الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل التاسع عشر-
الخميس | 23/12/2010 - 09:13 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ17/01/1432 الموافق 23/12/2010

وسبق أن قلت: أن الغرباء يخالَفون ولا يُطاعون!! لماذا؟ لأن الكثرة انحازت إلى الباطل أو إلى جزء منه عناداً بداعي الهوى، بينما القلة هي التي انتصرت للحق كله وانحازت إليه بداعي التمسك بالسُّنّة.

فالغرباء هم السنّيّون أهل الحديث، وهم حزب الله وطائفته المنصورة، وهم أخيار الناس وقد أشار الله تعالى إليهم في كتابه العزيز بقوله:

713- (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاًّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116) [هود] قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: 714- "وفي هذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون بدين الله يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصّرونهم من العمى. وهذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون، وصاحبها يكون إماماً في الدين، إذ جعل عمله خالصاً لرب العالمين". ووصف ـ رحمه الله ـ الآمرون بالمعروف والناهين عن المنكر بقوله: 715- "ولكنهم قليلون جداً. وغاية الأمر، أنهم نجوا، باتباعهم المرسلين، وقيامهم بما قاموا به من دينهم، وبكون حجة الله أجراها على أيديهم، ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة".

وقال شيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ:

716- "فالناس الغرباء هم المتمسّكون بدينهم على السنة الصحيحة، كأولئك الغرباء وصفاً مادياً حين يهاجر من بلده إلى بلد أخرى لا أحد يعرفه فهو منبوذ من بينهم مهجور، كذلك الغريب الموصوف في هذا الحديث بصفة النبذ المعنوي، قال هم: (أناس صالحون قليل، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) ولا شك أن الصلاح نوعان: فكري، والآخر عملي وخلقي، ولقد اعتاد الناس حتى الناس الطيبين الاهتمام بالناحية الثانية من الغربة وهو العمل الصالح والخلق الصالح، ولكنهم لا يفكرون أبداً أن الغربة المثلى التي صاحبها أحق بأن تكون له (طوبى) هو الغرابة في العقيدة".[من فتاوى الشيخ ـ رحمه الله ـ]

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في "مدارج السالكين"(3-196):

717- "ولقلَّتهم في الناس جداً سمّوا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز و جل فيهم:

718- (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ..(116) [الأنعام]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: 719- "فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم، وعلومهم. فأديانهم فاسدة، وأعمالهم تبع لأهوائهم، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق". وقال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

720- "فكم من أناس ضلّوا عن الحق مع بيانه، ووضوحه؛ وهم كثيرون؛ بل هم الأكثر".

وقال ـ رحمه الله ـ: 721- "ودلَّت هذه الآية على أنه لا يستدل على الحق بكثرة أهله، ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق. بل الواقع ـ بخلاف ذلك ـ، فإن أهل الحق، هم الأقلون عدداً، الأعظمون ـ عند الله ـ قدراً وأجراً. بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل بالطرق الموصلة إليه".

وقال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

722- "فالمؤمن لا يستوحش من قلة السالكين على طريق الهدى، ولا يضره كثرة المخالفين". [ختام رسالته "صلاة العيدين في المصلى هي السنة"]

وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

723- "وخيار هذه الأمة هم الصحابة فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعاً على الهدى ودين الحق ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم، وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلاً من كثير، وإذا قيس ما يوجد في الأمة إلى ما يوجد في سائر الأمم كان قليلاً من كثير، وإنما يغلط من يغلط أنه ينظر إلى السواد القليل في الثوب الأبيض، ولا ينظر إلى الثوب الأسود الذي فيه بياض، وهذا من الجهل والظلم، بل يوزن هؤلاء بنظرائهم فيظهر الفضل والرجحان".[منهاج السنة النبوية"(6/244-245)]

وروى المبارك بن فضالة، أحد علماء الحديث بالبصرة، عن الحسن البصري، أنه ذكر الغني المترف الذي له سلطان، يأخذ المال ويدّعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال، الذي خرج على المسلمين، وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين، ثم قال:

724- "سنتكم، والله الذي لا إله إلا هو، بينها وبين الغالي والجافي، والمترف والجاهل؛ فاصبروا عليها، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس، الذين لم يأخذوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع أهواءهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم. فكذلك فكونوا إن شاء الله".

وعن مرداس السلمي قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

725- "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بالة".["الصحيحة"(2993) قال الخطّابي ـ رحمه الله ـ: "الحثالة: بالفاء والمثلثة: الرديء من كل شيء، وقيل آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأردأه".]

قال الطيبي ـ رحمه الله ـ:

726- "الفاء للتعقيب ولا بد من التقدير: أي الأول منهم فالأول من الباقين منهم وهكذا حتى ينتهي إلى الحفالة، مثل الأفضل فالأفضل".[المرقاة"(15/300)]

والناس في الابتلاء على الطاعة، والامتثال لأمر الله تعالى؛ الناجحون منهم قلة، والفاشلون الكثرة، مع أنه ابتلاء ليس بالصعب، وأن بإمكان البشرية جميعاً ـ بما حباها الله من مؤهلات وقدرة واستطاعة ـ بعد دخولها الابتلاء في العبودية الخالصة لله أن ينجحوا فيه، لكن الذي يحول بينهم وبين النجاح الذي وفِّقت إليه القلة أسباب على رأسها دخولهم في الاختلاف الذي نهى عنه الله عز وجل، وبيَّن خطورته رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقد امتدح الله القلة التي نأت عن الاختلاف والخصومات، وذمَّ الكثرة التي هلكت ـ بمحض إرادتها ـ في الاختلاف والخصومات، قال تعالى:

727- (...وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ..(24)  [ص]

قال صاحب "التفسير الكبير":

728- "لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة، فلهذا السبب خص داود ـ عليه السلام ـ الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالتطهم سبباً لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض، فلو كان داود ـ عليه السلام ـ قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل. ثم قال تعالى: (وَقليل مَّا هُمْ)  واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن".

ولقد نجت القلة من السقوط، بسبب صدقها وإخلاصها، فأطاعت ربَّها وحَذِرت مما حذَّر منه، وشتان بين الهدى والتردي في الهوى. قال تعالى:

729- (...وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ(119) [الأنعام]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

730- "أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم".

والكثرة في زمن الفتن غثاء كمال قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

731- "غثاء كغثاء السيل".["الصحيحة"(958)]

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

732- "ولقد أصاب طرف من هذه الفتنة القاسية جذر قلوب عدد كبير من الدعاة وطلبة العلم، فانقسموا وللأسف الشديد على أنفسهم فصار بعضهم (يتكلم) في بعض، والبعض (الآخر) ينقد الباقين ويرد عليهم . . . وهكذا ..".[في مقدمة جواب مرتجل في مجلس من المجالس العلمية تم تفريغه تحت عنوان: "سؤال وجواب تحت فقه الواقع"]

لكن ـ ولله الحمد ـ يبقى بعض هذه الأمة على الحق، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

733- "وإياك أن تغتر بما يغتر به الجاهلون، فإنهم يقولون: لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا أقل الناس عدداً والناس على خلافهم، فاعلم أن هؤلاء هم الناس ومن خالفهم فمشبهون بالناس وليسوا بناس، فما الناس إلا أهل الحق وإن كانوا أقلهم عدداً، قال ابن مسعود:

734- "لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، ليوطن أحدكم نفسه على أن يؤمن ولو كفر الناس".["مفتاح دار السعادة"(ص:147)]

ولم يقف استغرابك وأنت تنظر إلى الواقع عند حدِّ ما يفعله المخالفون للحق وأهله، بل يزيد استغرابك عندما ترى أن الاختلاف مع الحق وأهله إنما جاء أصلاً من جهة من انتسب إلى العلم وأهله!! وزوَّر المشيخة!! وقاد العوام إلى الضلال !! وهؤلاء الضلاّل وان وقع الاختلاف بينهم فسببه حسد بعضهم البعض في القدرة على التمويه والتزوير، أو في القدرة على طلب الرياسة، ويزيد استغرابك أكثر وأكثر عندما ترى أن كثيراً من المشايخ والعبّاد هم الذين يمارسون هذه الجرائم باسم الدين ليأكلوا أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله!! قال تعالى:

735- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ..(34) [التوبة]

فغاية مطلوب الذين يبيعون دينهم عرض من الدنيا (المال والرياسة)، فالمال هو المراد بقوله: (لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ) والمراد (بِالْبَاطِلِ) الرشا الذي يقبضونه للتلاعب في الأحكام الشرعية وتمييعها حسب رغبات الأثرياء والسلطان. ويبيعون الفتوى ـ بثمن بخس ـ فيحرّمون الحلال، ويحللون الحرام. ثم أنهم بعد الحصول على تراخيص حكومية !! لفتح جمعيات إسلامية خيرية!! بالتزوير و(بِالْبَاطِلِ) أو لفتح مراكز باسم العلماء الجهابذة !! فإنهم يمارسون رذيلة الدجل والكذب، فاغترَّ بهم العوام والحمقى فدفعوا لهم الأموال.

قال صاحب "التفسير الكبير":

736- "أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه. فإذا قرروا ذلك قالوا: وتقوية الدين الحق واجب.

ثم قالوا: ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواماً عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم".!!

وقال:

737- "فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس، وهي بأسرها حاضرة في زماننا وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق".

ثم أنهم يكتبون الكتب، فيحرّفون بها مراد الله ومراد رسوله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ، وإذا حافظوا في كتاب على نص المتن فيه ـ من غير بتر ـ لعالم جليل من علماء الدعوة السلفية ميّعوا في الحاشية كلامه!!، واحتالوا في مراده، كل ذلك بغرض الصدِّ عن سبيل الله، وبغرض الحصول على المال، فاحذرهم لأنهم إن قدّموا لك كتاب الجهبذ تلاعبوا في حواشيه!! فتدخل الشبهة على الطلبة المبتدئين من خلال المحققين المزوَّرين المزوِّرين. قال تعالى:  

738- (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) [البقرة]

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

739- "هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل".وأما الرياسة فهو المراد بقوله: (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) لأنهم لو أقرّوا بتجديد الدعوة السلفية في المسجد الأقصى للزمهم نصرتها، لكنهم بالغوا في عدم نصرتها والتعتيم عليها بأساليب شتى من المكر، والخداع، والكذب، والتمويه، والتزوير، للمحافظة على رياستهم التي توفر لهم المزيد من أكل مال الناس بالباطل. قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

740- "يأخذون الرشى في أحكامهم، ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبًا ثم يقولون: "هذه من عند الله"، ويأخذون بها ثمنًا قليلاً من سِفلتهم، ويمنعون من أرادَ الدخول في الإسلام الدخولَ فيه، بنهيهم إياهم عنه".

وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

741- "وهذا في قوم أدّاهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر".

فبعد أن رأى هؤلاء الأحبار والرهبان أقوامهم تتبعهم وتطيعهم في المعاملات والعبادات طاعةً عمياء، باتخاذهم إياهم أرباباً من دون الله، تجرؤوا وشرعوا بأكل أموالهم بالباطل، قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

742- "وكان الإقبال على الدنيا أعظم أمارة على الخذلان ولو أنه بحق فكيف إذا بالباطل".

والذي يتعجَّب منه أن شراهتهم في أكل أموال الناس بالباطل لا تسمح لهم بإنفاقه !! بل يكنزونه !! حتى صاروا أكثر الناس ثراءً.

ويستعملونه في الصدِّ عن سبيل الله!! فلا غرابة في الفتاوى الصّادرة عنهم لأنها تتغير يتغير المصالح التي تعود عليهم بالمزيد من المال، أو تعود عليهم بالمزيد من السيطرة، أو يريدون بها إخفاء فضائحم.

قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:

743- "كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنّة، فإن غيرت يوماً قيل هذا منكر".

قيل: ومتى ذلك؟ قال:

744- "إذا قلَّت أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤكم، وكثرت قرّاؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة".[رواه عبد الرزاق موقوفاً وله حكم المرفوع، وهو في صحيح الترغيب والترهيب(111)]

وقوله ـ عليه السلام ـ (وكثرت قرّاؤكم) هو في زمن الفتن يعني دخول أكثر القرّاء في النفاق فاحذرهم، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

745- "أكثر منافقي أمتي قرّاؤها".["الصحيحة"(750)]

وصار النفاق الذي يمارسه القرّاء وسيلة فعّالة للحصول على أي شيء في الدنيا باسم الدين. فامتدت كليات الشريعة في أوساط المجتمعات الإسلامية وخرّجت (الدكتور!!) المنافق و(البروفسور!!) المنافق الذين درّسوا الشريعة!! نفياً للتهمة عن أنفسهم، تماماً كما فعل الكثير غيرهم ممن جلسوا حول العلماء الجهابذة ثم إذا بهم يجدون في النفاق وسيلة للوصول إلى مآربهم!!

قال في "النهاية":

746- "أي أنهم يَحْفَظون القرآن ـ تقيَّة ـ نَفْياً للتُّهمة عن أنفُسهم، وهم معْتَقدون تَضْييعَه. وكان المنافقون في عَصْر النبي ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ بهذه الصفة".

وقال المناوي:

747- "أي: الذين يتأولونه على غير وجهه ويضعونه في غير مواضعه".["فيض القدير"(2/102)]

وفي "شرح الزرقاني:

748- "وفيه أن كثرة القرّاء دليل على تغير الزمان".[1/501]

وشنَّ المناوي حملة قويَّة على القرّاء المنافقين في كتابه "فيض القدير". فنقل قول النووي ـ رحمه الله ـ فيهم:

749- "ما أخاف على دمي إلا القراء والعلماء، فاستنكروا منه ذلك، فقال: "ما أنا قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي".

ونقل قول عطاء فيهم:

750- "احذروا القراء واحذروني معهم، فلو خالفت أودهم لي في رمانة أقول: أنها حلوة، ويقول: إنها حامضة، ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر".

ونقل قول الفضيل لابنه:

751- "اشتروا داراً بعيدة عن القراء، مالي والقوم إن ظهرت مني زلة قتلوني، وإن ظهرت علي حسنة حسدوني؟ ولذلك ترى الواحد منهم يتكبر على الناس ويستخف بهم معبساً وجهه، كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين، أو كأنما جاءه من الله منشور بالجنة والبراءة من النار، أو كأنه استيقن السعادة لنفسه والشقاوة لسائر الناس، ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين ويتماوت وهذا لا يليق بالتكبر والترفع ولا يلائمه، بل ينافيه لكن الأعمى لا يبصر".

ونقل الذهبي قولاً آخر لفضيل ـ رحمه الله ـ:

752- "تباعد من القراء، فإنهم إن أحبوك مدحوك بما ليس فيك، وإن غضبوا شهدوا عليك، وقُبل منهم".["سير أعلام النبلاء"(8/441)]

وقال "صاحب "إحياء علوم الدين":

753- "احذر من خصال القراء الأربعة: الأمل والعجلة والكبر والحسد، قال: وهي علل تعتري سائر الناس عموماً والقراء خصوصاً. ترى القارئ يطول الأمل فيوقعه في الكسل، وتراه يستعجل على الخير فيقطع عنه، وتراه يحسد نظراءه على ما أتاهم الله من فضله فربما يبلغ به مبلغاً يحمله على فضائح وقبائح لا يقدم عليها فاسق ولا فاجر".

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

754- "فلما بعث الله رسوله، صلوات الله وسلامه عليه استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم، طمعاً منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوَّضهم بالذلَّة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله".

وبيًّن الله تعالى حقيقة أكثر الماضين حين دعوا إلى توحيد الله تعالى وكيف أنهم صدّوا عن سبيل الله، هذا الصّد وقع لموسى، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب ـ عليهم السلام ـ، والحقيقة في سورة الشعراء من باب المثال لا من باب الحصر، وقد كان يختم الله تعالى كل موقف للماضين من دعوة الحق بقوله: 755- (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)

قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

756- "وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله تعالى:

757- (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103) [يوسف]

وقوله:

758- (..وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13) [سبأ]

ولينجز الله ما وعد به نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وتصير السنة بدعة، والبدعة سنة".

وقال تعالى:

759- (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) [الزخرف] قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: 760- "قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) أي: بيَّنَّاه لكم، ووضّحّناه، وفسّرناه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) أي: ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظِّمه وتصد عن الحق وتأباه، وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة".