فليحذر الإنسان من علماء السوء (الإخوان السِّمان!) وليعتبر مما فعل الله باليابان؟
الجمعة | 25/03/2011 - 07:10 صباحاً

فليحذر الإنسان من علماء السوء (الإخوان السِّمان!)

وليعتبر مما فعل الله باليابان؟

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ19/04/1432 الموافق 24/03/2011

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

قال تعالى:

1- (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) [عبس]

فيه امتنان على الإنسان، فالله تعالى سخَّر للإنسان أسباب الترقي في الدنيا، حتى يصل إلى أتم وأكمل الاختراعات التي تعود عليه بالنفع، واليابان أعطيت من هذا التسخير الكثير، والتسخير من قبيل تهييج الإنسان وتحريضه على الامتثال لأوامر الله تعالى. ومن العلوم التي قطع العالم فيها مراحل ارتقاء: العلم بأنواع الطعام والاستفادة منه، وطريقة مضاعفة تنميته واستثماره، (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ):

2- "كيف قدَّره ربه ودبَّره له، وجعله سببًا لحياته".[قاله البغوي]

وقال أبو السعود ـ رحمه الله ـ:

3- "شروع في تعداد النعم المتعلقة ببقائه بعد تفصيل النعم المتعلقة بحدوثه، أي فلينظر إلى طعامه الذي عليه يدور أمر معاشه كيف دبَّرناه".

ليكون له آية وعبرة، فالله تعالى دبَّر للإنسان الطعام، فانظر أيها الإنسان إلى طعامك كيف أجرى الله تعالى تدبيره لك حتى وضعته في فيك، ثم انظر كيف جعله الله سبباً لحياتك.

قال الشيخ العلاّمة السعدي ـ رحمه الله ـ:

4- "ثم أرشده الله إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعد ما تكررت عليه طبقات عديدة".

وقياساً عليه فانظر إلى المخترعات بأنواعها كيف سخَّرها الله لك حتى صارت سبباً في معاشك وتنقلاتك واتصالاتك.

واعلم أن هذا التدبير للطعام، وهذا التسخير للمخترعات، إنما هو للابتلاء. قال الشيخ السعدي:

5- "فمن نظر في هذه النعم، أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق لأخباره".["فيض الرحمن تفسير جواهر القرآن"(1/483)]

لذا قال تعالى في ختام السورة:

6- (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)

وكما على الإنسان أن يتدبَّر كيف أن الله تعالى يدبِّر له طعامه، فعليه أن يتدبَّر الدنيا التي هي محل ابتلائه فلا يتعلَّق بها، فقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلاً لمطعمه فعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

7- "إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً، (وفي رواية: إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلاً) فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن قزَّحه وملَحه، قد علم إلى ما يصير".

وللحديث شاهد قوي عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال:

8- "جاء قوم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:

9- "ألكم طعام

قالوا: نعم، قال:

10- "فلكم شراب

قالوا: نعم، قال:

11- "فتصفونه؟

قالوا: نعم، قال:

12- "وتبرزونه

قالوا: نعم، قال:

13- "فإن معادهما كمعاد الدنيا، يقوم أحدكم إلى خلف بيته فيمسك على أنفه من نتنه".["الصحيحة"(382)]

ومعنى (قزَّحه) بتشديد الزاي، أي: وضع فيه القزح، كالكمّون والكزبرة ونحو ذلك، يقال: قزحت القدر إذا طرحت فيها الأبزار ـ يعني: حبوب التوابل ـ.

ومعنى (ملحه) بتخفيف اللام. أي: ألقى فيه الملح بقدر للإصلاح.

وعن الضحاك بن سفيان ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له:

14- "يا ضحاك! ما طعامك؟

قال:

15- "يا رسول الله!اللحم واللبن".

 قال:

16- "ثم يصير إلى ماذا؟

 قال:

17- "إلى ما قد علمت".

 قال:

18- "فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا".["صحيح الترغيب والترهيب"(3242)]  

قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:

19- "وقد رأيتهم يطيِّبونه بالأفاويه والطيب ثم يرمون به حيث رأيتم".["الزهد" لابن المبارك، والفُوهُ: الطيب و الجمع (أَفْوَاهٌ) و(أفاوِيهُ) جمع الجمع، ويقال لما يعالج به الطعام من التوابل]

والمنذري ـ رحمه الله ـ أورد هذا الحديث في "التوبة والزهد" من كتابه "الترغيب والترهيب" باب:

20- "الترغيب في الزهد في الدنيا، والاكتفاء منها بالقليل، والترهيب من حبِّها والتكاثر فيها والتنافس".

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

21- "فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همَّة دنيَّة، وعقل حقير، وقدر خسيس".["طريق الهجرتين"(1/383)]

قال المناوي ـ رحمه الله ـ:

22- "تأمل أيها العاقل المتبصر (إلى ما يصير) من خروجه غائطاً نتناً نجساً في غاية القذارة، مع كونه كان قبل ذلك ألواناً طيبةً ناعمةً، فالدنيا خضرة حلوة والنفس تميل إليها، والجاهل بعاقبتها يتنافس في رتبتها ظاناً أنها تبقى أو هو يبقى".["التيسير"و"فيض القدير"]

لذا فسَّر عبد الله بن الزبير قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) بقوله:

23- "إلى مدخله ومخرجه".[عزاه السيوطي لابن المنذر في "الدر المنثور"]

وعن مجاهد مثله، عزاه السيوطي في "الدر" عن عبد بن حميد، وعن بشير بن كعب أنه كان يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه:

24- "انطلقوا حتى أريكم الدنيا، فيجيء فيقف على مزبلة فيقول: انظروا إلى عسلهم، وإلى سمنهم، وإلى بطنهم، وإلى دجاجهم، إلى ما صار".[وعزاه السيوطي لابن المنذر]

فالمطعم مهما تكلّف الإنسان في صنعته فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر. فكذلك الدُّنيا راجعة إلى خراب وإدْبار، فمهما حسَّن الإنسان فيها وجمّل فإن مآلها في لحظات ـ متى شاء الله ـ إلى نتن ودمار وحطام، فليحذر الإنسان من علماء السوء الإخوان (السِّمان!) وليعتبر ممّا فعل الله في اليابان.