قد أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَر، وأَنْصَفَ مَنْ حَذَّر (1)
السبت | 25/12/2010 - 07:31 صباحاً

قد أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَر، وأَنْصَفَ مَنْ حَذَّر (1)

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ19/01/1432 الموافق 25/12/2010

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

قد أَعذَرَ مَنْ أَنْذَرَ: أي: من حذَّرك ما يحل بك فقد بالغ في العذر، قال تعالى:

1- (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) [الأعراف]

(وَكَمْ) للتكثير والمبالغة. إنها كثيرة تلك القرى التي (أَهْلَكْنَاهَا) بما لنا من العظمة بسبب ظلم أهلها، ولما أمر الله تعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإنذار والتبليغ، أمر الناس بقبول الحق ومتابعته، أمرهم أن يكونوا على ملة الإسلام ونهاهم عن اتباع شياطين الجن والإنس الذين يحملون الناس على عبادة الأوثان، والأهواء والبدع، فقال: 2- (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ..(3) [الأعراف] ولأن الذي نزل من الله تعالى إنذاراً وذكرى، فقد شرح الله تعالى في سورة الأعراف خطورة عدم اتباع الحق، فالواجب اتباع القرآن العظيم وما نزل فيه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، واحذروا أن تتخذوا غير الله تعالى أولياء تطيعونهم في معصية الله عز وجل. فما الذي كان من أهل الضلالة اتجاه دعوة الحق حتى استوجب من الله تعالى هذا التحذير؟ الجواب: إنهم خالفوا الكتاب والسنة، وعاندوا، وأشركوا بالله تعالى، واتبعوا من دونه أولياء، واختلفوا مع أهل الحق وكذَّبوهم، وحاربوا الدعوة السلفية وكذَّبوها، وجعلوا منهاج النبوة والسلف وراء ظهورهم، قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

3- "فحين جاءهم العذاب لم يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم، ولا أنكروا ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي".

وقال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

4- "فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا".

فلمّا اغتروا بأوليائهم من دونه، واتبعوا أهواءهم، وتركوا لأجل ذلك الحق، قال تعالى: (فَجَاءَهَا) الفاء للتعقيب دلالة على عدم التريث، (بَأْسُنَا) للتفصيل والتفسير، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

5- "فأعقبهم ذلك خِزْيُ الدنيا موصولاً بذُلِّ الآخرة".

وقال صاحب "التحرير والتنوير":

6- "فدلّ الكلام كلّه: على أنّه تعالى يريد، فيخلق أسباب الفعل المراد فيحصل الفعل، كلّ ذلك يحصل كالأشياء المتقارنة، وقد استفيد هذا التّقارن بالتّعبير عن الإرادة بصيغة تقتضي وقوع الفعل، والتّعبير عن حصول السّبب بحرف التّعقيب، والغرض من ذلك تهديد السّامعين المعاندين وتحذيرهم من أن يحلّ غضب الله عليهم فيريد إهلاكهم، فضيَّقَ عليهم المهلة لئلا يتباطأوا في تدارك أمرهم والتّعجيل بالتّوبة".

وأخبر سبحانه وتعالى أن كثيراً من القرى الظالمة نزل العذاب على بعضها (بَيَاتًا) أي: في وقت نوم أهلها بالليل كما حصل لقوم لوط، ونزل على بعضها و(هُمْ قَائِلُونَ) أي: في وقت استراحة أهلها بالنهار كما حصل لقوم شعيب. قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

7- "وكان أفحش البأس وأشدَّه ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة".

(فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا) أي: عندما باغتهم العذاب الشديد في وقت اطمئنانهم وراحتهم انقطعت دعاوى الباطل كلّها عندهم، فلم يكن لهم إلا الاعتراف بجرائمهم (إِلاَّ أَنْ قَالُوا) على سبيل التحسّر والندم والطمع في الخلاص (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) يعني: مجرمين: لأنهم مشركين، ومجرمين لأنهم سكتوا فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر، ومجرمين لأنهم أكلوا حقوق الناس، وأكلوا أموالهم بالباطل، ومجرمين لأنهم صدّوا عن سبيل الله فأقرّوا بذنوبهم وإساءتهم، ومجرمين لأنهم في النهاية !! اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين، فلم ينفعهم اعترافهم.

قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

8- "فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياتًا أو هم قائلون، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين، وبربهم آثمين، ولأمره ونهيه مخالفين".

فهذا اعتراف منهم بممارستهم للظلم ورعايتهم له، (والظلم ثلاثة) كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

9- "فظلم لا يتركه الله، وظلم يغفر، وظلم لا يغفر، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك لا يغفره الله، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد فيقتص الله بعضهم من بعض".["الصحيحة"(1927)]

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

10- "من أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع".["الصحيحة"(1021)]

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

11- "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".["الصحيحة"(858)]

ومن ظلم الظالمين إدّعاءهم كل شيء!!، إدعاءات متتالية ـ يشرّقون فيها ويغرّبون ـ يريدون فيها إثبات باطلهم مهما كلّف الثمن!! إلاَّ أن تكون لهم دعوى واحدة يعترفون فيها أنهم على ضلال، أو يعترفون فيها أنهم لصوص أكلوا حقوق الناس، أو يعترفون فيها أنهم يصدّون عن سبيل الله، أو يقرّون أنهم مشركون بالله تعالى.

 فمتى تكون هذه الدعوى التي فيها يعترفون، وبها يذلّون؟ فينتهي في أروقة عدلها وإنصافها ضلالهم ودجلهم؟ الجواب: حين يرون العذاب عياناً!! حين ينزل فيهم بأس الله، فيكون الحق قد غرز في عيونهم حقيقة مُرَّة لم يستطيعوا دفعها بالندم والتوبة. قال البغوي ـ رحمه الله ـ:

12- "وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف".

كان الأجدر بهؤلاء الحمقى الظلمة أن يتوبوا من ذنوبهم عندما جاءتهم النذر، عليهم أن يراجعوا أنفسهم ـ الآن ـ قبل وقوع العذاب. لعلَّهم يوفّقوا للتوبة!! لقد كثرت فيهم الخطايا والذنوب، فلم تتوقف جرائمهم عند المعاصي، بل تجاوزتها إلى الكذب، والتلفيق، والاحتيال، وصناعة الاختلاف والتفرق، والخوض في الباطل، ومحاربة أهل الحق!! وحوار القاعدة (الخوارج) !! وتمييع الدين !! وقيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

13- "في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قوله:

14- "لن يهلك الناس حتى يَعذِروا (أو يُعذِروا) من أنفسهم".["صحيح سنن أبي داود"(4347)]

قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:

15- "قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)

ومعناه: لن يهلك الناس (حتى يَعذِروا من أنفسهم) يعني: حتى يَعذِروا من يعذِّبهم فيكون لمن يعِّذبهم العذر، أو (يُعذِروا من أنفسهم) يعني: تكثر ذنوبهم وعيوبهم فكأنهم سلبت أعذارهم بكثرة اقتراف الذنوب فيستوجبوا العقوبة.

قال الحربي ـ رحمه الله ـ:

16- "تَكْثُرُ ذُنُوبُهُمْ فَيْعذِرُوا مِنْ أَهْلَكَهُمْ بِالعُقُوبَةِ".["غريب الحديث"]

وفي "تهذيب اللغة" للأزهري ـ رحمه الله ـ:

17- "إذا أذنبوا ذنوباً يكون لمن يعاقبهم عذر في ذلك لاستحقاقهم".

وقال البغوي ـ رحمه الله ـ:

18- "أي:يكثروا ذنوبهم، ويستوجبوا العقوبة،فيكون لمن يعذبهم العذر".["شرح السنة"(14/349)]

وقال الأزدي الحميدي ـ رحمه الله ـ:

19- "أي: حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فتقوم الحجة عليهم ويكون العذر واضحاً لمن يعاقبهم".["تفسير غريب ما في الصحيحين"]وقال البيضاوي ـ رحمه الله ـ:

20- "يقال أعذَرَ فلان إذا كثرت ذنوبه فكأنه سُلب عُذره بكثرة اقتراف الذنوب، أو مِن أُعذر أي صار ذا عذرٍ، والمراد: حتى يذنبون فيُعذِرون أنفسهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً.["فيض القدير"(5/387)]

واستحسن الطيبي ـ رحمه الله ـ قول من قال: (فيُعذِرون أنفسهم) فقال:

21- "أنسب بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأن الناهي ينكر عليه ذنبه، وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه".["مرقاة المفاتيح"(15/27)]