الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل السادس والعشرون-
السبت | 05/02/2011 - 11:30 مساءً


الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ02/03/1432 الموافق 05/02/2011

إن الاختلافات والنزاعات التي غرسها الإخوان المفلسون المفسدون في الأمة جعلت أخيراً المتمسِّك بالسّنّة كالقابض على الجمر. فالناس بعد فتن الإخوان المبتدعة والمتحزِّبة؛ أقسام: الصالحون وهم القلَّة وهم الغرباء، والضالّون على علم؛ وبركابهم الضالّون الحائرون المتخبِّطون وهم الكثرة، أما الصالحون فهم القابضون على دينهم، لأنهم متمسِّكون بسنّة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  وأما البقية فهم الحثالة. وقد دخلنا في الزمن الذي هو من أعلام نبوَّته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو زمن الغربة، وزمن الصبر على الدين، وزمن إفساد الأصاغر، وزمن الهرج، وقد أفردت لهذا الزمن بحثاً بعنوان:

1027- "زمن الهرج باختصار؛ القاتل والمقتول في النار".[الأول من محرم عام 1428 الموافق 19/1/2007]

وزمن قرأ "أقوام فيه القرآن، فإذا قرأوا قالوا: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأُ منا؟ من أعلمُ منا"؟! وهم الإخوان المفلسون الخوارج وصنّاعهم من المبتدعة والمنافقة، وقد تكلمت بشأنهم في مباحث متعددة، وقد فضحهم الله تعالى وكشف خساستهم فدخلنا ـ بما تفضل الله علينا ـ في زمن الغربلة في فلسطين يوم السبت تاريخ 19/5/1429 الموافق 24/5/2008 مع خروج الإخوان: الخوارج القعدية، والسلفية الجهادية، الذين كانوا اتخذوا من التقيَّة سلَّماً للانقضاض على الدعوة السلفية، وتتابع وراءهم في الفضيحة والخساسة في الخارج الإخوان والأخوان الخوّان: علي الحلبي ومن معه في المركز العمّاني، وصالح الحصين، وسعد الحصين، وربيع المدخلي وأعوانهم،  فعن ابن مسعود مرفوعاً:

1028- "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر".["الصحيحة"(957)]

وفي رواية:

1029- "يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر".["صحيح الجامع"(6676)]

قال الطيبي ـ رحمه الله ـ:

1030- "المعنى: كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبرَ لإحراق يدِه، كذلك المتدينُ يومئذٍ لا يقدرُ على ثباتِه على دينِه؛ لغلَبةِ العُصاَةِ والمعاصي، وانتشار الفسقِ، وضعفِ الإيمان".

وهذا الزمن الذي نعاين فيه الذي أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو من أعلام نبوّته، فهو زمن غربة المؤمن، وغربة المؤمن لم تقف عند بني دينه المحاولين التمسك به، فإذا بها تنتقل إلى  المخالفين له؛ الصادِّين عنه!  فهو الصابر، وصبره يحتاج لعزيمة القابض على الجمر، لذا فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في زمن الغربة والصبر على السُّنّة أخبر بأن لآحاد هؤلاء الغرباء الصابرون؛ أجر خمسين من الصحابة. فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

1030- "إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم".

قالوا:

1031- "يا نبي الله أو منهم

قال:

1032- "بل منكم".["الصحيحة"(494)]فالغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله، والفضل الجزئي لا ينافي الفضل الكلّي، لأن فضل الصحبة لا يعدله شيء، فالطائفة المنصورة في آخر الزمان في وسط زخم الاختلافات والفتن غريبة، اكتسبت غربتها بسبب تمسّكها بالكتاب والسّنّة الصحيحة، واكتسبت غربتها بسبب صلاحها وإصلاحها لغيرها، واكتسبت غربتها بسبب صدقها وثباتها أمام تحديات وعواصف الفساد الفكري العقدي، أو الفساد الشهواني فهي ظاهرة ـ بفضل الله ـ على الحق، واكتسبت غربتها بسبب إماتتها للبدعة وإحيائها للسّنّة، واكتسبت غربتها لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تخشى في الله لومة لائم، لذا كانوا "من نزّاع القبائل"، قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

1033- "النزّاع جمع نازع، والنازع هو الذي ترك وطنه وهاجر منه، ولكن هجرته من وطنه كانت في سبيل مرضاة الله، وذلك حينما وجد نفسه في مجتمع لا يتمكن فيه من العمل بالسّنّة والدعوة إليها فهاجر كما هاجر المهاجرون الأولون من مكة إلى المدينة ليتمكّنوا من القيام بالشعائر الإسلامية، والتاريخ لا بدَّ أن يعيد نفسه، ولذلك يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في آخر الزمان أن الغرباء هم النزّاعون من القبائل".["من فتاوى الشيخ"]

والطائفة المنصورة اكتسبت غربتها من قلَّة أنصارها، ولأن "من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم". فهي في جهاد في سبيل الله، بينما الناس في جهل وقد انصرف الكثير منهم إلى الهوى ومحدثات الأمور، وقدّموا زبالة آراءهم على القرآن والسّنّة وفهم السلف الصالح.

وجهاد الطائفة المنصورة كلّه ببركة الله عدل، فهي تدفع به عن الأمة الباطل بكافة أنواعه، وتدفع ألاعيب المنافقين، والمبتدعة، والكذَبَة، والكفّار، والفجّار، ولا يمنعها ـ في زمن الغربلة ـ أن تسمِّيهم بأعيانهم ليميز الله الخبيث من الطيب. فهي حريصة على دعوة الناس إلى الحق، واتباع الهدى. وبسبب غربتها ينال أهل الحديث الذين على منهاج النبوة والسلف في زمن الخلافات والنزاعات نحو الذي ناله الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في زمانه، فإنه ما لُقِّب بإمام أهل السّنّة إلا لأنه ثبت على الحق، وصبر على المحن، وكـان إماماً في الحديث وفقه السلف، قال العـلاّمة الشيخ حسن بن حسين بن محمد بن عبد الوهّاب ـ رحمهم الله ـ:

1034- "إذا عرفت ذلك، فالمعنى الذي لأجله استحق الأجر العظيم والثواب، وساوى فضل خمسين من الصحابة، إنما هو لعدم المعاون والمساعد، على ما ذكره الحافظ أبو سليمان الخطابي، وأبو الفرج عبد الرحمن بن رجب وغيرهما".

وقال ـ رحمه الله ـ:

1035- "فالمستقيم على المنهج السوي، والطريق النبوي، عند فساد الزمان ومروج الأديان، غريب ولو عند الحبيب، إذ قد توفرت الموانع، وكثرت الآفات، وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التغيير في الدين والتبديل، واتباع الهوى والتضليل، وفقد المعين، وعز من تلوذ به من الموحِّدين، وصار الناس كالشيء المشوب، ودارت بين الكل رحى الفتن والحروب، وانتشر شر المنافقين، وعيل صبر المتقين، وتقطعت سبل المسالك، وترادفت الضلالات والمهالك، ومنع الخلاص ولات حين مناص؛ فالموحِّد بينهم أعز من الكبريت الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا راع، ولا قابل لما يقول ولا داع. وقد نصبت له رايات الخلاف، ورمي بقوس العداوة والاعتساف، ونظرت إليه شزر العيون، وأتاه الأذى من كل منافق مفتون، واستحكمت له الغربة، وأفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام وعراه من الانثلام والانفصام، والباطل قد اضطرمت ناره، وتطاير في الآفاق شراره؛ ومع هذا كله، فهو على الدين الحنيفي مستقيم، وبحجج الله وبراهينه مقيم".

وقال ـ رحمه الله ـ:

1036- "فبالله، قل لي: هل يصدر هذا إلا عن يقين صدق راسخ في الجنان، وكمال توحيد وصبر وإيمان، ورضى وتسليم لما قدره الرحمن؟ وقد وعد الله الصابرين جزيل الثواب:

1037- (..إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10) [الزمر]

ونقل عن بعض العلماء ـ رحمهم الله ـ قولهم:

1038- "من اتبع القرآن والسنة، وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة، لم يسبقه الصحابة، إلا بكونهم رأوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ".

وقال ـ رحمه الله ـ:

1039- "وفي ذلك الزمان، فالكل له أعوان وإخوان، ومساعدون ومعاضدون، ولهذا قال علي بن المديني، كما ذكره عنه ابن الجوزي، في كتاب "صفوة الصفوة":

1040- "ما قام أحد بالإسلام بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قام أحمد بن حنبل، قيل: يا أبا الحسن، ولا أبا بكر الصديق؟ قال: إن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ كان له أصحاب وأعوان، وأحمد بن حنبل لم يكن له أصحاب".["الدرر السنيَّة في الكتب النجدية"(10/98-100)] وقال ابن عون ـ رحمه الله ـ:

1041- "ثلاث أحب لنفسي ولإخواني: هذه السّنّة أن يتعلّموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهّموه ويسألوا عنه، ويدَعوا الناس إلا من خير".["شرح السنة"(1/209)]

وقد أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذا الزمن، زمن الاختلافات التي أحدث فيه المبتدعة والمنافقة وأهل الأهواء والفرق المتعصِّبة والمتحزِّبة من الخلط في الدين ما لا يعلمه إلا الله، والراسخون في العلم يدركون أن إفساد المبتدعة السفلة المهرِّجة أعظم من إفساد العدو من أهل الحرب، فقال ـ عليه السلام ـ:

1042- "إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، من ترك عشر ما يعرف فقد هوى، ويأتي من بعد زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه من استمسك بعشر ما يعرف فقد نجا".[أخرجه الهروي في "ذم الكلام" عن أبي ذر وهو في "الصحيحة"(2510)]   

وفي رواية عن عبد الله بن سعد مرفوعاً:

1043- "[إنكم] أصبحتُم في زمانٍ كثيرٍ فقهاؤُه، قليلٍ خطباؤُه، قليلٍ سُؤّاله، كثيرٍ معطوهُ، العملُ فيه خيرٌ من العِلمِ وسيأتي زمانٌ قليلٌ فقهاؤُه، كثيرٌ خطباؤُه، كثيرٌ سُؤّاله، قليلٌ مُعطوهُ،العلمُ فيه خيرٌ من العمل".["الصحيحة"(3189)]

وصح عن عبد الله بن مسعود انّه قال:

1044- "إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وإن بعدكم زماناً كثير خطباؤه والعلماء فيه قليل".[أخرجه زهير بن حرب في "العلم"(135/109) وله حكم المرفوع]

وفي رواية الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود:

1045- "إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سؤّاله كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤّاله قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل؛ اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل".["الأدب المفرد"(789) وله حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي]

قال الشيخ العلاّمة عبد السلام البرجس ـ رحمه الله ـ:

1046- "إن من يستحق أن يطلق عليه لفظ العالم في هذا الزمن عددهم قليل جداً، ولا نبالغ إن قلنا نادر، ذلك بأن للعالم صفات قد لا ينطبق كثير منها على أكثر من ينتسب إلى العلم اليوم".

وقال ـ رحمه الله ـ:

1047- "إن عدم إدراك الكثيرين اليوم للمفهوم الصحيح لإطلاق كلمة العلماء أدخل في صفوف العلماء من ليس منهم، فوقعت الفوضى العلمية التي نتجرع غصصها في وقتنا الراهن، ونشاهد مآسيها ورزاياها بين آونة وأخرى".

وقال ـ حفظه الله ـ:

1048- "ليس العالم من كان فصيحاً بليغاً في كلامه: خطبه، ومحاضراته. وليس العالم من ألَّف كتاباً، أو نشر مؤلفاً، أو حقق مخطوطة أو أخرجها..إن وزن العالم بهذه الأمور فحسب هو المترسب في أذهان كثير العامة..وبذلك انخدع كثير من العامة بالفصحاء والكتاب ـ غير العلماء ـ فأصبحوا محل إعجابهم، فترى العامي إذا سمع المتعالم من هؤلاء يجيش بتعالمه الكذاب، يضرب بيمينه على شماله تعجباً من علمه وطرباً، بينما العالمون يضربون بأيمانهم على شمائلهم حزناً وأسفاً، لانفتاح قفل الفتنة".