالفة الكتاب والسنة؛ اتباع للهوى. وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

542- "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا".["الصحيحة"(1802)]

وأول جرم اقترفه أهل الأهواء: الابتداع وهو الإحداث في الدين، فأحدثوا على إثره الفرقة في المسلمين، وقد برأ الله عز وجل نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما هم فيه، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) وحذَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عظيم اتباع الأهواء، قال معاوية:

543- "يا معشر العرب!! والله لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به، إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام فينا يوماً فذكر أن أهل الكتاب قبلكم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهـواء".["ظلال الجنة"(69)]

وسبب قصور أكثر الخلق عن تحقيق معنى الوسطية هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: 

544- "الإنسان فيه ظلم وجهل، فإذا غلب عليه رأي أو خلق؛ استعمله في الحق والباطل جميعاً، لم يحفظ حدود الله، ولهذا يأمر الله بحفظ حدوده".

وقال ـ رحمه الله ـ:

545- "وفي الإنسان قوَّتان: قوة الحب، وقوة البغض، وإنما خلق ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله، ويبغض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه".["مجموع الفتاوى"(2/321-322)]

وقد عقد الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ فصلاً في كتابه "الفوائد" بيَّن فيه الضابط للأخلاق من: غضب، أو حرص، أو حسد، أو شهوة، أو راحة، أو جود، أو شجاعة، أو غيرة، أو تواضع، أو عز. فقال:

546- "وضابط هذا كله: العدل".

ثم قال:

547- "فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات؛ معرفة وفعلاً".["الفوائد"(ص:141)]

لذا جاءت أحكام أهل البدع على مخالفيهم من أهل الحق والعدل؛ أهواء، حتى بلغ الأمر فيهم أن كفَّروا مخالفيهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

548- "والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفّرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يكفِّر فسَّق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأياً ويكفّرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يكفّرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق كما وصف الله به المسلمين بقوله:

549- (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..(110) [آل عمران]

قال أبو هريرة:

550- "كنتم خير الناس للناس".[أخرجه البخاري]

وأهل السنة نقاوةَ المسلمين، فهم خير الناس للناس".["منهاج السنة النبوية"(5/103)]