الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل السابع والعشرون-
الإثنين | 28/02/2011 - 09:23 صباحاً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ24/03/1432 الموافق 27/02/2011

وفي زمن الاختلافات والتفرق تقع الفتن، ومن المعلوم أن أهم معاني الفتنة: الكفر والشرك والضلال، وهي في آحادها ضدَّ هدي النبوة والسلف، وهي ضدّ الحق وأهله، فالحق في الإيمان الذي نزل به جبريل ـ عليه السلام ـ، والحق في توحيد الله تعالى الذي دعت إليه أنبياء الله تعالى، والحق في اتباع هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما كان عليه السلف الصالح. وتأتي الفتنة بمعنى: القتل، والعذاب، وتأتي بمعنى: الإعجاب بالشيء، وتأتي بمعنى الابتلاء قال النووي ـ رحمه الله ـ:

1049- "قال أهل اللغة: وأصل الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان والاختبار".

وقال القاضي:

1050- "ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء".

ومن معاني الفتنة: الاختلاف والتفرق والتنازع. فاختلاف التضاد يفضي إلى التفرق والافتراق، وترتفع وتيرته إلى حدِّ الاقتتال، لذا ينتهزه المفسدون: الدجاجلة (المنافقين) والمبتدعة (الضالين) فيسعون إلى توسيع دائرته، ورفع درجة خطورته إلى الهرج. وعندي أن الهرج الذي وقع في هذا الزمان من سعي المفسدين الإخوان. فالسكوت عن المبتدعة، والجهل بصفات المنافقين خطير جدّاً، لأنه في النهاية ـ كما نشاهد اليوم ـ يؤدي إلى الهرْج وهو أن تضرب الأمة رقاب بعضها البعض. وأصل الهَرْج: ـ بفتح الهاء وسكون الراء المهملة ـ الكثرة في الشيء والاتساع. ويقع الهرج عند الاختلاف والفتن، وقد فُسِّر في بعض الأحاديث بالقتل؛ لأن الفتن والاختلاف من أسبابه، فأقيم المسبَّب مكان السبب. قال النووي ـ رحمه الله ـ:

1051- "المراد بالهرْج: الفتنة واختلاط أمور الناس".["شرح مسلم"]

فتراكمات الابتداع التي أحدثها المبتدعة في الدين، وغفلة الناس عن خطورتها وخطورة محدثيها، وبعد الناس  عن الكتاب والسّنّة بفهم سلف الأمة، سمح للضلاّل والمخادعين على شتى أصنافهم أن يلعبوا ألاعيبهم في الفساد والإفساد، والطعن في الحق وأهله. قال تعالى:

1052- (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) [البقرة]

فإذا تتبعنا المبتدعات منذ نشأتها حتى يومنا هذا تبيَّن لنا حجم الكارثة، فإن الفتن في هذا العصر بدأت ككرة الثلج إلى أن استقرت عند فتنة الهرج (القتل) التي حذّر منها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:

1053- "بين يدي الساعة أيام الهَرْج".["صحيح الجامع"(2852)]

وقد بادر الخلفاء الراشدون ـ رضي الله عنهم ـ في قمع البدعة ومعالجة من سوَّلت نفسه إحياء شيء من المحدثات، كما فعل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مع صبيغ بن عسل لمّا بدا يسأل عن المتشابه، ونفاه إلى البصرة حتى صلح حاله. والتابعين ـ رحمهم الله ـ لفطنتهم كان من أهم ما اتخذوه من الإجراءات حيال الفتن التي وقعت أنهم نظروا إلى الرجال ففرّقوا بين السّني والمبتدع في تلقي الخبر، فعن ابن سيرين ـ رحمه الله ـ قال:

1054- "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمّا وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السّنّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".[رواه الإمام مسلم]

لذا كان من الضروري جدّاً التحذير من البدع والمبتدعة، عملاً بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) وتقدم تفسير الآية في (136) و (137) و (236) و (237) و (244) و (245) و (364) و (544)، وهذه الفرق التي أشرنا إليها في بحثنا إنما صارت فرقاً ضالة مبتدعة بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، أو في كثرة الجزئيات المخترعة في الدين. قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ:

1055- "وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلّي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببه التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، لأن الكليات تضم من الجزئيات غير قليل، وشأنها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب.

واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلي فإن المخالفة فيها أنشأت بين المخالفين خلافاً في فروع لا تنحصر ما بين فروع عقائد وفروع أعمال.

ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات؛ فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة، عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة؛ كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضاً. وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون. ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب، ولا هدم للدين بخلاف الكليات.["الاعتصام"(2/ 200 - 201)]

والاختلاف الراجع إلى اجتهاد الفقهاء في فروع الفقه لا يصيِّرهم إلى التفرق والافتراق، لأن أصل توجههم لله تعالى، ومقصد

المزيد من هنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا