لا يضرهم من خذلهم!!
الأربعاء | 06/08/2008 - 08:32 صباحاً

لا يضرهم من خذلهم!!

إعداد: هشام بن فهمي العارف

باب الدعوة السلفية مفتوح على مصراعيه للجميع، فلا أحد على بابها يمنع من دخولها، لأنها دعوة رب العالمين، ودعوة الأنبياء والمرسلين، ودعوة الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ والتابعين، ولا شك أن من أحب الانتساب للدعوة السلفية حقاً فهو في الطائفة المنصورة، في الطائفة التي وصفها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". ["الصحيحة" (1957)]

وفي رواية: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة". ["الصحيحة" (403)]

وفي رواية: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة". ["صحيح الجامع" (7292]

وفي "صحيح سنن ابن ماجه" (9) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: قام معاوية خطيباً فقال: أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرون على الناس لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم". ["صحيح سنن ابن ماجه" (9)]

فالسلفيون ـ ولله الحمد ـ ظاهرون على الناس لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم، لأن غايتهم واضحة وهي نيل مرضاة الله، والثبات على سبيله للقيام بوظيفة الأنبياء في الدعوة إلى الله على بصيرة، وهم في ابتلاء مستمر، ومعرَّضون للفتن مثل غيرهم، فمنهم من يثبت ومنهم الخاذل، والخاذل ضد الناصر. فإن تخاذل أحدهم فإنهم لا يبالون لخذلانه، لأنهم منصورون بالله لما فيهم من الخير.  

وخذله خذلاً وخذلاناً: ترك نصرته وكان يظن به أن ينصره. لذلك، قيل: خذلت الظبية وغيرها: إذا تخلَّفت عن صواحبها أو تخلَّفت فلم تلتحق، وتخاذلت رجلاه: ضعفتا. [غريب الحديث للحربي، وبصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي]

وفي "تهذيب اللغة": قال الليث: تقول: خذل يخذل خذلاً وخذلانا، وهو تركك نصرة أخيك. وخذلان الله ـ تعالى ـ للعبد: ألا يعصمه من السيئة فيقع فيها.

وفي "صحيح سنن الترمذي" باب "ما جاء في الأئمة المضلين" عن ثوبان قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"، قال: وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله".

وهذا يدل على أن المنتسب للدعوة السلفية معرض للابتلاء في كل حين، فهو بحاجة إلى ربه، مفتقر إليه، لأجل الثبات على الصراط المستقيم، فلا يجوز له أن يغتر مهما ارتفع شأنه وعلا كعبه، فإن وفِّق للثبات ـ فهذا من فضل الله عليه ـ وإن خذل فعليه خذلانه، لا يضر خذلانه من استقام على الجادة.

والثبات على منهاج النبوة والسلف مطلوب، ومطلوب من السلفي أينما حلَّ، أو ارتحل، أن يثبت على ما هو عليه بسبب ما أنعم الله عليه من الهدى والاستقامة، وأن يكثر من ذكر الله ـ تعالى ـ لقوله ـ عز وجل ـ في سورة الأنفال: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)، ومعلوم أن السلفيين يلاقون خصومهم في كل لحظة، لأنهم ـ أي خصومهم ـ يتعقبونهم ليخرجوهم إلى الضلال بعد إذ هداهم الله، وهذا يحتاج إلى ردِّهم وقتالهم بالحجة أولاً، التي من وسائلها القلم واللسان، وهذا النوع من القتال أشد شراسة من القتال الذي هو القتال بالسنان، لأن النصر لا يكون إلا بتحقيق الأول ولا يلزمه الثاني في كثير من الأحوال. ولقد انتصر الأنبياء في كثير من المواطن بالحجة والاستقامة ولم يلزمهم استعمال السيف، ولو أذن الله لهم باستعماله كان مذللاً ليس فيه من الصعوبة للذي في الأول، لذا جاء مدح الطائفة المنصورة من هذا الباب بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله". ["الصحيحة" (1958)]

والثبات في الجهاد على كل الأصعدة محتاج إليه السلفي، وهو مفتقر فيه إلى ربه في كل لحظة، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكثر من قوله: "يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك"، قالت أم سلمة: قلت يا رسول الله: ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قال يا أم سلمة: "إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ" فتلا معاذ (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا).    

والناظر إلى مسيرة الدعوة السلفية يجد كمَّاً ممن انتسب إليها لم يفلح الفلاح المطلوب، أو أنه لم يستمر على الفلاح المعهود، ذلك لأن أهلها في الطليعة، لشدة محنهم، وصعوبة امتحانهم، لذا فأفرادها مميزون عن غيرهم بالولاء الخالص لله ـ تعالى ـ، وصدق الاتباع للنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فمن أضر بالإخلاص، أو أخلف في الاتباع خَذَل، وعليه فإن السلفيين أكثر الناس افتقاراً لله ـ تعالى ـ لأنهم من أكثر الناس حاجة للثبات على هذه النعمة العظيمة. والنعمة العظيمة أنهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة الظاهرة على الحق، فهم أفضل المسلمين لأنهم أكثرهم أهلية للدفاع عن دين الله ـ عزوجل ـ.

قَالَ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ يَسِيرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: شَيَّعْنَا اِبْنَ مَسْعُودٍ حِينَ خَرَجَ فَنَزَلَ فِي طَرِيقِ الْقَادِسِيَّةِ فَدَخَلَ بُسْتَانًا فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ وَإِنَّ لِحْيَتَهُ لَيَقْطُرُ مِنْهَا الْمَاءُ، فَقُلْنَا لَهُ: اِعْهَدْ إِلَيْنَا، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ وَقَعُوا فِي الْفِتَنِ، وَلا نَدْرِي هَلْ نَلْقَاك أَمْ لا، قَالَ: اِتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلالَةٍ . ["تحفة الأحوذي" (5/458)]

وقد نقل شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ عن الخطيب البغدادي في "الصحيحة" (1/269) وصف الطائفة المنصورة فكان مما قاله: "وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، و كل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمهم الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، و لا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير".

إلى أن قال: "فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين، و صرف عنهم كيد العاندين، لتمسكهم بالشرع المتين، و اقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى. قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، و حرسوا سنته حفظاً ونقلاً، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، و الله ـ تعالى ـ يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها، و القوَّامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها، فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون".

ولقد كان للعلماء السلفيين مواقف قوية في الثبات على الحق، فما تخاذلوا ولا تراجعوا القهقرى، فانظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو يكتب عن الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ فيقول: "الإمام أحمد صار مثلاً سائراً يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق وأنه لم تكن تأخذه في الله لومة لائم حتى صار اسم الإمام مقروناً باسمه في لسان كل أحد، فيقال: قال الإمام أحمد، هذا مذهب الإمام أحمد، لقوله ـ تعالى ـ: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) فإنه أعطي من الصبر واليقين ما يستحق به الإمامة في الدين.

 وقد تداوله ثلاثة خلفاء مسلطون من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين، والقضاة، والوزراء، والسعاة، والأمراء، والولاة، من لا يحصيهم إلا الله، فبعضهم بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل، وبغيره، وبالترغيب في الرياسة والمال ما شاء الله، وبالضرب، وبعضهم بالتشريد والنفي، وقد خذله في ذلك عامة أهل الأرض، حتى أصحابه العلماء والصالحون والأبرار وهو مع ذلك لم يعطهم كلمة واحدة مما طلبوه منه، وما رجع عمَّا جاء به الكتاب والسنة، ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله وآثاره ودفع من البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه وإخوانه المتقدمين والمتأخرين. ولهذا قال بعض شيوخ الشام لم يُظهر أحد ما جاء به الرسول كما أظهره أحمد بن حنبل". ["مجموع الفتاوى"(12 / 439)]

ومن الأسباب المهمة للخذلان: عدم طاعة ولاة الأمر، وأقصد بولاة الأمر العلماء، لأن العلماء فوق الأمراء. فأجد في السلفيين ـ زعموا ـ من لا يرى الخروج على ولاة الأمر من الحكام، وهذا حق ودين لا يختلف فيه اثنان ممن هم في الطائفة المنصورة، لكنهم يسوِّغون لأنفسهم ـ من غير تصريح ـ الخروج على العلماء. فتجدهم يطعنون، أو يغمزون، أو يلمزون، ولا يحترمون الأكابر، ولا ينزلون من نافسوه منهم المنزلة اللائقة به، ولعل الحال يصل بالبعض أن يقول: نحن الذين صنعناه ورفعناه!! أليس هؤلاء بفعلهم هذا يميعون مسألة الخروج على الحكام، لتصير مستساغة؟ وإلا فما هو تفسير هذا التناقض بين الخروجين؟  

"وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون، متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ثم عمل الشيطان مكائده على المسلمين، وألقى بأسهم بينهم، وأفشى فيهم فتنة الشبهات والشهوات، ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئاً فشيئاً حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق. فمنهم من ضل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوقوعه". ["كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة" ـ ابن رجب الحنبلي ـ (ص:40-41)]

عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن مما أخشى عليكم بعدي بطونكم، وفروجكم، ومضلات الأهواء". [قال شيخنا الألباني في "ظلال الجنة": إسناده صحيح وقد أخرجه أحمد أيضاً والطبراني في "الصغير"]

قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ: "فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين، أو أحدهما أصبحوا متقاطعين، متباغضين، بعد أن كانوا إخواناً متحابين، متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق، ففتنوا بالدنيا وزهرتها، وصارت غاية قصدهم، لها يطلبون، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك، وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعاً، وكفَّر بعضهم بعضاً، وأصبحوا أعداء وفرقاً وأحزاباً، بعد أن كانوا إخواناً قلوبهم على قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق كلها إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي ..الحديث". أ.هـ

وما إن تبرز فتنة للوجود إلا وتجد عدداً ليس سهلاً انكشف غطاؤه، وصار في جمع الخذلان، رأينا هذا في الفتن السابقة التي سبقت من قريب وها نحن على أبواب فتن من عيار أثقل كأنها وهي آتية مستعدة للنطح والفضح، فنسأل الله السلامة منها ولإخواننا القابضين على الحق.