الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون -الفصل الثامن والعشرون-
السبت | 12/03/2011 - 10:36 مساءً

الدجاجلة مختلفون، مفارقون ومتفرِّقون

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ07/04/1432 الموافق 12/03/2011

وقد تنوعت احتيالات المبتدعة حتى غدا الاحتيال على دين الله تعالى فناً تمارسه المبتدعة وفرق الضلالة ـ على مختلف أنواعها ـ بكل همّة ونشاط، وهذا الفن يتجدد مع مرور الأيام والسنين، ويزيد من رقعة الاختلافات، لأن المحتالين أرادوا تأويل النصوص بطريقة يصلون فيها إلى أهدافهم الفاسدة للحصول على أغراضهم الدنيئة، فيقرنون هذه الإرادة بإرادة أخرى وهي: صرف الأمة عن دينها الحق واستبداله بدين مبتدع يظهر فيه أهل الباطل، ليتمكّنوا من الحصول على أغراضهم بيسر وسهولة فيقطفون ثمار أعمالهم بطريقة يظنون لغبائهم أنهم فيها أذكياء.

فالمحتالون ماكرون لكنهم في الوقت نفسه غافلون لأنهم غيَّبوا رقابة الله تعالى، لذا لا يحسبون حساب مكر الله لهم، والله تعالى خير الماكرين، لذا فإنك تجدهم أكثر الناس عداءً لأهل الحق، لأنهم يكشفون خططهم وألاعيبهم، ويرصدون أقوالهم وتحركاتهم.

وليس غريباً أن تجد السّذَّج والعوام يدافعون عن المبتدعة (مغرّر بهم) ذلك لأنهم وقعوا في فخ حيلتهم لجهلهم، يضاف إلى ذلك نعومة الأساليب التي تستعملها المبتدعة للوصول إلى قلوب العوام وكسب ثقتهم, وتعلق العوام بالدنيا وحاجة أكثرهم للمال.

فالإخوان ـ على سبيل المثال ـ في هذا الزمان؛ من أكبر فرق الضلال، وأكثرهم قبولاً عند الشعوب الإسلامية لأنهم مارسوا فن الاحتواء ـ لقدرتهم على التلون ـ بجانب فن الاحتيال، فهم مرابون مع المرابين، ومحتالون مع المحتالين، وصوفية مع الصوفية، وخوارج مع الخوارج، ورافضة مع الرافضة، وشيعة مع الشيعة، ومعتزلة مع المعتزلة، وجهمية مع الجهمية، وأشاعرة مع الأشاعرة، وسلفية جهادية مع السلفية الجهادية، ومرجئة مع المرجئة، وجبرية مع الجبرية، وقدرية مع القدرية، وإباضية مع الإباضية، لكنهم فشلوا أن يكونوا مع السلفية الصادقين، لأنهم فجرة منافقون، فمحاولاتهم في هذا الجانب باءت ـ ولله الحمد ـ بالفشل، لأنهم لا يقدرون على الصدق والإخلاص لله.

وقل نصارى ـ إن شئت ـ (ومن حيث التشبّه) نصارى، مع العلم أن الأقباط خافوا بداية من غلوِّهم، لذلك اقترحوا على حسن البنا ـ بعد ترحيبه (المتلون!) بهم ـ أن يكون انتساب الإخوان للـ "مصريين"، لكنهم سرعان ما سكتوا عن اقتراحهم عندما وجدوهم منافقون وخوّان.

وقل يهود ـ إن شئت ـ (ومن حيث التشبّه) يهود، فهم ساسة (عصريون!) متى شاءوا كانوا مع الحكّام!! (يحكمون!)، ومتى شاءوا كانوا مع (المحكومين!!) فإذا لزم الأمر صاروا (ثوّاراً ثائرين!) فهم ـ باختصار ـ مموِّهون ماهرون لأن حرفتهم النفاق، فهم مع "الكل" في "الكل"!! كالقرين السوء لا يريد مفارقة صاحبه، ولا غرابة إذا قلت لك: أنهم إخوان مع الإخوان!! لأن الوجه مثل القفا وإن كانا وجهان.  

ومعلوم أن المنافقين المموِّهين يعمّقون دائماً حدة الخلاف والاختلاف، لأنه المتنفَّس الوحيد الذي يتنفسون منه ويقتاتون.

وفن الوصولية الذي يمارسه المبتدعة؛ بجانب فن الاحتيال والاحتواء سمح لهم اختراق طبقات المجتمعات على مختلف مستوياتها، فبعد اختراقهم الفرق الدينية والفصائل السياسية، سعوا إلى الهيمنة من خلال اختراق المؤسسات الدينية والسياسية والعلمية والثقافية، وسعوا إلى الفقير والغني، والشاب والعجوز، والرجل والمرأة، والكبير والصغير.

فهم في سوق العمل (الخيري!) (احتيالاً!) بحجة مساعدة الفقراء والأيتام والمساكين، وهم في سوق البنوك (الإسلامية!) والاستثمار المالي (احتيالاً!) بحجة الاقتصاد (الإسلامي!).

وهم مع الشباب (احتيالاً!) باسم الجهاد والثورة!! ومع العجائز (احتيالاً!) بشعارات العز والمجد والتحرير والعودة!! وهم مع الرجل احتيالاً في كل مراحله! ومعه في جريمته مبتدعاً وحزبياً!!  

وهم مع المرأة (احتيالاً!) إذا مات زوجها (شهيداً!) وكذلك معها في النساء (الأخوات!) و(المستورات!)، ومعها في (المظاهرات!)، ومعها في الخروج من بيتها، والذهاب والإياب، والمشاركة في (الأحزاب!!) ودعّمت المبتدعة احتيالاتها في المساجد بعد احتلال؛ بفتاوى دينية وسياسية أفسدت بها جيلاً وأجيال! ورأس غاياتهم أكل الدنيا بالدين، فهم (شرُّ الناس للناس) يُلبسون كل بدعة لباس الشرعية كذباً وزوراً واحتيالاً، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.    

لذا تخوَّف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أمته من أمثال هؤلاء، لقدرتهم على الدجل والتدجيل، والكذب والتكذيب، فقال:

1102- "أخوف ما أخاف عليكم بعدي من الدجال أئمة مضلون".["ظلال الجنة"(100)]

فالدجاجلة محتالون، يحتالون في الفتاوى والأعمال، غايتهم الدنيا، كما بيَّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الذي رواه عنه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:

1103- "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع و تركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".["الصحيحة"(11)]

ففي هذا الحديث بيان واضح أن الاحتيال والتحايل على شرع الله من أهم أسباب تسلُّط الذلِّ على المسلمين، يشهد له الواقع ـ اليوم ـ الذي تعيشه الأمة، فإن التفرغ للزرع، والاشتغال بالحرث، وتقديم الاهتمام بالدنيا على الآخرة، أو بمعنى آخر: الاهتمام والتكالب على الدنيا وزخرفتها شغلت المسلمين عن واجباتهم الشرعية ومنها  الجهاد في سبيل الله المتعيِّن فعله، والتعلق بالفاني إلى درجة استعمال الحيلة والاحتيال لتبرير هذا التعلق، والالتفاف على شرع الله بالفتاوى (المقرونة بالرشاوى) والتأويلات الكاسدة (المقرونة بالأهواء الفاسدة)، فإنها بمجموعها أورثت الأمة ذلاًّ وصغاراً سلَّطه الله عليها بقهره وجبروته لاستحقاقها له، لا يزيله ولا يكشفه عنها إلا بترك الاحتيال، والاستقامة على شرع الله، والقيام بالواجبات الشرعية بصدق وإخلاص. قال شيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ في أحد دروسه:

1104- "في هذا الحديث الصحيح بيان للعلاج والدواء لهذا الذي حل بالمسلمين من الذلِّ الذي سيطر عليهم أجمعين، إلا أفراداً قليلين منهم لا يزالون يتمسكون بالعروة الوثقى لا انفصام لها".

فبيع العينة: بيع من البيوع الربوية المحرَّمة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

1105- "وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل، ثم يبيعها منه بأقل من ذلك، فهذا من التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنها حيلة".["مجموع الفتاوى"(29/30)]

واتخذت البيوع الربوية أشكالاً مختلفة ابتلي بها كثير من الناس في العصر الحاضر، ومنها ما تمارسه البنوك (الإسلامية!) باسم (المرابحة!) يحتالون، قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

1106- "وهو إنما ذكره الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ على سبيل التمثيل، وليس على سبيل التحديد، مما يقع فيه المسلمون فيستحقون به وبسببه أن يذلهم الله تبارك وتعالى".

وقال ـ رحمه الله ـ:

1107- "ذلك لأن بيع العينة إنما يستباح بشيء من الاحتيال، وبشيء من تغيير الأسماء، كما أشار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مثل هذا في الحديث الصحيح حين قال:

1108- "إن أناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها".["الصحيحة"(414)]

فبيع العينة يسمونه بيعاً، لكن هذه تسمية غير شرعية؛ لأن البيوع منها ما هو محرم ومنها ما هو مباح، فكون هذا بيعاً لا يستلزم أن يكون مباحاً، ما دام أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ذكره سبباً من الأسباب التي إذا أخذ بها المسلمون ذلَّوا.

نأتي بمثال آخر مما يسمونه بمثل هذه التسمية، وهو ـ أيضاً ـ محرم في الإسلام، ومع ذلك فهو مسطور في بطون الكتب حتى اليوم، ألا وهو ما يسمى بلغة الشرع بنكاح التحليل لقد قال الرسول عليه السلام، ولعلكم على علمٍ بهذا الحديث جميعاً:

1109- "لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ".["صحيح الجامع"(5101)]

فكان نكاحاً باطلاً؛ لأن اللعنة في خصوص الشيء نهي عنه وزيادة، لذلك يقول العلماء: إن من الأدلة التي تدل على كون الشيء من الكبائر أن يكون صاحبه ملعوناً في الكتاب أو في السنة، أما النهي عن الشيء فيستلزم التحريم وليس دائماً، ولكن ليس نصاً في أن هذا الشيء من الكبائر، بخلاف ما إذا لعن فاعله فذلك يكون دليلاً واضحاً على أن هذا الفعل من الكبائر، فعندما قال الرسول ـ عليه السلام ـ: "لعن الله المحلل والمحلل له". معنى ذلك أن نكاح التحليل منهي عنه نهياً شديداً بليغاً، بحيث أنه جعله من الكبائر، حيث لعن المحلل والمحلل له، ومع ذلك فلا يزال اليوم كثيرٌ من علماء المسلمين يبيحون نكاح التحليل ويصرحون بصحة عقده، ولا يأمرون بإبطال هذا النكاح مع هذا الوعيد الشديد الذي سمعتموه من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، هذا أمر واقع، ونكاح التحليل واقع، وغير ذلك كثير وكثير جداً مما لا أريد أن أطيل عليكم؛ لأن الوقت ضيق".

وفي مقال لي بعنوان:

1110- "كم للدينار والدرهم من عزَّة عند هؤلاء الأذلَّة".[تاريخ 13/11/1430 الموافق 1/11/2009]

قلت:

1111- "الاحتيال على الشريعة يورث الذّل".

ونقلت في المقال ما قاله شيخنا محمد بن صالح العثيمين:

1112- "وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرِّمت عليهم، ثم أذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوم على الربا وغيره. وجدت أن حيل بعض المسلمين اليوم على ما ذكر أشد حيلة من حيل اليهود، ومع ذلك أحلَّ الله بهم نقمته".

وقلت:

1113- "وشيخنا الألباني منذ أربعين عاماً ألقى محاضرة في المعهد الشرعي في عمّان بالأردن، جُمعت كلمته في كتيب مطبوع بعنوان:

1114- "التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما".

نبَّه فيه إلى هذا الحديث، وقد رأيته ـ رحمه الله ـ لشدَّة غيرته على صلاح المسلمين وإصلاح أحوالهم يكرّر هذا الحديث في كتبه ومحاضراته، ويشير إلى ما فيه من الفوائد والتحذيرات، يقول:

1115- "فنجد في هذا الحديث ـ على إيجازه ـ ذِكْرَ المرض الذي شاع حتى أحاط بالمسلمين، فذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نوعين من المرض على سبيل التمثيل لا التحديد: النوع الأول: هو وقوع المسلمين في بعض المحرمات بالاحتيال عليها، وهم على علم بها".

ثم قال:

1116- "وهذا مثال من أمثلة كثيرة جداً يعرفها المشتغلون بالفقه الإسلامي".

وكان ـ رحمه الله ـ يقول:

1117- "هذا الحديث من أعلام النبوة كما ترون، فقد تحقق فينا هذا الذّل؛ كما هو مشاهد مع الأسف، فيجب علينا أن نأخذ العلاج من هذا الحديث بعد أن وصف المرض، وما سيثمر هذا المرض من ذل، فقد تمسكنا بالأدواء وأدت بنا إلى المرض، ألا وهو الذل، فعلينا إذن أن نعود إلى تطبيق الدواء الذي وصفه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصرح بأنه إذا رجعنا إليه رفع الله عز وجل عنا هذا الذل".

وقوله ـ رحمه الله ـ: (وهم على علم بها) يذّكرني بقوله تعالى:

1118- (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) [سورة البقرة]

ومعناه: أي: علمتم علم اليقين، وعرفتم معرفة تامة، (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ والمقصود بذلك من تجاوزوا الحدود، وطغوا، ( فِي السَّبْتِ) لأنهم جمعوا بين المعصية والخداع. وقوله تعالى: (كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أي: صيروا كذلك، والخاسئ: المبعد المطرود".

وقلت:

1119- "ولم تتوقف مظاهر الاحتيال على دين الله عند بيع العينة بل تجرأ المبتدعة المفترون المحتالون والمنافقون إلى رفع شعارات باسم الدين ولبسوا لبوس المشيخة للوصول إلى مآرب متعددة، ومصالح تعزز أهواءهم، بحيث تصير المعاني الشرعية في قاموسهم ممسوخةً عن معناها الذي أنزل رب العالمين.

فكما تُرك البيع الحلال، وحَلَّ محله بيع الحرام (العِينَة)، تُرك معنى الربا وحلَّ محلَّه (الفائدة)، وتُرك معنى الجهاد وحلَّ محلَّه (المقاومة)، إلى غير ذلك من الممارسات التي صارت مكشوفة للعيان مع مرور الزمان، وإن أبقوا المعاني الشرعية على أصلها استعملوها بدهاء لاستدراج السذَّج، فأي عزة يطلبونها هؤلاء؟ بل هؤلاء أجرموا ليس في حق أنفسهم فحسب، بل أيضاً في حق مجتمعاتهم والناس أجمعين، وقد توعّدهم الله أشد الوعيد فقال في سورة الأنعام:

1120- (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ (20) [سورةالمجادلة]

باقي الفصل من هنا