الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل العشرون-
الخميس | 30/12/2010 - 09:37 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ23/01/1432 الموافق 29/12/2010

وقال تعالى: 759- (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) [الزخرف] قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: 760- "قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) أي: بيَّنَّاه لكم، ووضّحّناه، وفسّرناه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) أي: ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظِّمه وتصد عن الحق وتأباه، وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة".

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

761- "والحق هاهنا هو ما بعث به المرسلون باتفاق المفسرين".["مفتاح دار السعادة"(2/51)]

وهذه نتيجة حتمية صار إليها الكثير من الناس ـ بمحض إرادتهم ـ وهي: أنهم عندما جاء الحق وابتلوا به تبيَّن أن أكثرهم للحق كارهون، لذا وقع الاختلاف قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

762- "فَمَنْ كَانَ سَعِيدًا يُيَسَّرُ لِلأعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَقْتَضِي السَّعَادَةَ؛ وَمَنْ كَانَ شَقِيًّا يُيَسَّرُ لِلأعْمَالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الشَّقَاوَةَ؛ وَكِلاهُمَا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَهُوَ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ الْعَامَّةِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: (..وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..) وَأَمَّا مَا خُلِقُوا لَهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَهُوَ إرَادَتُهُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي أُمِرُوا بِمُوجِبِهَا فَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ) وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ: مِنْ "الْكَلِمَاتِ" وَ"الأمْرُ" وَ"الإرَادَةُ" وَ"الإذْنُ" وَ"الْكِتَابُ" وَ"الْحُكْمُ" وَ"الْقَضَاءُ" وَ"التَّحْرِيمُ" وَنَحْوُ ذَلِكَ مَا هُوَ دِينِيٌّ مُوَافِقٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَأَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ وَمَا هُوَ كَوْنِيٌّ مُوَافِقٌ لِمَشِيئَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ".["مجموع الفتاوى"(10/23-24)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

763- "وَهَكَذَا مَسَائِلُ النِّزَاعِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الأمَّةُ فِي الأصُولِ وَالْفُرُوعِ إذَا لَمْ تُرَدَّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ لَمْ يُتَبَيَّنْ فِيهَا الْحَقُّ بَلْ يَصِيرُ فِيهَا الْمُتَنَازِعُونَ عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنْ رَحِمَهُمْ اللَّهُ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَمْ يَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ فِي خِلافَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ فَيُقِرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلا يَعْتَدِي عَلَيْهِ.

وَإِنْ لَمْ يُرْحَمُوا وَقَعَ بَيْنَهُمْ الاخْتلافُ الْمَذْمُومُ فَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إمَّا بِالْقَوْلِ مِثْلَ تَكْفِيرِهِ وَتَفْسِيقِهِ، وَإِمَّا بِالْفِعْلِ مِثْلَ حَبْسِهِ وَضَرْبِهِ وَقَتْلِهِ. وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالظُّلْمِ كَالْخَوَارِجِ وَأَمْثَالِهِمْ يَظْلِمُونَ الأمَّةَ وَيَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ إذَا نَازَعُوهُمْ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الأهْوَاءِ فَإِنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا كَمَا تَفْعَلُ الرَّافِضَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرُهُمْ، وَاَلَّذِينَ امْتَحَنُوا النَّاسَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ كَانُوا مِنْ هَؤُلاءِ ؛ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً وَكَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا".["مجموع الفتاوى"(17/311)]

وقد أشرنا إلى الحسد والتحاسد وأنه سبب من أسباب النزاع والدخول في الاختلاف، وأن البغي إعمال الحسد بالقول والفعل، وأن الحسد غطّى على أقوام فتركوا الحق وقد عرفوه، قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

764- "فلذلك شقيتم شقاوة لا سعادة بعدها".

وقد تقدم في (389) قصة اليهودي من بني عبد الأشهل، الذي أخبر بظهور محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا به عند الابتلاء ببعثة النبي ـ عليه السلام ـ ينكث ويكفر به!! ويقول: "ولكن ليس به"!! بينما نجد نفر (من الفتية) من بني هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الإسلام.

765- "لما بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاصر بني قريظة؛ قال هؤلاء الفتية ـ وكانوا شباباً أحداثاً ـ: يا بني قريظة! والله؛ إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيِّبان. قالوا: ليس به!! قالوا: بلى والله؛ إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم".["صحيح السيرة النبوية"(61)]

وقد كنت في مقالة لي نشرت في مجلة "الدعوة السلفية" العدد(14) بعنوان:

766- "ظهور الدعوة السلفية".[تاريخ ربيع الأول 1429 الموافق 6/5/2008]

قلت:

767- "والدعوة السلفية على منهاج ربّها تطيع ربها ولا تطيع المكذبين، لقوله عزّ وجلّ بعد أن تبيَّن حسد المبتدعة، والمنافقين، والضّالين، والكفرة والكذبة؛ وَوَصْفَهم لنبينا المصطفى ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والإساءة له بقولهم: "مجنون" قال ربّ العالمين:

768- (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) [القلم]

وبيّن ربنا عز وجل لنبيه خطرهم، وضرورة مجانبتهم بقوله في السورة:

769- (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)

إنّ هؤلاء الذين يرغبون في المداهنة؛ ويتمنَّون للدعوة السلفيّة أن تضعف وأن تعطيهم مواقف يتجرَّؤون فيها على الله، وعلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نقول لهم محذرين منهم (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ). ومن رذيلة الأخلاق التي عليها هؤلاء المكذبين بالدعوة السلفية، أنهم كما قال الله عزّ وجلّ في وصف آحادهم في السورة ذاتها:

770- (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15) 

 إن دين الله بيِّن واضح لكنه يحتاج منكم ـ بارك الله فيكم ـ حيال هؤلاء الفجرة إلى مواقف شجاعة وليست بجبانة".

وقلت:

771- "إذا كنتم على الحق وبه ترغبون، وتخلصون في اتباع نبيكم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعلاء كلمة ربكم، فعليكم من الآن أن تبدؤوا بشجاعة الحكماء الذين على ربهم يتوكلون فتقولوا: نعم، نحن مع الدعوة إلى الله بإخلاص وبصيرة، نعم، نحن مع الدعوة إلى الله حسب نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، نعم، نحن مع الدعوة إلى الله حسب فهم الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ، نعم، نحن مع الدعوة السلفية. واعلموا أنه بظهور الدعوة السلفية في فلسطين، لا مكان في هذا المجتمع لأي حزب باطل، لا مكان في هذا المجتمع لأي شعار مزيف، لأن الشعارات كلها سقطت، وتبيّنت نتيجة اعتقاداتها وأفكارها وأعمالها، ونلمس نتائجها يوماً بعد يوم. وإن المرارة  التي نعيشها اليوم سببها البعد الباطل والجبان عن التمسك بالكتاب والسنّة وفق فهم سلف الأمّة".

وقلت:

772- "فلا مكان للأحزاب، ولا مكان للأفكار الباطلة، ولا مكان للشيعة ومن تحالف معهم، ولا مكان للتكفيريين ومن تحالف معهم، ولا مكان للصوفيين ومن دروش معهم، ولا مكان للمنافقين الذين يتقنون التلوُّن والتلبُّس، لا مكان لأحد منهم مهما كان جمعه، أياً كانت قوته، أياً كانت مستنداته المخالفة المشاكسة الضالة عن هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أياً كانت شعاراته الكذَّابة البرّاقة التجارية".

واعلم أن إبليس هو المحرِّض الأول على شحن الناس بالاختلافات، فإما أن تخوض مع حزبه، وإما أن تبتعد عن الاختلافات فتكون مع حزب الله فتنجو من عواقب وعقاب الاختلاف. وقد تقدم قول الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ في (148): "وهذا هو الداء، الذي يعرض لأهل الدين الصحيح، وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين".

لذا لفت الله تعالى انتباه البصير إلى العبرة التي ابتليت فيها بني إسرائيل، قال تعالى في سورة يونس، (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ)، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

773- "أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بيَّن الله لهم وأزال عنهم اللبس".

لكنهم وقعوا في التحاسد والبغي فسلبوا نعمة الوحدة والاتفاق، أفادته (حَتَّى) وبالتالي سلبوا نعمة الاستقامة والثبات على الحق واتباع ما نزل في التوراة، ومن ثمَّ سلبوا الرباط في المسجد الأقصى خصوصاً والأرض المقدسة عموماً، لذلك فسَّر الإمام البربهاري الآية بقوله في (150): "هم علماء السوء أصحاب الطمع والبدع"، فحب الرياسة والطمع صيّرهم إلى التحاسد والبغي والظلم حتى وقعوا في الشر وهو الاختلاف والتفرق، وقال تعالى في سورة الشورى (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) والعلم هو العلم النافع المأخوذ من الكتاب والسنة بفهم سلفنا الصالح ـ رضوان الله عنهم ـ، وهذا المعنى ورد مثله في سورة الجاثية وسورة آل عمران، فالعلم النافع حاسم لكل شبهة، فبدل أن يستعمله أهل البدع والأهواء وسيلة للثبات على الصراط المستقيم، استعملوه في الخلاف والتأويل الفاسد!! بغياً وحسداً، وقال تعالى في سورة البقرة (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)  قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

774- "فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا، كفروا به، بغياً وحسداً".

 وقال تعالى في السورة: (..مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ..) والبيِّنات: هي علامات صدق الرسل، فالذي حملهم على الاختلاف بعد قيام صدق الرسل: البغي والحسد، قال الطبري ـ رحمه الله ـ:

775- "يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبييِّ عن جهل منهم به، بل اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، بغيًا بينهم، طلبَ الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالاً من بعضهم لبعض".

وقال تعالى في سورة البيِّنة: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) فإن البيِّنة هي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشرنا إلى ذلك بقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (369): "فَاخْتِلافُ هَؤُلاءِ وَتَفَرُّقُهُمْ فِي مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِيهِ".

وقوله تعالى في سورة آل عمران: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) والبينات هنا: الأدلة الدامغة والحجج الساطعة، فإن المبتدعة وأهل الأهواء اختاروا بمحض إرادتهم العناد والاستكبار، لذا نبّه الله تعالى أهل الحق ـ الطائفة المنصورة ـ ألا يشابهوا المبتدعة الذين افترقوا عن الجماعة وعن منهج النبوة والسلف، وتفرقوا واختلفوا حتى بدا على تقاسيم وجوههم علامات الضلال فاسودَّت في الدنيا قبل أن تسودّ في الآخرة، لذا قال تعالى في الآية التالية: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) قال أبو أمامة ـ رضي الله عنه ـ:

776- "كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خَيْرُ قتلى من قتلوه، ثم قرأ: الآية".

قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قال:

777- "لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً - حتى عَدّ سبعاً - ما حَدّثتكموه".["صحيح الترمذي"(3000)]

وفي "صحيح بن ماجه عن ابن أبي أوفى مرفوعاً:

778- "الخوارج كلاب النار".

وقد أرشد الله تعالى إلى اتباع الهدى والصراط المستقيم للخروج من الاختلاف والتفرق فعالج ذلك بقوله في سورة الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)، قال بكر بن العلاء:

779- "يريد ـ إن شاء الله ـ حديث ابن مسعود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خط له خطوطاً..وذكر الحديث".[ذكره الشاطبي في "الاعتصام"(1/37)]

قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

780- "فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع. وليس المراد سبل المعاصي، لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقاً تسلك دائماً على مضاهاة التشريع. وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات".["الاعتصام"(1/36)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

781- "فإن السبيل الواحد لا يقتضي الافتراق ، بخلاف السبل المختلفة".["الاعتصام"(2/12)]

لأن سبل الاختلاف مبنية على البدع والشبهات والهوى، بينما سبيل الله هو الحق والواضح والمستقيم، قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

782- "فمن ترك الواضح واتّبع غيره؛ فهو متّبع لهواه لا للشرع".[الاعتصام"(1/110)]

لذا جاء في القرآن والسنة التحذير من المبتدعة وأهل الأهواء، وأنه من الواجب التبرؤ منهم، وهذا الذي فعله السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان، من هجران أهل البدع والأهواء وعدم مجالستهم، والتحذير منهم. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

783- "وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع، وأول شاهد عليه قصة الخوارج، إذ عادوا أهل الإسلام، حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفّار؛ كما أخبر عنه الحديث الصحيح، ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضاً، حسبما بينه جميع أهل الأخبار. ثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع أهل الشريعة ويذمّونهم ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها".

وقال:

784- "وأصل هذا الفساد من قبل الخوراج، فهم أول من لعن السلف الصالح، وتكفير الصحابة ـ رضي الله عن الصحابة ـ، ومثل هذا كله يورث العدواة والبغضاء".["الاعتصام"(1/89-90)]

وختم الله تعالى الآية بقوله: (إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كَانُوا يَفْعَلُونَ) فيه تهديد عظيم لهم، لأنهم فعلوا جريمة الافتراق والتفرق عن عناد واستكبار. فعلى المؤمنين الموحدين المتمسكين بالحق أن يحذروا الاختلاف فيترتب على ذلك محن كثيرة منها دخول كثير من الناس في متاهات وضياع وحيرة؛ الله أعلم متى تنجلي، وعليهم أن يحذروا أهل البدع والأهواء وأن يحذّروا منهم، وينصروا الحق وأهله. قال تعالى في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ..) قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

785- "أي: وصى الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء ـ عليهم السلام ـ بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف".  

وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

786- "أي: اجعلوه قائماً؛ يريد دائماً مستمراً، محفوظاً، مستقراً، من غير خلاف فيه ولا اضطراب؛ فمن الخلق من وفّى بذلك ومنهم من نكث".

ففي الوقت الذي أمرهم الله تعالى بإقامة الدين نهاهم عن الاختلاف والتفرق فيه، ليبيِّن أن الاختلاف والتفرق يعطّل الاستمرار والاستقرار، ويسمح بتدخل المشركين في شؤون المسلمين، فإنه كبر عليهم أن يجدوا دعوة الحق تصدع بتوحيد الله عز وجل.

أليس المبتدعة الخوارج بشتى مسمياتهم هم الذين بتأجيجهم الخلافات، وشحنهم للبغضاء والعداوات، أذنوا للمشركين والمنافقين التدخل في المجتمعات الإسلامية؟ حتى آلت الأمور إلى ما أخبر به المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

787- "أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها".["صحيح الجامع"(8183)]

فلا بدَّ أن تضرب الخوارج أولاً بيد من حديد لتبدأ المجتمعات الإسلامية تطلعاتها نحو الاستمرار والاستقرار، ولا يتأتى لها ذلك إلا بالاعتصام بحبل الله، "القرآن والسنة بفهم سلف الأمة"، لأنه طريق الخلاص إلى التآلف والاجتماع والوحدة، وغير ذلك سراب يلهث وراءه كل هالك. قال تعالى في سورة آل عمران: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) قال العلامة الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

788- "فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة، والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلاً، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة؟ وقد حلَّ يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة. قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) بعد قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقاً، وأن ما سوى ذلك تفرقة، لقوله: (وَلا تَفَرَّقُوا) والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة، لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام".

عن زيد بن أرقم مرفوعاً:

789- "كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة".[رواه الإمام مسلم]

وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

790- "كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض".["الصحيحة"(2024)]

واستعار الله تعالى لدينه، أو لكتابه العزيز، الحبل، من حيث إن التمسك به سبب النجاة من الردى، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن التردي في الهلاك.

وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

791- "أبشروا أبشروا أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سبب (أي: حبل) طرفه بيد الله و طرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً".["الصحيحة"(713)]

وختم الله تعالى التنزيل بشأن الاختلاف بالتحذير من مخالفة أمره فقال في سورة النور فقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

792- "وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس ـ وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ إني سمعت الله يقول: فذكر الآية.

وهذه الفتنة التي ذكرها مالك ـ رحمه الله ـ تفسير الآية، هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه وما سنه نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون ما اهتدوا إليه بعقولهم".["الاعتصام"(1/100)]