عقاب المتكبِّرين على الدعوة السلفية
الخميس | 16/06/2011 - 12:49 مساءً


عقاب المتكبِّرين على الدعوة السلفية

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 13/07/1432 الموافق 15/06/2011

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

قال تعالى:

1- (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) [الأعراف]

الكبر من أقوى عوامل الصرف عن الحق

أسباب كثيرة تحول بين الإنسان وبين اتباعه الحق منها الكبر، فالكبر من أقوى عوامل الصرف عن آيات الله تعالى، قال العلاّمة المعلمي اليماني ـ رحمه الله ـ:

2- "الكبر، يكون الإنسان على جهالة أو باطل، فيجيء آخر فيبين له الحجة، فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافه بأنه ناقص، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه، و لهذا ترى من المنتسبين إلى العلم من لا يشق عليه الاعتراف بالخطأ إذا كان الحق تبين له ببحثه ونظره، ويشق عليه ذلك إذا كان غيره هو الذي بيَّن له".["القائد إلى تصحيح العقائد"(ص:9)]

وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

3- "والمتكبِّر يرى نفسه أعلى من الغير؛ فتحصل له هزَّة وفرح وركون له إلى ما اعتقده، وذلك نفخ الشيطان".["غذاء الألباب" للسفاريني (2/173)]

ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك؛ فهو في سفول من ذلَّة إلى ذلَّة، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

4- "ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبَّر قيل للملك: ضع حكمته".[أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" وهو في "السلسلة الصحيحة"(538)]

قال السعدي ـ رحمه الله ـ:

5- "فمن كان بهذه الصفة، حرمه اللّه خيراً كثيراً وخذله، ولم يفقه من آيات اللّه ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح".

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

6- "كما استكبروا بغير حق أذلَّهم الله بالجهل".

قلت: وأذلَّهم الله تعالى في نار جهنم، قال ـ عليه السلام ـ:

7- "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن من جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار ويسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال".[أخرجه الترمذي، والإمام البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد، وهو في "صحيح الجامع"(8040)]

وجعل الله تعالى الصرف عن آياته عقوبة المتكبِّر على تكبُّره. فقال: (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ) بسين الاستقبال القريب؛ تنبهه على أن الله يُعجِّل ذلك الصرف. فهي بمثابة إنذار للفاسقين والمتكبرين عن طاعة الله، فاليهود حين قالوا:

8- (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)

عجَّل الله لهم العقاب بأن صبغ حب العجل، وحب عبادته في قلوبهم. فقال:

9- (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ..(93) [البقرة]

وقوله: (وَأُشْرِبُوا) أي: وهو من الإشراب: وهو مداخلة سائغة كالشراب، نعوذ بالله تعالى من الفتن والخذلان. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

10- "وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم، أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة".

وفي تفسير الآية من سورة الأعراف قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ:

11- "إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته، وهي أدلته وأعلامه على حقيقة ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله، وغير ذلك من فرائضه، والسموات والأرض، وكل موجود من خلقه فمن آياته، والقرآن أيضًا من آياته، وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق، وهم الذين حقَّت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادّكار بها مصروفون، لأنهم لو وفِّقوا لفهم بعض ذلك فهُدوا للاعتبار به، اتعظوا وأنابوا إلى الحق، وذلك غير كائن منهم، لأنه جلّ ثناؤه قال:(وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا) فلا تبديل لكلمات الله".

 ولمّا سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الكبر قال:

12- "الكبر بطر (وفي رواية: سفه) الحق، وغمص (وفي رواية: غمط) الناس".[أخرجه مسلم، والترمذي، وأحمد، وغيرهم وهو في "السلسلة الصحيحة"(134) و (1626)]

و(بطر) و (سفه) بمعنى:

13- "الاستخفاف بالحق، وألاَّ يراه على ما هو عليه من الرُّجحان والرزانة".["النهاية"]

قال شيخنا ـ رحمه الله ـ:

14- "أن الكبر الذي قرن مع الشرك والذي لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال  ذرة منه؛ إنما هو الكبر على الحق ورفضه بعد تبيِّنه، والطعن في الناس الأبرياء بغير حق. فليحذر المسلم أن يتصف بشيء من مثل هذا الكبر كما يحذر أن يتصف بشيء من الشرك الذي يخلد صاحبه في النار".

فهو هنا:

15- "يتكبَّر فيجعل ما جعله الله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً".["النهاية"]

و (غمص) و (غمط) الناس بمعنى:

16- "استحقرهم ولم يرهم شيئاً".

قال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

17- "فهو في نفسه عال على الحق، وعال على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق، والعياذ بالله، فهذه علامات أهل النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار وأن يدخلنا وإياكم الجنة إنه جواد كريم".["شرح رياض الصالحين"(1/295)]

فهو هنا:

18- "يتجبَّر عند الحق فلا يراه حقّاً، أو يتكبَّر عن الحق فلا يقبله".["النهاية"]

وهذا اللون من التجبُّر عند الحقِّ، والتكبُّر عن الحقِّ، يقع فيه الفسقة والفجرة والمبتدعة بكافة طوائفهم ومسمياتهم،  ويقع في هذا اللون من التكبُّر كثير من المنتسبين إلى العلم! لفساد قلوبهم، وحسدهم لغيرهم على ما آتاه الله من فضله، وتكبرهم على الناس، وفي مقال لي بعنوان:

19- "لزوم الحق وذمِّ التعصّب".[تاريخ 11/8/1429 الموافق 13/8/2008]

متابعة المقال كاملا من هنا