الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الرابع والعشرون-
الأحد | 23/01/2011 - 08:18 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ19/02/1432 الموافق 23/01/2011

وفي استبانة سبيل المجرمين: تحذير للمسلم من الوقوع في شيء منها، فإذا تبيَّن له السُّنّة من البدعة، والحق من الباطل، وقف على حقيقة ما في الابتداع والأهواء من الشرِّ والخطورة، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

939- "والله تعالى قد بيَّن في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة؛ وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة؛ وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلاَّ سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبيَّنهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام، فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة".["الفوائد"(ص:108)]

وعن مطرف بن الشَّخّير قال:

940- "لو كانت الأهواء كلها واحداً؛ لقال القائل: لعل الحق فيه! فلما تشعَّبت وتفرَّقت؛ عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق".[ذكره الشاطبي في "الاعتصام"(1/40)]

قال تعالى:

941- (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) [الأنعام]

قال ابن قتيبة ـ رحمه الله ـ:

942- "ومعنى تفصيلها إتيانها متفرقة شيئا بعد شيء".["زاد المسير" لابن الجوزي]

وقال الشيخ العلاّمة السعدي ـ رحمه الله ـ:

943- "ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه".

وقال:

944- " فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل".

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

945- "والناس في هذا الموضع أربع فرق:

الأولى: من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علماً وعملاً؛ وهؤلاء أعلم الخلق.

الفرقة الثانية: عميت عنه السبيلان؛ من أشباه الأنعام، وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك.

الفرقة الثالثة: من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها؛ فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل؛ وإن لم يتصوره على التفصيل، بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه..

والفرقة الرابعة: فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة، وسبيل المؤمنين مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك؛ بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له في بعض الأشياء، ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عياناً.

وكذلك من كان عارفاً بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل سالكاً لها إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملاً غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره في تصرفها وسلوكها".["الفوائد"(ص:109-110)] وقال ـ رحمه الله ـ:

946- "والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب وتبغض، كما يجب أن تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك، وفى هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا يعلمه إلا الله؛ من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها، وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه والله أعلم".["الفوائد"(ص:111)] فكلمّا استبانت للمسلم اللبيب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سبيل المجرمين على التفصيل واطّلع على دقيق أعمالهم، عرف كيف يتعامل معهم، فإن من استبانت له سبيل المجرمين استبانت له في المقابل سبيل المؤمنين على التفصيل، فلا بدَّ أن يكون موقفه حيال أهل البدع والأهواء بعدئذ وفق منهاج النبوة والسلف، وهو الموقف الذي يتخذه عادة العلماء النبلاء الذين لا يخشون في الله لومة لائم، أما الأعمى أو الذي يتعامى عن السبيلين فهيهات هيهات فهو كما قال ابن القيم: "بسبيل المجرمين أحضر، ولها أسلك". لذا قال الإمام الطحاوي ـ رحمه الله ـ:

947- "وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلافَ وَالْفُرْقَةَ". 

والخلاف له صورتان: الأول خلاف في العِلْمِيَّاتْ: في العلم والعقيدة، والثاني الخلاف في العَمَلِيِّاتْ: يعني فيما يُسَمَّى بالفروع. والخلاف الثاني في الفروع ليس مُبَاحَاً أو مأذوناً به بل هو مذموماً ولو كان في الفروع، قال العلاّمة أحمد بن محمد الدهلوي ـ رحمه الله ـ في كتابه "تاريخ أهل الحديث":

948- "فانظر بنظر العدل ـ يا طالب الحق ويا مخلصاً في الدين ـ إلى هذا البحث، واحكم عليه بعين إنصافك، وبالله التوفيق. واعلم أن من الأمة الإسلامية اثنتين وسبعين ملة في النار؛ بسبب اختلافهم في مسائل الدين من العقائد والأصول والأحكام والفروع من المسائل الشرعية بعدما جاءتهم البينات".

وقال ـ رحمه الله ـ:

949- "وتخصيصهم بعض مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب؛ لأن المسائل الشرعية متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع . فالمسائل الشرعية ـ فروعية كانت أو أصولية ـ يكون الاختلاف والافتراق فيها ـ بعد مجيء الحجج الواضحات المبينات، والاطلاع عليها ـ سبباً لدخولهم النار".

ثم قال ـ رحمه الله ـ:

950- "ومن لم تبلغه السُّنّة، ولم يعلم بها، ونيَّته الاتباع والفرار من الابتداع، فأرجو أن لا يكون من هذا القبيل، ولكن عليه أن يسعى في درك الأحكام على الوجه الثابت من الكتاب والسنة، باكتساب العلم من الثقات المحدّثين، أو بسؤالهم عن نصوصها وأدلّتها حتى لا يتوجه إليه اعتراض، ويبقى سليماً من الأهواء المضلة والآراء الفاسدة والاجتهادات الزائغة".

ثم ذكر ـ رحمه الله ـ مسائل لتكون أنموذجاً لما بنوا عليه المقلدة مذاهبهم من مخالفة السُّنّة الصريحة الصحيحة الثابتة، وإلاَّ كما قال ـ رحمه الله ـ:

951- "هي كثيرة جدّاً".

قلت: ومن أراد أن يتتبعها فيصعب عليه حصرها بسبب ظهور الجهل، والتماس العلم عند الأصاغر الذين قسَّموا الدين إلى كليات وجزئيات!! وأصول وفروع!! لتتاح لهم فرصة ضرب السُّنّة شيئاً فشيئاً. وقال ـ رحمه الله ـ:

952- "وهذا الفساد يبيِّن فساد ما هم عليه من جواز الاختلاف في الفروع، وبه ما وقع في كتب المذاهب من الاختلاف في أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام، ولا تكاد تجد اثنين منهما يتفقان في مبناه ومعناه. وكلّما جمعت أنت ومن معك من تلك الكتب، وقابلت بعضها ببعض؛ لم تجد إلاّض زيادة اختلاف وتباين وافتراق، كما تجده في كتبهم إذا حرر مذهبه يقول: خلافاً لفلان! خلافاً لفلان!! خلافاً لفلان!!! فبالله عليك ما معنى هذه الآية: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)؟".

فلا غرابة إذن أن نجد المقلدة والمتحزبّة يشيعون هذا الكلام الذي لا أصل له: "اختلاف أمتي رحمة"، إلى أن أكملوا دائرة رسم الشبهة بتقسيم الدين إلى أصول وفروع، أو على حدِّ زعمهم: لباب وقشور!! فبعد أن اطمأنوا إلى دخول كثير من الناس في هذا الشَّرَك الذي نصبوه لهم بادّعائهم أن هذا الاختلاف رحمة لأنه في الفروع!! فإذا هم يسارعون بهم إلى شَرَك أكبر وهو إدخالهم في الاختلاف الذي في الأصول.

قال العلاّمة عبد السلام بن برجس ـ رحمه الله ـ:

953- "وهؤلاء القوم يريدون أن ينصبَّ الاهتمام على مسائل العلم المسمّاة بالكليَّة دون مسائل العلم المسمّاة بالجزئية".["ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية"]  

والمبتدعة لبغضهم السُّنة فإنهم يعملون على إهمالها، والتقليل من شأنها، لذا فإنهم في الوقت الذي يصغّرون فيه من شأن السّنة في الفروع!، يكبِّرون البدعة في الأصول!، فلا ينتبه الكثير من الناس إلى لعبتهم الخبيثة، فيعملون على هدم السّنّة بطريقة المنشار "آكِل رايح وآكِل جاي"! فبعد تقسيمهم المحدث للدين فروع وأصول، يهدمون الفروع؛ فيعتبرون العمل على إحياء السُّنّة وإماتة البدعة من المسائل التي طال حولها الجدل! قائلين: هذه قشور تعيق التقدّم نحو الغاية؛ وغايتهم (الأصول!) لإقامة الخلافة الإسلامية! أو الدولة الإسلامية! فها هو أبو الأعلى المودودي واحد من أكابر مجرميها يرى:

"أن العبادات الإسلامية: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والذكر، وتلاوة القرآن، هي مقررات تدريبية لعبادة أصلية أخرى، وهي: تأسيس الحكومة الإلهية!!".["دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية" لصلاح مقبول (ص:261) نقلاً عن "تنقيد المسائل" لمحمد الغوندلوي (ص:16-17)]  

فإذا أتيحت لهم فرصة الخلافة المزعومة، أو الدولة المزعومة، فإنهم حتماً يهدمون الأصول. فأي إسلام هؤلاء يدعون إليه! فالناظر إلى سيرهم وأحوالهم وبعض كتاباتهم يتبيَّن له كما قال البرجس ـ رحمه الله ـ:

954- "أن الكلّيات عندهم: مجرد الخوض في الأمور السياسية، والتجميع لإقامة الدولة الإسلامية ـ رافضية كانت!! أو علمانية!! أو قبورية!! المهم الاسم لا المسمى".

فإذا كانت المذهبية والحزبية تتوارى في اختلافاتها (رحمة!! زعموا) خلف المسائل الفرعية، فما بالها الآن في اختلافاتها تخلع قناعها وتشهر سيفها (إرهاباً) بحجة الدفاع عن الأصول؟ الجواب: إنها البدع والضلالات والهوى، والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا رسوله، وتأجيج الفتن، واعلم أن الكلّيات (الأصول! بزعمهم) التي يذهبون إليها هي كما قال البرجس ـ رحمه الله ـ:

955- "الكلام في السياسات، والذهاب إلى "الرَّصيف" لأخذ مرئيات الشباب عن المجتمع، وحصرها في النسب المئوية، وتجميع نسب العوانس والعاهرات.... فمن فعل ذلك فلا عيب عليه عندهم، لأنه يعمل في "الكليات"!! أمّا من ألف جزءاً في "العجن في الصلاة" أو رسالة في "عقد التسبيح باليمين" فهذا مغرق في "الجزئيات" منصرف عن "الكلّيات" ينبغي أن يوجه ويصرف إلى تعلم "فقه الواقع" ـ على طريقتهم ـ ليكون في عداد أصحاب "الكليات".

فلا أدري ـ والله ـ ما يقولون عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ الذي رحل شهراً في حديث، أهو أهو مغرق أيضاً في الجزئيات؟ لم لا يكون كذلك، وأصحاب تلك الأجزاء بذلوا من وقتهم أسبوعين أو أقل أو أكثر، ينظرون في الأحاديث، ويصححون مفهومها، فذمّوا على ذلك!!! ولا أدري ما يقولون عن سلفنا الصالح الذين أغرقوا المكتبات بالكتابة في "الجزئيات" أيذمَّون بذلك أيضاً؟ (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)".

وقال ـ رحمه الله ـ:

956- "لقد كان علماء السلف ـ رحمهم الله تعالى ـ مجتهدين في بحث المسائل الخلافية، بذلاً للأسباب الموصلة إلى الصواب، الذي طولبوا ـ شرعاً ـ بالوصول إليه؛ ما استطاعوا.

فكم كتب العلماء في مسألة "القراءة خلف الإمام"؟ وكم كتب العلماء في مسألة "الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة"؟ وكم كتب العلماء في "فضائل دمشق"؟ وكم كتب العلماء في "فضائل القدس"؟ وكم كتب العلماء في "الأذكار"؟ وكم وكم كتبوا في نحو هذه القضايا إفراداً وضمناً، مع أن عصورهم تموج بالفتن، وتسلّط الكفّار، وضعف المسملمين.. أفتراهم يتركون الكتابة في هذه المسائل من أجل ذلك؟ كلاَّ والله، ولو فعلوا لذهب العلم جملة، تؤذن بذهابه كله، ولكتموا ما وجب عليهم إظهاره.

ألا فليتق الله هؤلاء المزهّدون في السّنّة، المثبطون عن العلم، بمثل هذه الحجج الواهية، والشبهات الداحضة".["ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية"]

أليس هؤلاء المبتدعة المنافقة انتقلت بالكلّيات المزعومة من الإرهاب الفكري إلى الإرهاب الإجرامي بكل صوره وآلياته، إنهم يعيثون في الأرض فساداً، ألا تراهم جميعاً يوحِّدون معنى الابتداع إلى الخروج بشقيه القعدي ـ خلايا نائمة ـ والمسلَّح ـ خلايا نشطة فاعلة ـ، إنهم باختصار زجروا من حكّم الكتاب والسّنّة بفهم سلف الأمة، وضاقوا به ذرعاً، بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وما سبب ذلك إلا بغض السّنّة وأهلها، وحسد الطائفة المنصورة، واتباع الهوى، والتعطش لدماء الأبرياء؛ فيتصورون أنهم يصلون بقتلهم وسلبهم إلى غايتهم المشؤومة التي يصبون إليها وهي السلطة والتسلط على الناس.

فلا يجوز التفريق بين أصل وفرع، والله تعالى أمر المؤمنين الدخول في جميع شرائع الإسلام اعتقاداً وعملاً، فلم يفرق الله تعالى في الأمر بين أصل وفرع حين قال:

957- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) [البقرة]

قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:

958- "السِّلم: الإسلام. كافةً: جميعاً".

و(السِّلْمِ) أصله من الاستسلام وهو الانقياد، قال مجاهد ـ رحمه الله ـ:

959- "اعملوا بجميع الأعمال، وجوه البرِّ".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

960- "يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدّقين برسوله: أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك".

وقال السعدي ـ رحمه الله ـ:

961- "وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعاً للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته".

وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ:

962- "فما شرعه الله تعالى في كتابه، وما سنّه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سنّته لا يجوز لأحد أن يقلل من شأنه بأي وجه من الوجوه، بل الواجب التمسك بالإسلام جملة، فما كان واجباً حرُم تركه، وما كان مندوباً فعلى ما سبق بيانه، ولا إثم على من تركه".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

963- "فأما التفريق بين نوع وتسمية: مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته: مسائل الفروع: فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ من المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض".["مجموع الفتاوى"(23/346)]

وفي قصة قتل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقوله للشاب الذي دخل عليه:

964- "ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك".["فتح الباري"(10/264)]

وغيرها الكثير مما يتبيَّنه البصير أن الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ كانوا يهتمون بجميع ما ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فليس عندهم ولا عند التابعين من بعدهم، ولا عند من اتبعهم بإحسان مسائل سهلة خفيفة، ومسائل ثقيلة، بل كل المسائل عندهم ثقيلة، قال الإمام مالك وقد سئل عن مسألة فقال:

965- "لا أدري".

فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير ـ وكان السائل ذا قدْر ـ فغضب مالك وقال:

966- "مسألة خفيفة سهلة؟! ليس في العلم شيء خفيف؛ أما سمعت قول الله تعالى:

967- (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) [المزمل]

فالعلم كلُّه ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة". ["ترتيب المدارك" للقاضي عياض (1/184)]

ونقل الإمام الشاطبي عن بعض العلماء قوله:

968- "ووجدنا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ولم يتفرقوا، ولا صاروا شيعاً لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد الرأي، والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً، واختلف في ذلك أقوالهم، فصاروا محمودين؛ لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به؛ كاختلاف أبي بكر وعمر وعلي وزيد في الجد مع الأم، وقول عمر وعلي في أمهات الأولاد، وخلافهم في الفريضة المشتركة، وخلافهم في الطلاق قبل النكاح، وفي البيوع وغير ذلك فقد اختلفوا فيه وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح، وأخوة الإسلام فيما بينهم قائمة، فلما حدثت الأهواء المردية، التي حذر منها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا شيعاً، دلَّ على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه".

وقال:

969- "فكل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة؛ علمنا أنها من مسائل الإسلام. وكل مسألة حدثت وطرأت فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتفسير الآية". يعني قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) ـ. وقال:

970- "فيجب على كل ذي عقل ودين أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) فإذا اختلفوا وتقاطعوا؛ كان ذلك لحدث أحدثوه من اتِّباع الهوى".["الاعتصام"(1/496)]

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

971- "هذا ما قاله، وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتّحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي أدّى إلى خلاف ذلك؛ فخارج عن الدين".

وقال شيخنا العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه "الحديث حجة بنفسه"(ص:90-92):

972- "ومن عرف هذا السبب في بقاء طوائف المقلدين على تفرقهم المشين طيلة هذه القرون الطويلة؛ حتى أفتى جمهورهم ببطلان الصلاة أو كراهتها وراء المخالف في المذهب!! بل منع بعضهم الحنفي أن يتزوج المرأة الشافعية !! وأجاز آخر ذلك لكن دون العكس معللاً ذلك بقوله: "تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب" كأن الله تعالى لم يخاطبهم بقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) وقال: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

973- "والزبر الكتب أي كل فرقة صنفوا كتباً أخذوا بها وعملوا بها ودعوا إليها؛ دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء ".["إعلام الموقعين"(1/259)]

أقول ـ والقول للألباني ـ:

974- "ولعل هذه الكتب هي التي أشار إليها عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فيما رواه عنه عمرو بن قيس السكوني قال: "خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية فسمعت رجلاً يحدث الناس يقول:

975- "من اقتراب (وفي رواية: أشراط) الساعة أن ترفع الأشرار و توضع الأخيار ويفتح القول ويخزن العمل ويقرأ بالقوم المثناة، ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: و ما المثناة؟ قال: ما اكتتب؛  سوى كتاب الله عز وجل".["الصحيحة"(2821)]

وكأنه لذلك كان الإمام أحمد رحمه الله - حرصاً منه على إخلاص الاتباع للكتاب والسنة - يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي ـ قاله ابن الجوزي في "مناقب أحمد" (ص:192) ـ خشية إيثار الناس لها على الكتاب والسنة كما فعل المقلدة تماماً، فإنهم يؤثرون مذهبهم على الكتاب والسنة عند الاختلاف ويجعلونه معياراً عليهما.  وكان الواجب اتباع الكتاب والسنة كما تقضي بذلك الأدلة المتقدمة منها، وكما توجب ذلك عليهم أقوال أئمتهم، وأن ينضموا إلى من كان الكتاب والسنة معه من المذاهب الأخرى، ولكنهم مع الأسف الشديد ظلوا مختلفين متنازعين،  ولذلك قال ابن القيم: وقد ذكر قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: " وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي . . . . ":

976- "وهذا ذم للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله الذين فرقوا الدين وصيروا أهله شيعاً كل فرقة تنصر متبوعها وتدعوا إليه وتذم من خالفها ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، ويدأبون ويكدحون في الرد عليهم وقولون: "كتبهم" و "كتبنا" و "أئمتهم" و "أئمتنا" و "مذهبهم" و"مذهبنا"، هذا والنبي واحد، والقرآن واحد، والرب واحد، فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا يجعلوا معه من يكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف وإن لم يعدم من الأرض. ولهذا تجد أقل الناس اختلافاً أهل السنة والحديث، فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقاً وأقل اختلافاً منهم لما بنوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر، فإن من ردَّ الحق مرج عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين ذهب، كما قال تعالى:

977- (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) [ق]

وقال الألباني ـ رحمه الله ـ:

978- "فكأن المقصود بـ ( المثناة ) ـ في الحديث الذي تقدم في () ـ الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين، التي صرفتهم مع تطاول الزمن عن كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما هو مشاهد اليوم مع الأسف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة !! فإنهم جميعاً يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم، فهذا كبيرهم أبو الحسن الكرخي الحنفي يقول كلمته المشهورة: "كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ، فقد جعلوا المذهب أصلاً، والقرآن الكريم تبعاً، فذلك هو (المثناة) دون ما شك أو ريب".