الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون - الفصل الرابع عشر-
السبت | 04/12/2010 - 10:01 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ27/12/1431 الموافق 03/12/2010

والوسطية هي الصراط المستقيم والإخلاص لله فيه، وهي من أول المسائل العقدية المهمة لنبذ الاختلاف، لذا جعل الله تعالى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم (الوسطية) في مطلع ما نسأله إياه، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

551- "العبد مضطر دائماً إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، فهو مضطر إلى مقصود الدعاء، الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر الصلوات".["مجموع الفتاوى"(22/399)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

552- "والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة، مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائماً في أن يهديهم الصراط المستقيم، فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين قال سهل بن عبد الله التستري:

553- "ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار".["أمراض القلوب"(ص:12)]

وقال:

554- "فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلا به، فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم، أو الضالين".["مجموع الفتاوى"(22/399)]

وقد ابتليت أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما وقع لأهل الكتاب من اليهود (المغضوب عليهم) والنصارى (الضالين) فمن انحرف منهم عن الصراط المستقيم فإلى شعبة من شعب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى.

وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

555- "وبين اليهود والنصارى غاية التنافر والتباغض، وكذلك بين أهل الكلام والرأي وبين أهل التصوف والزهد تنافر وتباغض. هذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً".["دقائق التفسير"(2/146)]

قال ـ رحمه الله ـ:

556- "الصراط المستقيم: هو أقرب الطرق إلى المطلوب، بخلاف الطرق المنحرفة الزائفة، فإنها إما أن لا توصل، وإما أن توصل بعد تعب عظيم وتضييع مصالح أخر".["درء تعارض العقل والنقل"(4/143)]

والعلم بالوسطية (الصراط المستقيم) من أنفع العلوم للعبد على الإطلاق، لأن الله تعالى جعل أمره روحاً ونوراً وهدى، قال تعالى:

557- (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) [الشورى]

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

558- "ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره".["اجتماع الجيوش الإسلامية"(ص:5)]

فمن الضروري لئلا تزل قدم العبد وينحرف عن الوسطية فيدخل دائرة البدعة والابتداع، والخلاف والاختلاف أن يتمسك بالحق الذي نزل في كتاب الله تعالى وبيَّنه النبي المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال تعالى لنبيه محمد ـ عليه السلام ـ:

559- (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)  [الزخرف]

والشيطان أقسم فقعد في طريق ابن آدم لغوايته فقال:

560- (..لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) [الأعراف]

فلا بدَّ من الحذر، لأن إبليس ومن سار بدربه من شياطين الإنس والجن أعطوا من قوة الإغواء ما يستطيعون به استدراج المغفّلين إلى سبل أهل الأهواء والضلالة؛ بعد أن تركوا الوسطية وحادوا عن الصراط المستقيم بمحض إرادتهم مختارين بعد علم.

فمقعد الشيطان ليس في سبل الأهواء والضلالة، لأنهم صاروا من أتباعه، بل مقعده بنص الآية في الصراط المستقيم في طريق الوسطية فإذا خرج المغفّل عن الوسطية فسقط سعى الشيطان محاولاً إسقاط غيره.

لذا كان من دعاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

561- "يا ولي الإسلام وأهله، مسّكني بالإسلام حتى ألقاك عليه".["الصحيحة"(1823)] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

562- "فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا".["اقتضاء الصراط المستقيم"(ص:301)]

فلا يبالي الشيطان بعد استدراجه للمغفَّل أن يصير إلى الإفراط، أو إلى التفريط، وفي "الكشاف":

563- "أن في هذه الآية دليلاً على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة والسعادة ويحصلهما لنفسه، وليس من الله تعالى إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين".  

قال ابن بطة العكبري ـ رحمه الله ـ:

564- "فالله الله معاشر المسلمين، لا يحملنَّ أحداً منكم حسنُ ظنه بنفسه وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول: أُداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجَرَب، وأحرق للقلوب من اللهب. ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبُّونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم".["الإبانة الكبرى"(2/470)]

وفي رسالة لي بعنوان:

565- "تبصير المسلمين إلى الصراط المستقيم".[الطبعة الأولى عام 1416 الموافق 1995]

قلت في مقدمتها:

566- "ومحن المسلمين اليوم كثيرة لا مجال هنا لحصرها أو الكلام عنها، لكنني أحببت هنا في هذه الرسالة أن أبيِّن خطاً ـ طريقاً ـ يصحح مسار كثير منهم، خطّاً رسمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثمَّ قال:

567- "هذا صراط الله مستقيماً".[أخرجه النسائي في التفسير]

ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطّ خطوطاً أخرى عن يمين هذا الخط وعن شماله؛ وقال:

568- "هذه سبل على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه".[أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما]

وفي رواية: قال يزيد بن هارون ـ رحمه الله ـ:

569- "متفرقة".[أخرجها الإمام أحمد في المسند]

قال ابن عطية:

570- "وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد".[نقله القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(7/138)]

وقلت في رسالتي:

571- "وكأني بالخط المستقيم أرى الخطوط متعوِّجة متعرجة لا تأتي بالمقصود، غاياتها بعيدة المنال، بعيدة عن الجنة، ضيقة حشرة، متفرقة مظلمة".

وقلت:

572- "فمخالفة أمر الله تعالى والانحراف عن هذا الخط الذي رسمه لكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعني: انتهاج مسالك أهل الخلاف على الله وعلى رسوله، والابتعاد عن جادة التقوى التي وصّاكم رب العالمين اتخاذ أسباب التعقّل فيها".

قال أبو العالية ـ رحمه الله ـ:

573- "تعلَّموا الإسلام، فإذا تعلَّمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يميناً ولا شمالاً0 وعليكم بسنَّة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإيَّاكُم وهذه الأهواء التي تُلْقي بين الناس العداوة والبغضاء".["شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"(17)]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

574- "والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور الخبرية والعلمية الاعتقادية والعملية، مع أنهم كلهم متفقون على أن محمداً حق، والقرآن حق، فلو حصل لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا، ثم الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه و لا يحتذون حذوه، فلو هدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه".["أمراض القلوب"(ص:12)]

وقلت في رسالتي:

575- "أما من لم ينتفع بما جاء به العلم النافع ولم يخضع نفسه له بل حاد عنه وانساق تبعاً طمعاً وحسداً وعناداً واستكباراً؛ فإنه يكون بذلك أخرج نفسه عن الصراط المستقيم، فإن كان علم ولم يستقم فكأنه لم يعلم، ولا يمكن أن يسمّى بذلك عالماً. لذلك كان قول الله تعالى:

576- (..وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) [الجاثية]

لأنهم لو علموا وعملوا بما علموا واستنكروا الهوى لكانوا يعلمون؛ فالله تعالى بذلك نفى عنهم العلم النافع واتباع ما قال الله وقال رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال تعالى:

577- (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) [الروم]

وهذه عاقبة المتفرقين المبتعدين عن الخط المستقيم أنه ما لهم من ناصرين".

والعجيب من أمر فرق أهل الأهواء والضلالات أن كل طائفة منها تدّعي أنها على الصراط المستقيم!! وهيهات هيهات، وما سبب هذا الادّعاء إلا لأنهم جمعوا بين العمى والصم، قال تعالى:

578- (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) [المائدة]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

579- "وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب: وهو أنهم عموا عن الحق، وصمّوا فلا يسمعون حقاً ولا يهتدون إليه".

فهؤلاء الذين سقطوا في أوحال الحزبية وأهل الأهواء والبدع والضلالات بمحض إرادتهم بعد العلم والبيان كما قال تعالى:

580- (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ..(17)  [فصلت]

قعدوا ـ بعد سقوطهم  المقرف ـ قعود المطمئن !! المتمكّن !! يعني: قعود الشياطين في طريق أهل الاستقامة، فشرعوا في تنفيذ غايتهم الجديدة وهي إفساد من بقي ثابتاً على الحق، كما قال تعالى في المنافقين:

581- (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ..(89) [النساء]

وروي عن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قوله:

582- "ودّت الزانية أن النساء كلهن زوان". [كتاب الأمثال (ص:93)]   

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

583- "فمبتدعة أهل العلم والكلام طلبوا العلم بما ابتدعوه ولم يتبعوا العلم المشروع ويعملوا به، فانتهوا إلى الشك المنافي للعلم، بعد أن كان لهم علم بالمشروع، لكن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم وكانوا مغضوباً عليهم.

ومبتدعة العباد طلبوا القرب من الله بما ابتدعوه في العبادة فلم يحصل لهم إلا البعد منه فإنه ما ازداد مبتدع اجتهاداً إلا ازداد من الله تعالى بعداً، والبعد عن رحمته هو اللعنة وهو غاية النصارى".["منهاج السنة النبوية"(5/114)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

584- "أهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع الأمور فهم في علي ـ رضي الله عنه ـ وسط بين الخوارج والروافض، وكذلك في عثمان ـ رضي الله عنه ـ وسط بين المرواينة وبين الزيدية، وكذلك في سائر الصحابة وسط بين الغلاة فيهم والطاعنين عليهم، وهم في الوعيد وسط بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة، وهم في القدر وسط بين القدرية من المعتزلة ونحوهم، وبين القدرية المجبرة من الجهمية ونحوهم، وهم في الصفات وسط بين المعطلة وبين الممثلة، والمقصود أن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا ينفردون عن سائر طوائف الأمة إلا بقول فاسد، لا ينفردون قط بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر".["منهاج السنة النبوية"(5/116-117)]