الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الثاني والعشرون-
الجمعة | 14/01/2011 - 08:06 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ09/02/1432 الموافق 13/01/2011

تقدّم أن الناس تبتلى حيال دعوة الرسل سواء قبل بعثتهم، أو عند بعثتهم، أو بعد بعثتهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وعلى كل الأحوال فإن من بلغته الحجة سواء قبل البعثة، أو عندها، أو بعدها، فإنه إلى درب الحق ـ بفضل الله ـ يصير، أو ـ والعياذ بالله ـ إلى دروب فرق المبتدعة "أهل الأهواء" يصير، أو إلى درب "أهل النفاق" يصير، أو إلى درب الكفّار يصير، مع ملاحظة أن من الكفار من إذا بقي على كفره صدَّقَك فيما أنت عليه من الحق، قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ عند تفسير قول الله تعالى:

873- (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) [المؤمنون]

يفهم من مفهوم مخالفته، أن قليلاً من الكفار ليسوا كارهين للحق. وهذا السؤال وارد أيضاً على آية الزخرف وهي قوله تعالى:

874- (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78)

والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم بأن قليلاً من الكفار كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإيمان بالله ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا صبأوا وفارقوا دين آبائهم، ومن أمثلة من وقع له هذا: أبو طالب فإنه لا يكره الحق، الذي جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته".

ومن الفسّاق المؤمنين من يحب الحق لكنه يبقى مصرّاً على معصيته فلا يخرج من ملّة الإسلام، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمَّن شرب الخمر:

875- "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله". [رواه البخاري وغيره]

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

876- "وذلك الحب من أعظم شعب الإيمان فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها".["مجموع الفتاوى"(10/638)]

أما المبتدعة أهل الأهواء الذين لبسوا لباس المشيخة المزيّفة هم صنّاع الخلاف والاختلاف، والفرقة والافتراق في الأمة، فمنهم من يداهنك ويخفي نفاقه ويتظاهر بالانتصار للحق وأهله فاحذره؛ لأنه شرّ من الذي يعاديك منهم معاداة الكافر الجائر.

وفي مقال لي بعنوان:

877- "احذر متَّبعي المتشابه".[تاريخ7/10/1429 الموافق 6/10/2008]

نقلت كلام المعلمي اليماني ـ رحمه الله ـ:

878- "ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً، وإنما هو أمر مقصود شرعاً ليبلو الله تعالى ما في النفوس، ويمتحن ما في الصدور، وييسر للعلماء أبواباً من الجهاد العلمي، يرفعهم الله به درجات". ["الأنوار الكاشفة" (ص:223)]

وقلت في المقال:

879- "فصاحب الهوى أعمى عن وجه الحق، أصم عن سماع الحجج، فلا يسمع ما ينتفع به، وأما المؤمن المنتهج منهاج النبوة والسلف فهو ذكي لبيب، بصير بالحق، يتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة، يفرق بينها وبين الشبهة فلا ينطلي عليه الباطل، ولذلك فإن أهل البدع والأهواء الذين عندهم قابلية للزوغان، لوجوده أصلاً في قلوبهم المريضة، ونفوسهم الخبيثة، سَهُلَ عليهم الوقوع في المتشابه، لأنهم في قرارة أنفسهم يقرّونه ويتعلقون به ويسعون إليه، وبالتالي فإنهم يرغبون بإلحاح أن يوقعوا غيرهم في الضلال والفتنة من طريق الشبهة التي رغبوا فيها".

وقال المعلمي اليماني ـ رحمه الله ـ:

880- "لكن أهل الأهواء حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الرّاغب في الحق ألا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما ينظر إليه أهل الحق والله الموفق". ["التنكيل"(2/217)]

 وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

881- "لو علم أهل التأويل الفاسد أي باب شر فتحوه على الأمة بالتأويلات الفاسدة، وأي بناء للإسلام هدموه، وأي معاقل وحصون استباحوها، لكان أحب إلى أحدهم أن يخر من السماء إلى الأرض ولا يتعاطى شيئاً من ذلك".

وقال:

882- "فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دلَّ عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟". ["إعلام الموقعين" (4/249-250)]

 فاحذر الذنب واحذر البدعة، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:

883- "ما تواد اثنان في الله عز وجل، أو في الإسلام، فيفرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما".["الصحيحة"(637)]

قال المناوي ـ رحمه الله ـ:

884- "فيكون التفريق عقوبة لذلك الذنب، ولهذا قال موسى الكاظم: إذا تغير صاحبك عليك فاعلم أن ذلك من ذنب أحدثته فتب إلى الله من كل ذنب يستقيم لك ودَّه، وقال المزني: إذا وجدت من إخوانك جفاء فتب إلى الله فإنك أحدثت ذنباً، وإذا وجدت منهم زيادة ودٍّ فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله تعالى".

واعلم أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، قال سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ:

885- "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها".

لأن المبتدع زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً، فهو مفتون برأيه السقيم، فحاله حال من أرادوا إلا الخير ـ زعموا ـ فساروا بغلوِّهم إلى مطاعنة المسلمين يوم النهروان، فالمبتدعة تعـددت أسماؤهم، شعاراتهم مختلفة وقلوبهم على الباطل مؤتلفة، يوجدون حيث توجد المصلحة، يفرِّقون ويحسبون لغلوِّهم أنهم يجمِّعون، هؤلاء عرفوا الحق ولكنهم أضافوا إليه باطلاً من عند أنفسهم، ولذلك تعرف منهم وتنكر، فإن في طريقتهم المعروف والمنكر، والسنة والبدعة، فهم لا يضبطون حركاتهم وسكناتهم بالضوابط الشرعية، أولئك أهل الأهواء فاحذروهم. قال ابن بدران ـ رحمه الله ـ:

886- "فالأهواء متى حلَّت بصاحبها أخذته عن الحق، وجعلت الباطل سارياً في لحمه ودمه، فإذا خالطه أحد حصلت له العدوى منه".["العقود الياقوتية"(ص:48)]

فالمبتدعة متفرقة ومعروفة بالتفريق والتضليل ـ نعوذ بالله من شر الفتن ـ فبعد أن تبتدع وتتفرق يصير همّها الأول تفريق الناس عن الحق!! فالفرقة من أخس أوصاف المبتدعة ذكرنا هذا من قول الشاطبي ـ رحمه الله ـ في (788)، والتفريق من أخس أخلاقها، حكى ابن بطال في "شرح البخاري" عن أبي حنيفة: أنه قال:

887- "لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة، فسألته عن شيء؟ فقال: "من أين أنت"؟ قلت: "من أهل الكوفة. قال: "أنت من أهل القرية الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً؟ قلت: "نعم". قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت:

888- "ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفّر أحداً بذنب".

فقال:

889- "عرفت فالزم".[ونقل هذه الحكاية الشاطبي في "الاعتصام" فصل "ما في القرآن من ذم المبتدع"]

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

890- "وأما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام, فلأنها تقتضي التفرق شيعاً".

ثم بعد أن ذكر شيئاً من الآيات التي تقدّمت قال ـ رحمه الله ـ:

891- "هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع. وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج، إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفار؛ كما أخبر عنه الحديث الصحيح، ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك؛ فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضاً، حسبما بينه جميع أهل الأخبار. ثم يليهم كل من ابتدع بدعة؛ فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها، كما يروى عن عمرو بن عبيد أنه قال: "لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل؛ ما أجزت شهادتهم"!!.["الاعتصام"(1/88-90)]

فكيف بهؤلاء الحمقى يرون بعد كل هذه الشواهد والتحذيرات من البدعة والمبتدعة أهل الخلاف والاختلاف؛ أن الاختلاف رحمة؟ قد يكون الدافع العصبية للحزب، أو المذهب، فينتصر لحزبه، أو لمذهبه، وهو يعلم أنه مخالف للحق، لكنها العصبية التي فعلت في نفسه أفاعيلها، وهي سبب من أسباب الاختلاف دفعته ليبرر هواه تحت طائلة العمل بالحديث الذي لا أصل له: "اختلاف أمتي رحمة"!! فإذا ذكّر بخلاف غيره دفع هوى العصبية، بهوى الحديث الذي لا أصل له!! قال شيخنا العلاّمة الألباني ـ رحمه الله ـ:

892- "وقد تتغلب العصبية المذهبية على أحدهم، وقد يكون هو أستاذ المادة نفسه؛ فيرجح من تلك الأقوال الموافق لمذهبه وينتصر له بحديث من تلك الأحاديث؛ وهو لا يدري أنه حديث ضعيف عند أهل الحديث ونقاده، والمنهج العلمي الصحيح يوجب عليه أن يجري عملية تضعيفه بين تلك الأحاديث المتعارضة المستدل بها للأقوال المتناقضة؛ فما كان منها ضعيفاً لا تقوم به حجة تركت جانباً؛ ولم يجز المعارضة بها، وما كان منها صحيحاً أو ثابتاً جمع بينها بوجه من وجوه التوفيق المعروفة في علم أصول الفقه وأصول الحديث، وقد أوصلها الحافظ العراقي في حاشيته على "علوم الحديث" لابن الصلاح إلى أكثر من مئة وجه".["إرواء الغليل"(1/9)]

وأهل الحديث كما قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

893- "من أبعد الناس عن البدع".["الاعتصام"(1/71)]

ولم يتوقف بعدهم عن البدع فحسب، بل تجاوزوها إلى البعد عن أهلها وذمِّهم، فهم يبغضون أهل البدع بغضاً شديداً لأن ذلك من أوثق عرى الإيمان، قال الإمام أبو عثمان الصابوني ـ رحمه الله ـ في "عقيدة السلف أصحاب الحديث"(ص:100):

894- "ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضَرَّت وجَرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله عز وجل قوله:

895- (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه...(ِ68) [الأنعام]

ولا شك أن تسوية الحق بالباطل مخالف في النقل والعقل، ومع هذا فإن المبتدعة يروق لهم الاختلاف لأنهم يكرهون الحق، ولديهم نزعة جامحة وقوية لغرس الضلال والشقاق بين الناس، فإذا تركوا وشأنهم ضاع الحق، قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

896- "واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشدّ من استعمار كل طوائف المستعمرين، فيجب التباعد عنهم، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه".["أضواء البيان"]

لذلك فوجود الطائفة المنصورة في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة من الله تعالى، وحصناً لها من التيه والضياع، لأنها لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرّها من خالفها، ولا يضرّها من خذلها، فهي التي تدعو إلى الحق، وتهدي إلى الحق، وتعمل خلاف عمل المبتدعة، توحِّد ولا تفرق. قال الخطابي ـ رحمه الله ـ:

897- "فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول، محرم في قضايا الأصول، لأنه داعية الضلال، وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل، ولكثرت الأديان والملل، ولم تكن فائدة في بعثة الرسول، وهذه هو الذي عابه الله عز وجل من التفرق في كتابه، وذمّه في الآي التي تقدم ذكرها".["العزلة"(ص:57-58)]

قال  شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

898- "لَكِنَّ قَدْ تَخْفَى آثَارُ الرِّسَالَةِ فِي بَعْضِ الأمْكِنَةِ وَالأزْمِنَةِ حَتَّى لا يَعْرِفُونَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ. إمَّا أَنْ لا يَعْرِفُوا اللَّفْظَ، وَإِمَّا أَنْ يَعْرِفُوا اللَّفْظَ وَلا يَعْرِفُوا مَعْنَاهُ؛ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ فِي جَاهِلِيَّةٍ بِسَبَبِ عَدَمِ نُورِ النُّبُوَّةِ، وَمِنْ هَهُنَا يَقَعُ الشِّرْكُ وَتَفْرِيقُ الدِّينِ شِيَعًا، كَالْفِتَنِ الَّتِي تُحْدِثُ السَّيْفَ، فَالْفِتَنُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْعَمَلِيَّةُ هِيَ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ بِسَبَبِ خَفَاءِ نُورِ النُّبُوَّةِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ:

899- "إذَا قَلَّ الْعِلْمُ ظَهَرَ الْجَفَاءُ، وَإِذَا قَلَّتْ الآثَارُ ظَهَرَتْ الأهْوَاءُ".

وَلِهَذَا شُبِّهَتْ الْفِتَنُ بِقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد فِي خُطْبَتِهِ:

900- "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ".

فَالْهُدَى الْحَاصِلُ لأهْلِ الأرْضِ إنَّمَا هُوَ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) فَأَهْلُ الْهُدَى وَالْفَلاحِ: هُمْ الْمُتَّبِعُونَ لِلأنْبِيَاءِ، وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. وَأَهْلُ الْعَذَابِ وَالضَّلالِ: هُمْ الْمُكَذِّبُونَ لِلأنْبِيَاءِ. يَبْقَى أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُ إلَيْهِمْ مَا جَاءَتْ بِهِ الأنْبِيَاءُ. فَهَؤُلاءِ فِي ضَلالٍ وَجَهْلٍ وَشِرْكٍ وَشَرٍّ، لَكِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وَقَالَ: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وَقَالَ:

901- "(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59) [القصص]

فَهَؤُلاءِ لا يُهْلِكُهُمْ اللَّهُ وَيُعَذِّبُهُمْ حَتَّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولاً". ["مجموع الفتاوى"(17/307)]

فلا يمكن اجتماع السني مع البدعي في أي حال من الأحوال، قال أبو عثمان الصابوني ـ رحمه الله ـ:

902- "وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، واحتقارهم لهم، واستخفافهم بهم".["عقيدة السلف أصحاب الحديث"(ص:101)]فالمبتدع يريد ببدعته إصابة التشريع الإلهي بمقتل، فهو ببدعته وإن كانت حقيرة فيما يبدو لكثير من الناس ـ بزعمهم أنها حسنة!! ـ فإنه بفعله المحدث أبعدهم عن أصل من أصول الإسلام باستحسانه، فالله تعالى لا يعبد إلاَّ بما شرع. لا يعبد بما يستحسنه المبتدعة السفهاء.

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في أحد دروسه:

903- "نحن نقول إن دندنة الدعاة إلى الكتاب والسنة في تحذير الأمة من التمسك بالبدعة ليس أمراً سهلاً، وإنما تأكيد وحمل المسلمين لأن يعودوا لأصل من أصول الإسلام وهو عبادة الله بما شرع، فهذا أمراً ليس سهلاً".

ثم بعد أن أتى ـ رحمه الله ـ ببعض الأمثلة ليبيِّن من خلالها ما صح من قول جبير بن الحارث:

904- "ما أحدثت بدعة إلا وأميتت سنة".

قال ـ رحمه الله ـ:

905- "لذلك كان السلف الصالح يحرصون أشد الحرص على حمل المسلمين على التمسك بالسّنّة والابتعاد عن البدعة مهما كانت البدعة يسيرة وزهيدة في ظن الناظرين".

واستحضر ـ رحمه الله ـ نموذجاً من فعل السلف كان ابن وضّاح القرطبي نقله في كتابه القيم: "البدعة والنهي عنها". فقال:

906- "من مثل هذه النماذج التي يمكنني أن استحضرها الآن .. أن أحد المؤذنين في المدينة المنورة كان يؤذن والناس يعرفون أنه يؤذن، فبدا له مرة أنه إذا صعد فوق ظهر المسجد للأذان أن يتنحنح فقط، لا يتكلم ولا يلفظ نشيداً، وإنما كل ما أحدثه أنه تنحنح، فسمع مالك منه مرة، مرتين، ثلاثة، حتى تأكد أن هذا التنحنح ليس لأمر عارض منه؛ وإنما هذا عن خطة مرسومة، فأرسل إليه وسأله عن هذا فقال: أفعل ذلك بين يدي الأذان، تهيئة لايقاظ الناس!! فنهاه عن ذلك وقال: إنه لم يكن من الأمر الأول، مجرد النحنحه، فلو كان الإمام مالك في زماننا لسمع المقدمات والمؤخرات بين يدي الأذان، فماذا كان يقول لهم؟".

فهل توقفت المبتدعة عن النحنحات في كل شيء؟ الجواب: لا، بل المبتدعة أخذت صوراً عديدة من كيدها للأمة الإسلامية إلى أن وصلت بها إلى الافتراق والضياع والهرج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

907- "لا تَجِدُ أَحَدًا تَرَكَ بَعْضَ السُّنَّةِ الَّتِي يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا وَالْعَمَلُ إلاَّ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ، وَلا تَجِدُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ إلاَّ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ السُّنَّةِ، ... وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) فَلَمَّا تَرَكُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ اعتاضوا بِغَيْرِهِ؛ فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ".["مجموع الفتاوى"(7/173)]

وقال ـ رحمه الله ـ:

908- "ولا تجد أحداً وقع في بدعة إلا لنقص اتباعه للسنة علماً وعملاً".["شرح حديث "لا يزني الزاني"] 

فأهل الحديث، أتباع السّنّة، أتباع منهاج النبوة والسلف، يقومون بواجبهم في تبصير الناس الحق، ودحر المبتدعة وفضحهم، ورد كيدهم وعـدوانهم الأثيـم، لا يخشون في الله لومة لائم، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

909- "كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف".["مجموع الفتاوى"(28/489)]

لذلك لا بدَّ من هجمة مميزة على المبتدعة أجمع، للخلاص من شرِّهم وفسادهم، فالحق أن جهاد هؤلاء أولى بكثير من جهاد الكفّار، الكفّار لا ينتمون إلى الإسلام، بينما هؤلاء نخروا جسم الأمة من الداخل، هم العدو فاحذرهم، فلم يتوقف شرّهم على تفريق المسلمين وإضعافهم، بل بعّدوا كثيراً من الكفار عن إدراك الحق ومعرفته. قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:

910- "وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك والضد لما هنالك، فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة؛ ويدفعونه من شنعة إلى شنعة، حتى يسلخوه من الدين ويخرجوه منه؛ وهو يظن أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم، هذا إن كان في عداد المقصرين ومن جملة الجاهلين، وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم وختم على قلبه وصار نقمة على عباد الله ومصيبة صبَّها الله على المقصرين، لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى الحق !! ولا يتبع إلا الصواب !! فيضلون بضلاله فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة، نسأل الله اللطف والسلامة والهداية".["فتح القدير"]

فقتال الخوارج أولى من قتال الكفّار، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

911- "وتبليغ سنّته ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه".["جلاء الأفهام"(ص:415)]

والخوارج لا يهدأ لهم بال حتى يقتلوا رؤوس أهل السنّة وأنصارهم، فلا شك أن حفظ رأس مال الإسلام بقتل الخوارج أولى من طلب الربح بقتل الكفّار. قال يحيي بن معين ـ رحمه الله ـ:

912- "الذبّ عن السّنّة أفضل من الجهاد في سبيل الله".["سير أعلام النبلاء"(10/518)]

وقال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

913- "وأيضاً فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع والتشريد بهم والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه، وقد حذَّر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء. لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقاً. كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟".["الاعتصام"(1/90)]