إلى ورش عمل محافظ ومدير مباحث جنين: هل ينفع التلبين؟! إذا كنّا في فلسطين تركنا قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)
الخميس | 31/03/2011 - 03:18 مساءً
إلى ورش عمل محافظ ومدير مباحث جنين: هل ينفع التلبين؟! إذا كنّا في فلسطين تركنا قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)

 

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ26/04/1432 الموافق 31/03/2011

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

1- "التَّلْبِينَةُ مَجَمَّة لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ (وفي رواية: تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ) وتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ".[متفق عليه، وأخرجه الإمام أحمد، والبيهقي، والنسائي في "الكبرى"]

وقد كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تأمر بالتلبين للمريض، والمحزون على الهالك، وتقول: إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: وتذكر الحديث.

(التَّلْبِينَةُ) ـ بفتح فسكون ـ، حساء (كالحريرة) قال الأصمعي (215هـ):

2- "يعمل من دقيق، أو من نخالة فيها عسل. سميت تلبينة تشبيها باللبن لبياضها ورقتها، ويقال: التلبين أيضاً".["التكملة والذيل والصلة"(6/304)]

والنافع منها ما كان رقيقاً نضيجاً، لا غليظاً نيّاً، لأن الطعام الثقيل في ظروف الانفعال قد يتعرض آكله لعسر الهضم. قال العيني:

3- "فإن كانت ثخينة فهي الخزيرة".["عمدة القاري"(30/376)]

و (مَجَمَّة) قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:

4- "يروى بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم، فعلى الأول يكون مصدراً، وعلى الثاني يكون اسم فاعل بفتح الميمين".[نقله المناوي في "الفيض"(3/374)]

والجِمام ـ بكسر الجيم ـ الراحة. قال المناوي ـ رحمه الله ـ:

5- "أي: تريح قلبه وتسكِّنه وتقوِّيه وتزيل عنه الهمَّ وتنشِّطه".

(لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ:

6- "والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة".["الفتح"(10/147)]

(وتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ) فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه ومعدته لقلة الغذاء، والحساء يرطِّبها ويغذِّيها ويقوِّيها.

وتشرح الباحثة سوسن الكواري كيفية تحضير التلبينة فتقول:

7- "يتم غلي الماء أو اللبن في إناء من الصاج المجلفن، ويتم إضافة الشعير (مطحون أو حصى) تدريجياً مع التقليب المستمر إلى أن ينضج الشعير، يحلَّى بالعسل بعد نضج الشعير".["المواصفات الغذائية والطبية لبعض الأغذية النباتية"(95)]

وينقل ملفي الشهري ما توصلت إليه الباحثة الكواري إلى أفضل معاملة من ناحية جودة التلبينة:

8- "المرتبة الأولى: دقيق شعير مطبوخ في الماء ومحلّى بعسل النحل.

     المرتبة الثانية: دقيق الشعير مطبوخ في الماء بدون تحلية.

     المرتبة الثالثة: دقيق شعير مطبوخ في اللبن ومحلّى بعسل النحل".["أسرار التلبينة"(ص:83)]

والتلبينة لها تأثير في تخفيف الاكتئاب، لما يحتويه الشعير على عناصر تؤثر بشكل بارز في الحالة النفسية والعصبية للإنسان. والشعير مدر للبول مما يقلل من ضغط الدم المرتفع. ويحتوي الشعير من الألياف الغذائية التي تلعب دوراً في خفض كوليسترول الدم، وتقليل الإصابة بسرطانات الجهاز الهضمي خاصة القولون. وحساء الشعير أو التلبينة تعالج المتوعك أو المصاب بالحمى أو بقلة الشهية أو بعسر الهضم. وتساعد التلبينة على تقليل اضطرابات النوم، تقول الباحثة الكواري:

9- "تساعد ـ أي: التلبينة ـ على استرخاء من يعانون من الأرق وزيادة ساعات نومهم".["الوصفات الغذائية لبعض الأغذية النباتية"(128)]

10- "أجرى معهد البحوث الزراعية بجامعة ألبرتا بكندا دراسة بعنوان: "أهمية الأغذية المحتوية على منتجات الشعير على صحة مرضى السكر (NIDDM) النوع الثاني غير الوراثي، وكانت النتيجة النهائية من هذا البحث توضح أهمية غذاء الشعير وخبز الشعير كوسيلة لزيادة كمية الألياف المطلوبة للجسم القابلة للذوبان وغير القابلة للذوبان، وبالتالي الاستفادة من القيمة الغذائية والفوائد الموضحة سابقاً على المدى البعيد، وهي المتحكمة في نسبة السكر في الدم، وضغط الدم، ونسبة الدهون في الدم، ومعنى هذا أن خبز الشعير ومنتجات الشعير مهمة لصحة مرضى السكر".["مجلة الإعجاز العلمي" العدد (17) ص (8)، العلاج بالتلبينة (37)]

عن أبي حازم قال سألت سهل بن سعد هل رأيت النقي؟ قال:

11- "ما رأيت النقي حتى قبض رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ".

فقلت: فهل كان لهم مناخل على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ؟

قال:

12- "ما رأيت منخلاً حتى قبض رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ".

قلت: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟

قال:

13- "نعم كنا ننفخه فيطير منه ما طار وما بقي ثريناه".[أخرجه البخاري، وابن ماجه، والطبراني في "الكبير"]

ومعنى (النقي) أي: الخبز الخالي من النخالة، ومعنى (ثريناه): أي: بللناه بالماء وعجناه، ثم خبزناه فأكلناه. فغالب غذاء أهل المدينة والحجاز الشعير، إذ أن أكثر خبزهم الشعير، وكانت الحنطة عزيزة عندهم لفقرهم. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

14- "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون العشاء وكان عامة خبزهم خبز الشعير".["الصحيحة"(2119)]

وعنه ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

15- "كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير".["الصحيحة"(2125)] 

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:

16- "ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ".[رواه البخاري ومسلم]

قال الموفق البغدادي ـ رحمه الله ـ:

17- "إذا شئت معرفة منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير، ولا سيما إذا كان نخالة، فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذى غذاء لطيفاً، وإذا شرب حاراً كان أجلى وأقوى نفوذاً، وأنمى للحرارة الغريزية".

وقال:

18- "ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيراً ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة".[نقله ابن حجر في "الفتح"(10/147)]

وقال ابن القيم  ـ رحمه الله ـ:

19- "وإذا شئتَ أن تعرِفَ فضل التَّلْبينَةِ، فاعرفْ فضل ماء الشعير، بل هي ماءُ الشعير لهم، فإنها حِساء متَّخذ من دقيق الشعير بنُخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يُطبخ صِحاحاً، والتَّلبينَة تُطبخ منه مطحوناً، وهى أنفع منه لخروج خاصيَّةِ الشعير بالطحن".

وقال:

20- "وكانت عادةُ القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحوناً لا صِحاحاً، وهو أكثرُ تغذيةً، وأقوى فعلاً، وأعظمُ جلاءً، وإنما اتخذه أطباءُ المدن منه صِحَاحاً ليكونَ أرقَّ وألطفَ، فلا يَثقُل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورَخاوتِها، وثِقلِ ماءِ الشعير المطحون عليها. والمقصودُ: أنَّ ماء الشعير مطبوخاً صِحاحاً يَنفُذُ سريعاً، ويَجلُو جَلاءً ظاهراً، ويُغذى غِذاءً لطيفاً. وإذا شُرِب حاراً كان جلاؤه أقوى، ونفوذُه أسرَع، وإنْماؤه للحرارة الغريزية أكثرَ، وتلميسُه لسطوح المَعِدَة أوفق".["زاد المعاد"(4/120)]

 

 

والشعير من أهم مكوِّنات التلبينة، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ:

21- "أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء ثم تفرَّقن ـ إلاَّ أهلها وخاصَّتها ـ أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثم صنع ثريد، فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: وتذكر الحديث".[ أخرجه البخاري في: 70 كتاب الأطعمة: 24 باب التلبينة]

(خاصَّتها) من تخصُّه ببرِّها وودِّها من غيرهن. و(البُرْمَة) قدر من حجارة أو نحوها. و(الثريد) خبز يفتت ثم يبل بمرق. وهو أفضل الطعام، فكيف إذا أضفنا إليه التلبينة وفيها مما تقدَّم من الفوائد؟ وإذا قدِّم هو أو التلبينة للحزين، فيحسن أن يكون زهيد الملح، لأن الحزن من الانفعالات الرافعة للضغط.

وليس لأحد من المبتدعة أن يحتج بفعل اجتماع النساء للتعزية إذا مات الميت، لأن  الحديثَ حكايةُ حالٍ لا عمومَ لها ـ كما هو معلومٌ في الأصول ـ ويدخُلُهَا من الاحتمال ما لا يدخلُ القولَ؛ فيُحْتَمَلُ إن يكونَ النِّسْوَةُ قد اجتمعْنَ من أجل إعانتها فيما يتعلَّقُ بأمر المتوفَّى؛ من تجهيزه وتغسيله وتكفينه، وإعدادِ ما يُحتاجُ إليه من الكافور والسِّدْر، أو استدعاءِ مَنْ يُغَسِّلُهُ إذا كان رجلاً، أو تغسيله إن كان المتوفَّى امرأةً.. ونحو ذلك، لا أنَّهنَّ اجتمعْنَ للتَّعزِية، ويُحْتَمَلُ أنه يُسْتَثْنَى الأهلُ والخاصَّةُ.

وقد وجد العلماء أنه في كثير من حالات الحزن الشديد على فقدان شخص عزيز، أو شريك الحياة، فإن هذه الحالات تتحول إلى الاكتئاب.

وقرأت في جريدة القدس العدد (14951) تاريخ 25/4/1432 الموافق 30/3/2011 أن مدير المباحث في محافظة جنين أشار إلى أن أسباب الانتحار التي وقعت في المحافظة تعود إلى الاكتئاب النفسي والمرضي العميق والظروف الاقتصادية والاجتماعية.

وأشار إلى أن عدد محاولات الانتحار التي وقعت في المحافظة خلال العام الجاري وصلت إلى (18) محاولة، (4) منها أدت إلى الوفاة، بينما بلغت في العام الماضي (53) محاولة انتحار، (5) منها أدت إلى الوفاة.

وجاء في الصحيفة:

22- "واستعرض مدير المباحث دور الشرطة في التعامل مع الأفراد للتخفيف من الضغوط النفسية عبر افتتاح أقسام التحقيقات الجنائية والبحث الجنائي وحماية الأسرة ومكافحة المخدرات".

وحذّر المحافظ من الأوضاع الخطيرة الناجمة عن الانهيار والتفكك الأسري التي أدت إلى ارتفاع في نسبة الطلاق من (3%) إلى (18%) خاصة في السن المبكرة وارتفاع نسبة الانتحار. ودعا بدوره نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين إلى تكثيف ورشات العمل التي تعمل على نشر الوعي بضرورة التعامل مع الضغوطات النفسية وحلَّها قبل تأزمها.