الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الحادي والعشرون-
الأربعاء | 05/01/2011 - 08:20 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ01/02/1432 الموافق 05/01/2011

وفي مقال لي بعنوان:

793- "فاختلف الأحزاب من بينهم".[تاريخ 5/8/1430 الموافق 27/7/2009]

قلت:

794- "نشأ اختلاف الأحزاب بسبب ظلمها وعنادها للحق، وهذه سنة الله في دعوة الرسل والأنبياء والمجددين، فالدعوة السلفية حجة على الأحزاب المخالفة لحزب الله، فلم يكن للأحزاب عذر بعدها أن تتملص من تبعات مواجهة الحق بعد قيامه، فهذا الاختلاف الذي وقع بسببها هو من المقدمات التي تسبق العذاب الأليم في الآخرة، فعلى الأحزاب بشتى ألوانها وأشكالها وطوائفها وهي حتماً باعت دينها الإسلام، أن تعيد حساباتها من جديد، وأن تستقيم على الهدى، وتتبرأ من الضلالات والمصالح الدنيئة وتترك الهوى بعد ظهور الحق".

قال تعالى:

795- (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) [الزخرف]

قال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:

796- "كلٌّ قال بعيسى ـ عليه السلام ـ مقالة باطلة، وردَّ ما جاء به، إلاَّ من هدى الله من المؤمنين، الذين شهدوا له بالرسالة، وصدَّقوا بكل ما جاء به، وقالوا: إنه عبد الله ورسوله".

وقلت في المقال:

797- "وإنما لم يقل: (كل الذي تختلفون فيه)، لأنه لم يفعل ذلك، بل ترك بيان كثير من الأشياء، ليقف عند قضايا هامة هي من أس الفقه الأكبر، فاهتم ـ عليه السلام ـ في تصحيح مسائل الإيمان والمنهج، ومجادلة رؤساء الفرق الضالة فيما انتحلوه من مذاهب وحزبية حملتهم إلى الانحراف عن دين الله الحق، فدلّت الآية على اهتمامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببيان القضايا الكبرى التي اختلفوا فيها بسبب ما ابتدعه الضلاّل من ألوان التأويلات التي خرجوا بها عن نصوص التوراة. هذا إن لم يكونوا هم أصلاً تلاعبوا بتبديل النص ذاته".

وأنزل الله تعالى على نبيِّه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن ليبيِّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون، قال تعالى:

798- (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)  [النحل]

قال البغوي ـ رحمه الله ـ:

799- "أي: ليظهر لهم الحق فيما يختلفون فيه".

وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

800- "فتقوم الحجة عليهم ببيانك".

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

801- "ولهذا قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

802- "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".[رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وأحمد]

يعني السُّنَّة".["مجموع الفتاوى"(13/363)]

والله تعالى حفظ القرآن الذي أنزله على رسوله، وحفظ السُّنة، وحفظ فهم السلف الصالح، فلا يزال القرآن وما يستلزم فهمه وبيانه محفوظاً بحفظ الله محمياً بحمايته لتقوم حجة الله على عباده قرناً بعد قرن إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبي بعده، فكان حفظه عز وجل لدينه وما أنزله على رسوله مغنياً عن رسول آخر بعد خاتم الرسل، فتقوم به الطائفة المنصورة خير قيام، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

803- "الحجة إنما تحصل للعبد بعد تبينها فإذا لم تتبين له لم تكن له حجة يعني فلا يقنع من الحجة بمجرد حصولها بلا تبين فإن التبين أمام الحجة والله أعلم".["مدارج السالكين"(2/337)] وفي (121) أشرنا إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في تفسير قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) قال:"إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف".وفي (120) "ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له الحجة البالغة".

وهكذا الطائفة المنصورة حجة الله تعالى، فإنهم يبيِّنون للناس الذي يختلفون فيه، فقد نقل الخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه "شرف أصحاب الحديث" بإسناده عن عثمان بن سعيد الدارمي: قال: قال علي بن المديني في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم.."

804- "هم أهل الحديث، والذين يتعاهدون مذهب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويذبّون عن العلم، لولاهم لم تجد عند المعتزلة، والرافضة، والجهمية، وأهل الإرجاء والرأي، شيئا من السنة".

وروى البويطي عن الشافعي ـ رحمه الله ـ:

805- "عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صواباً".["الآداب الشرعية"لابن مفلح (1/238)]

وقال الخطابي ـ رحمه الله ـ:

806- "وليس الاختلاف حجة، وبيان السُّنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين".["أعلام الحديث"(30/2092)]

واعلم أن السُّنَّة:

807- "في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم، عبارة عمَّا سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر".[قاله ابن رجب ـ رحمه الله ـ في "كشف الكربة"]

وقال العلامة الشيخ عبد السلام البرجس ـ رحمه الله ـ:

808- "أما أهل السنة: فإن هذا اللفظ إنما يطلق على الشخص الذي التزم معتقد أهل السنة والجماعة المدونة في كتبهم المعروفة ولم يخرج عنه قدر أنملة، والسنَّة التي ينتسب إليها أهل السنة والجماعة هي طريقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه الكرام، كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ عندما سئل عن السنة قال:

809- "هي ما لا اسم له غير السُّنة".

وتلى قول الله سبحانه وتعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) فالذي سار على هذا الصراط المستقيم، ولم يلتفت قلبه إلى شيء من الأهواء كبيرة كانت أو صغيرة حاذياً في ذلك حذو أئمة السلف لا يخرج عنهم فهو من أهل السنة، قال رجل لأبي بكر بن عياش: "يا أبا بكر من السني"؟ فأجابه بإجابة بديعة، قال:

810- "الذي إذا ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها".

لمَ؟ لأنه ليس له أي انتماء إلا إلى السُّنّة، فلا يؤثر فيه الطعن على الأهواء وأهلها، ولا يؤثر فيه القدح في كتب أهل الأهواء وفي مؤلفاتهم، بخلاف من تلطخ بها فإنه ـ وإن زعم أنه على السنة ـ يطيش غضباً إذا عُرِّض ببدعته وحزبه، فكيف إذا صُرِّح بسبه؟ لا شك أنه سوف تثور ثائرته وتقوم قيامته، ولذا فإنك ستلحظ بعض أهل الحزبيات إذا ذكرت مساويء حزبه استشاط غيظاً وتغير وجهه، ثم يأتيه الشيطان ويزيّن له أن هذا الغضب من باب الغضب لدين الله سبحانه وتعالى، بينما الواقع أنه غضب لحزبه وأهله شاء أم أبى لأن المساويء يجب أن تذكر ويحذّر منها".["الجرح والتعديل عند السلف"]

فأهل الحديث لكونهم على منهاج النبوة والسلف تراهم يضبطون أحكامهم في الناس وفق العلم النافع، والحجة الصحيحة، والبصيرة التي آتاهم الله تعالى، فحكمهم على المتأوِّل والجاهل المعذور خلاف حكمهم على المعاند والمستكبر والفاجر، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

811- "فَالْمُتَأَوِّلُ وَالْجَاهِلُ الْمَعْذُورُ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُعَانِدِ وَالْفَاجِرِ، بَلْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا".["مجموع الفتاوى"(3/288)]

فيقولون حكمهم في الناس بشجاعة العادل المنصف ولا يخشون في الله لومة لائم، وهذه الشجاعة في قول الحق إنما اكتسبوها ـ بتوفيق من الله تعالى ـ لقدرتهم على البيان والتبيين في حسم شبهات الخلاف، وغيرتهم الصادقة على السُّنّة.

قال الإمام البربهاري ـ رحمه الله ـ:

812- "ولا يحل لرجل أن يقول فلان صاحب سنّة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السُّنّة".["شرح السنة"(ص:132)]

لذا فالحجة القاضية على شبهات الخلاف أوجبت على خصوم الأنبياء والرسل الذي أوجبته على خصوم الطائفة المنصورة "الدعوة السلفية" وهو وصف أنصارها بالجنون !!، قال تعالى:

813- (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6) [الحجر]

وقد سبقهم إلى نظيره فرعون عليه اللعنة بقوله في حق موسى ـ عليه السلام ـ:

814- (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ(27) [الشعراء]

وقال تعالى:

815- (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) [الدخان]

وقال تعالى:

816- (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) [الذاريات]

والتنفير والسب وظيفة كل مبتدع قامت عليه الحجة فخرج بعدائه للدعوة السلفية عن مسار الحق وتردّى في ظلمات الباطل، فدعوا الشناعة بالفرية والكذب والاختلاق هل يمكنكم الخروج من دائرة الاختلاف ومواجهة صدق الصادقين؟

فالمبتدعة وأهل الأهواء والأحزاب المنتشرة بمسميات شتى في أرض الواقع اليوم ليست بحجة لأنها كما قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

817- "ولن تقوم الحجة على أحد بالكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والافتراء على الله تعالى".["سلسلة الأحاديث الضعيفة"(3/202)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

818- "ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يدعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول ـ كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة ـ: "دعوا الناس في غفلاتهم "! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون ـ كما تقول العوام في بعض البلاد ـ: "كل مين على دينه، الله يعينه "! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه"!["الصحيحة"(8/2)]

 

 

وعند تفسير قوله تعالى في سورة الملك: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

819- "فمن خالف الرسول فقد خالف السمع والعقل ـ خالف الأدلة السمعية والعقلية ـ".["مجموع الفتاوى"(16/452)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

820- "وأهل البدع المخالفون للكتاب والسنة يدَّعون العلم والعرفان والتحقيق، وهم من أجهل الناس بالسمعيات العقليات، وهم يجعلون ألفاظاً لهم مجملة متشابهة تتضمن حقًا وباطلاً، يجعلونها هي الأصول المحكمة، ويجعلون ما عارضها من نصوص الكتاب والسنة من المتشابه الذي لا يعلم معناه عندهم إلا الله، وما يتأولونه بالاحتمالات لا يفيد، فيجعلون البراهين شبهات، والشبهات براهين".["مجموع الفتاوى"(17/417)]

فاختلاف الناس قبل ظهور البيِّنات والحجج لبعدهم عن الحق أكسبهم ما يوجب الذم والمقت وهذا سبب للعذاب، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

821- "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب".[رواه مسلم وأحمد]

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

822- "والمقت هو البغض، بل أشد البغض، ومع هذا فقد أخبر في القرآن أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا".["الجواب الصحيح"(2/305)]

وقال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ:

823- "والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل".     

وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحديث:

 824- "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك".[رواه مسلم وأحمد]

فإذا ظهرت البيِّنات والحجج صار كسبهم في الباطل ـ بعد الابتلاء بالدعوة ـ شرطاً للعذاب، لقول الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، وقال تعالى:

825- (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) [طه]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

826- "فهذا يبيِّن أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولاً، وبيَّن أنهم قبل الرسول كانوا قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب، لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة".["الجواب الصحيح"(2/314)]   

ولهذا قال:

827- (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ..(165) [النساء]

البقية من هنا