الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الثامن عشر-
الأحد | 19/12/2010 - 02:39 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ12/01/1432 الموافق 18/12/2010

وأهل الحديث على السبيل والسُّنة، قال أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ:

676- "عليكم بالسبيل والسُّنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسُّنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل فيعذبه".[أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(1/352-353)، واللالكائي (1/54)]

وإذا قيل فلان من أهل السنة معناه:

677- "من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة".["لسان العرب"لابن منظور]

وقال عبد الرحمن بن مهدي ـ رحمه الله ـ:

678- "الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السُّنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السُّنة إمام في الحديث فسفيان الثوري".["شرح اعتقاد أهل السنة"للالكائي(1/63)]

وسفيان ـ رحمه الله ـ هو القائل:

679- "إياك وحبّ الرياسة، فإن من الناس من تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة".["حلية الأولياء"(6/377)]

وقيل للإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ:

680- "أحياك الله يا أبا عبد الله على الإسلام".

قال:

681- "والسُّنة".["مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي(ص:173)]

وروى ابن الجوزي: أن رجلاً سأل الإمام أحمد: أكتب كتب الرأي؟

قال:

682- "لا".

قال: فابن المبارك قد كتبها؟

قال:

683- "ابن المبارك لم ينزل من السماء، إنما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق".["مناقب الإمام أحمد"(ص:187)]

وقال أبو المظفَّر السمعاني ـ رحمه الله ـ:

684- "ووجدنا أصحاب الحديث أطلب الناس لهذه السنة، وفيها أرغب، ولصحاحها اتبع. فعلمنا أنهم أهلها دون سائر الفرق".

وقال ـ رحمه الله ـ:

685- "ثم كل صاحب صناعة، وحرفة يفتخر بصناعته، ويستطيل بها، ويجالس أهلها، ولا يذمها. ورأينا أصحاب الحديث رحمهم الله قديماً وحديثاً، هم الذين رحلوا في  طلب هذه الآثار التي تدل على سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخذوها من معادنها،  وجمعوها من مظانها، وحفظوها فاغتبطوا بها ودعوا إلى اتباعها، وعابوا من خالفها فكثرت عندهم وفي أيديهم حتى اشتهروا بها كما اشتهر البزاز ببزه، والتمار بتمره، والعطار بعطره، ثم رأينا قوماً انسلخوا من حفظها  ومعرفتها، وتنكبوا اتباع أصحها وأشهرها، وطعنوا فيها، وفيمن أخذ بها، وزهَّدوا الناس في جمعها ونشرها، وضربوا لها ولأهلها أسوأ الأمثال، فعلمنا  بهذه الدلائل الظاهرة والشواهد القائمة أن هؤلاء الراغبين فيها، وفي جمعها وحفظها، واتباعها أولى بها وأحق من سائر الفرق الذين تنكبوا أكثرها،  وهي التي تحكم على أهل الأهواء بالأهواء. لأن الاتباع عند العلماء هو  الأخذ بسنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي صحت عنه عند أهلها ونَقَلتها وحفاظها،  والخضوع لها، والتسليم لأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها تقليداً لمن أمر الله بتقليده، والائتمار بأمره، والانتهاء عما نهى الله عنه، ووجدنا أهل الأهواء الذين استبدوا بالآراء والمعقولات بمعزل من الأحاديث والآثار التي هي طريق معرفة سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فهذا الذي قلناه سمة ظاهره وعلامة بينة تشهد لأهل السنة باستحقاقها،  وعلى أهل الأهواء في تركها، والعدول عنها، ولا نحتاج في هذا إلى شاهد أبين من هذا ، ولا إلى دليل أضوأ من هذا".[ونقله قوام السنة الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة"(2/247-248)]  وأصحاب الحديث خيار الناس، قال الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ:

686- "أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع".["الشرح والإبانة"(ص:153)]

 

وقال قتيبة بن سعيد ـ رحمه الله ـ:

687- "إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع".["عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام الصابوني(ص:109)]

وقال معافى بن عمران ـ رحمه الله ـ:

688- "لا تحمدنّ رجلاً إلا عند الموت، إما أن يموت على السُّنة، أو يموت على البدعة".[شرح اعتقاد أهل السنة"(1/67)]

وأخرج أبو عبيد، ويعقوب بن شيبة، عن عبد الله بن مسعود قال:

689- "لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا".

وقال أبو عبيدة معناه:

690- "أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي، فيقولون للسنة: علم ولما عداها رأي".["فتح الباري" لابن حجر(13/291)]

والسُّنة من الحق الذي نزل به جبريل ـ عليه السلام ـ قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ:

691- "إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوا بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله".["سنن الدارمي"(1/49)]

وقال حسّان بن عطية ـ رحمه الله ـ:

692- "كان جبريل ينزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسنة كما ينزل بالقرآن".["الشرح والإبانة"(ص:128)]

وقال العراقي ـ رحمه الله ـ في "طرح التثريب"(1/15):

693- "وصف السنة بالإنزال صحيح؛ فقد كان ينزل بها كما ينزل بالقرآن، كما في الحديث الصحيح في الرجل الذي أحرم لعمرة وهو متضمخ بخلوق، فنزل الوحي في ذلك بالسنة الثابتة من قوله:

694- "ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك".["الصحيحة"(2765)]

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

695- "أوتيت الكتاب وما يعدله ـ يعني مثله ـ". ["الصحيحة"(2870)]

وفي رواية:

696- "ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله".["صحيح الجامع"(8186)]

قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ:

697- "فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعرفه أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة، فإن أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحق أن يعظم ويقتدى به من رأي أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد لا بغضاً له بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفوراً له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخلافه".[نقله شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في "صفة الصلاة"(ص:54)] وحذّر الله تعالى من مخالفته ومخالفة أمر نبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال تعالى:

698- (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) [النور]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

699- "أي عن أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائناً من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

700- "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".["صحيح الجامع"(6398)]

أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة".

وقال الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

701- "وقال بعضهم: (يُخَالِفُونَ): مضمن معنى يصدون، أي: يصدون عن أمره".

فالسُّنة كما قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ:

702- "أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم".["جامع العلوم والحكم"(ص:230)]

وقد تقدم من الأحاديث ما يشير إلى أهمية التمسك بالسنة وأن فيها السلامة والنجاة من الاختلاف والتفرق، قال أبو بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ:

703- "السُّنة حبل الله المتين".["الشرح والإبانة"(ص:120)]

وعن هشام بن عروة عن أبيه ـ رحمه الله ـ قال:

704- "السنن السنن، فإن السنن قوام الدين".["كتاب السنة"للمروزي(ص:29)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

705- "كان الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: "الاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ هُوَ النَّجَاةُ".

وَقَالَ مَالِكٌ:

706- "السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ".["مجموع الفتاوى"(4/57)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

707- "فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسول والكتب المنزَّلة كان أعظم في تفرقهم واختلافهم".["الرد على المنطقيين"(ص:332)]

وتأتي السنة مقابل الرأي في الدين، ومقابل البدعة واتباع الهوى، قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ:

708- "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم فلم يعوها، فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا".["الشرح والإبانة"(ص:121)]

وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ:

709- "الهوى عند من خالف السُّنة حق وإن ضربت فيه عنقه".["الشرح والإبانة"(ص:122)]

ودخل القائم بالسُّنة المخالف للمبتدعة في الغرباء الذين يصلحون العباد والبلاد، قال يونس بن عبيد:

710- "ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها".["شرح اعتقاد أهل السنة"(1/58)]

وقال الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ:

711- "إن لله عباداً يحيي بهم البلاد، وهم أصحاب السنة".["شرح اعتقاد أهل الحديث"(1/65)]

وروي عن الحسن البصري أنه قال:

712- "والله لو أن رجلا أدرك هذه المنكرات، يقول هذا: هلم إلي، أو يقول هذا: هلم إلي!! فيقول: لا أريد إلا سنة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يطلبها ويسأل عنها. إن هذا ليعرض له أجر عظيم . فكذلك فكونوا إن شاء الله".[نقله ابن رجب في "كشف الكربة"(ص:24)]

واعلم أن كثيراً ممن دخلوا في طريقة أهل الحديث نازعوا السُّنة عند نزول الفتنة، ورغبوا عن قول الحق، وآثروا الدنيا على الآخرة، وعلامة فتنتهم فرارهم إلى المداهنة باسم الحكمة ! أو فرارهم إلى المداهنة باسم الموازنة بين المصالح والمفاسد ! فكان مصيرهم الطرد من الجمع الوسيط فتراهم بعد العقوبة في  غلاء أو في جفاء لأنهم ساقطين جبناء.