السلفيون في بيت المقدس ـ اليوم ـ هم الطائفة الظاهرة، والقاهرة ،والظافرة.
الثلاثاء | 13/09/2011 - 07:02 صباحاً

السلفيون في بيت المقدس ـ اليوم ـ

هم الطائفة الظاهرة، والقاهرة ،والظافرة.

إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 14/10/1432 الموافق 12/09/2011

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

فإن الفقرة الأولى من مطلع حديث الطائفة المنصورة المتواتر الذي رواه: أبو هريرة، وعمر بن الخطاب، ومعاوية بن أبي سفيان، وقرة بن إياس، وعمران بن الحصين، وجابر بن عبد الله، وثوبان، وسلمة بن نفيل، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:  

1- "لا تزال طائفة (وفي رواية:لا يزال ناس) من أمتي، (وفي رواية: لن تزال طائفة من أهل الإسلام)".[أخرجها البخاري،ومسلم،وأحمد، وغيرهم، وهي في "السلسلة الصحيحة" أرقام: (270) و (403) و (1955) و (1956) و(1957) و (1958) و (1959) و (1960) و (1961) و (1962)]

أفادت أن هذه الطائفة "بعض" من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأنها طائفة مستمرة، اتبعت الأوائل واستمرت على الذي كانوا عليه، قال تعالى:

2- (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..(100) [التوبة]

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

3- "السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة، وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللّه".

 

 

 

وقال ـ رحمه الله ـ:

4- "وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ): بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهؤلاء هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه".

وفيها الإشارة إلى بقاء الملة، ولقوله ـ عليه السلام ـ:

5- "في كل (وفي رواية: لكل) قرن من أمتي سابقون".[أخرجه أبو نعيم في "الحلية"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2001)]

ففي الحديث إشارة إلى استمرار الطائفة المنصورة قرناً بعد قرن، وأن السابقين في كل قرن هم أتباع السابقين الأولين بالاعتقادات والأقوال والأعمال.  قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

6- "فالتابعون لهم بإحسان هم: المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية".

وقال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ:

7- "صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى".

وفي قوله ـ عليه السلام ـ: "لا تزال طائفة من أمتي" بشارة في حفظ هذه الأمة إلى يوم القيامة، يشهد لها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

8- "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته".[أخرجه ابن ماجه، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2442)]

قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث:

9- "هم أصحاب الحديث".["الآداب الشرعية"(ص:266)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

10- "فعلم بخبره الصدق أنه لا بد أن يكون في أمته قوم متمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضاً، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب دين اليهود أو إلى شعبة من شعب دين النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بهذا الانحراف، بل وقد لا يفسق أيضاً، بل قد يكون الانحراف كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون سيئةً، وقد يكون خطأً. وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة؛ التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلاً".["اقتضاء الصراط المستقيم" (المقدمة)]

وفي رواية:

11- "لا يزال (وفي رواية: لن يبرح) هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة".[أخرجه ابن حبان، وأحمد، وغيرهما، وهو في "السلسلة الصحيحة"(963) و (964)] 

وفي الحديث بشارة بظهور هذه الدين على جميع الأمم إلى قيام الساعة. قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

12- "فالدين هو دين الحكمة التي هي معرفة الصواب، والعمل بالصواب، ومعرفة الحق، والعمل بالحق في كل شيء".["تيسير اللطيف المنّان"(ص:50)]

وقد تمسّكت الطائفة بدين الله الحق، قال تعالى:

13- (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) [الأعراف]

فقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ) قال ابن كثير:

14- "أي: اعتصموا به واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره".  

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

15- "وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم".

ولا شك أن الطائفة المنصورة هي الأصلح، لأنها على الجادة متمسِّكة بهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فهي صالحة في نفسها ومصلحة لغيرها، قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

16- "وهو إشارة إلى إن التمسك بالسُّنّة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد".

فالتمسك بالحق والثبات عليه من الجهاد في سبيل الله، ويحتاجه السلفي باستمرار، فعليه أن يكثر من ذكر الله تعالى في كل أحواله لقوله تعالى:

17- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)  [الأنفال]

ومعلوم أن السلفيين "الطائفة المنصورة" يلاقون خصومهم في كل لحظة، لأن خصومهم يتعقبونهم ليخرجوهم من النور إلى الظلمات بعد إذ هداهم الله، فلا بد من دحر خصومهم وردِّهم وقتالهم بالحجة والكلمة التي من وسائلها القلم واللسان، وهذا النوع من الجهاد أشد قوة من استعمال السنان، لأن النصر للطائفة لا يكون إلا بتحقيق الأول ولا يلزمه في كثير من الأحوال الثاني. وقد انتصر الأنبياء والمرسلون في كثير من المواطن بظهور الحجة، ولو أذن الله تعالى لهم باستعمال السلاح كان الدرب لهم مذللاً ليس فيه من الصعوبة مثل الذي في الأول، فالطائفة مستمرة في  جهادها في سبيل الله باللسان والسنان، ممدوحة على ذلك، فيشمل ظهورها: الظهور بالحجة والبيان، وبالسلاح والسنان، لذا فهي طائفة كما وصفها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

18- "عزيزة إلى يوم القيامة".[أخرجها أبو نصر السجزي في "الإبانة" والهروي في "ذم الكلام" عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ]

والعزيز: هو الممتنع الذي لا يُنال بالأذى، لذلك سمّي أبو ذؤيب العُقاب: عزيزة، لأنها تتخذ وكرها في أعلى الجبل، فهي ممتنعة على من يريدها. وقال العسكري:

19- "والصفة بعزيز: لا تتضمن معنى القهر".

لكن وصفها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنها قاهرة ـ كما سيأتي معنا في (153) ـ قال العسكري:

20- "والصفة بقاهر: تتضمن معنى العز، يقال قهر فلان فلاناً إذا غلبه وصار مقتدراً على إنفاذ أمره فيه".[معجم فروق اللغة]

فهذه العصابة في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تزال متمسّكة بدين الله الإسلام لا تحيد عنه قِيدَ أُنملة، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وفي الفتن تقبض الطائفة على دينها الإسلام وتزيد تمسّكها به، وتصبر فتكون في صبرها على ذلك كالقابض على الجمر، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

21- "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر".[أخرجه الترمذي، وهو في "السلسلة الصحيحة"(957)]  

قال الطيبي ـ رحمه الله ـ:

22- "المعنى: كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبرَ لإحراق يدِه، كذلك المتدينُ يومئذٍ لا يقدرُ على ثباتِه على دينِه؛ لغلَبةِ العُصاَةِ والمعاصي، وانتشار الفسقِ، وضعفِ الإيمان".

والحديث من أعلام نبوّته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فالغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله، والفضل الجزئي لا ينافي الفضل الكلّي، لأن فضل الصحبة لا يعدله شيء، فالطائفة المنصورة في آخر الزمان ـ في زخم الاختلافات والتفرق والفتن ـ غريبة، اكتسبت غربتها بسبب تمسّكها بالكتاب والسّنّة الصحيحة، واكتسبت غربتها بسبب صلاحها وإصلاحها لغيرها، واكتسبت غربتها بسبب صدقها وثباتها أمام تحديات المنافقين والمفسدين، فهي تحيي السّنّة وتكسر البدعة، فالسنة عند غلبة الفساد لا يجد المتمسك بها من يعينه، بل يؤذيه ويهينه، واكتسبت الطائفة غربتها لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تخشى في الله لومة لائم، واكتسبت غربتها بسبب معارضتها أهل الرياسة الدينية من علماء السوء، فحطَّت من رياستهم وكشفت ألاعيبهم، وبارزتهم بالمحاربة، وتصدَّت لبدعهم، ونفاقهم، وتدليسهم، وتزويرهم، وشبهاتهم، وغطرستهم، وذلك أشد من القبض على الجمر. والطائفة غريبة لقلَّة أنصارها، ولأنها كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

23- "من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".[أخرجه أحمد، وغيره، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1619)]

فهي في جهاد في سبيل الله، بينما الناس في جهل وقد انصرف الكثير منهم إلى الأهواء المضلَّة، ومحدثات الأمور، وقدّموا زبالة آرائهم على القرآن والسّنّة وفهم السلف الصالح. ومن ثم قال الثوري:

24- "إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه".

وقال:

25- "إذا رأيت الرجل محبّباً لجيرانه فاعلم أنه مداهن".

 

وقال:

26- "إذا رأيت الرجل يحب أن يحبه الناس كلهم؛ ويكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق".

و"الطائفة" في لغة العرب تقع على الواحد فما فوق، وتنكير الطائفة في الحديث للتقليل، أو للتعظيم؛ لعظم قدرهم ووفور فضلهم. وجاءت في رواية بلفظ:

27- "عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم يوم القيامة".[أخرجها أحمد  بسند صحيح]

ومعناها بكسر العين: الجماعة الذين أمرهم واحد يشد بعضهم بعضاً. وَوُصفت الطائفة في رواية بالأمة، فقال ـ عليه السلام ـ:

28- "لا تزال أمة من أمتي".[أخرجها أحمد، وهي في "السلسلة الصحيحة" (1971)]

والأمَّة بمعنى: الجماعة، وهو الاستعمال الغالب، واتفق علماء اللغة على أن "الأمَّة" بمعنى الدين والشريعة والطريقة، قال ابن جرير الطبري:

29- "والأمّة: الدين. والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد: أمّة".

قال تعالى:

30- (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) [الأعراف]

قال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ:

31- "وأما "الأمَّة" في هذا الموضع؛ فإنه يعني بها الجماعة من الناس".

وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

32- "وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة".

وفي الآية فضيلة لأمة موسى ـ عليه السلام ـ لأن الله تعالى جعل منهم هداة يهدون بأمره. وقال تعالى:

33- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) [الصف]

ووصف الله تعالى الطائفة المنصورة عند تلاوتهم الكتاب بقوله:

34- (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ..(121) [الآية (121) من سورة البقرة، وجرى تفسيرها في المقال: "المبتدعة والخوارج في خسران؛ وإن قرءوا القرآن" تاريخ 15/9/1432]

وأنهم على الاستقامة، يتلون آيات الله آناء الليل، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قال تعالى:

35- (..مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)[آل عمران]

فإن هؤلاء ليس المراد بهم من تمسك باليهودية والنصرانية بعد محمد قطعاً، فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، فلا يثنى عليهم بهذا الثناء. وليس المراد بهم من آمن من أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه، فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب إلا باعتبار ما كانوا عليه، وذلك الاعتبار قد زال بدخولهم الإسلام وإيمانهم بمحمد ـ عليه السلام ـ واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين. فيكون المشار إليهم في الآية: الطائفة المنصورة من أهل الكتاب قبل بعثة عيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو الطائفة المنصورة من أهل الكتاب قبل بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

ومن صفاتهم أيضاً الاقتصاد في العمل، قال تعالى:

36- (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) [المائدة]

قال الربيع بن أنس:

37- "فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هُم جَفَوا في الدين ولا هم غَلوا".[أخرجه الطبري]

وقال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:

38- "معناه: معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال، والرفق، والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال".

وأطلق الله تعالى هذا الوصف على من كان متصفاً بهذه الأوصاف  قبل بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى من أدرك من هؤلاء بعثته ـ بقوله:

39- (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) [الأعراف]

قال الخازن ـ رحمه الله ـ:

40- "وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه".

وفي قصة أبي القرن ـ رجل من علماء بني إسرائيل ـ أنه:

41- "أخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم، فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: تؤمن بهذا؟ فأشار إلى صدره ـ يعني الكتاب الذي في القرن ـ فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أؤمن بهذا؟ فخلوا سبيله. قال: وكان له أصحاب يغشونه فلما حضرته الوفاة أتوه، فلما نزعوا ثيابه وجدوا القرن في جوفه الكتاب، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا ومالي لا أومن بهذا، فإنما عنى بـ (هذا) هذا الكتاب الذي في القرن قال: فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة، خير مللهم أصحاب أبي القرن. ["الصحيحة" (2694)]

ومعلوم أن تفاصيل الحق تؤخذ من شرع الله؛ وتؤخذ من فهوم السلف ـ رضوان الله عنهم ـ الذين سلكوا بنصوص الوحي عند العمل سبيل الحق، قـال شيخ الإسـلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

42- "فالناس قبل مبعث الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جهَّال وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة. فأما بعد ما بعث الله الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر ـ كما هي في دار الكفار ـ وقد تكون في شخص دون شخص ـ كالرجل قبل أن يسلم فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام ـ. فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة".["اقتضاء الصراط المستقيم"(ص:78-79)]  

 

وفي قوله تعالى:

43- (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..(143)[البقرة]

قال الإمام البخاري:

44- "هم الطائفة المذكورة في حديث: "لا تزال طائفة من أمتي".["خلق أفعال العباد"(ص:60) و"الفتح"(13/293)]

وأشار ـ رحمه الله ـ إليها في "صحيحه" ـ "كتاب الاعتصام" ـ بقوله:

45- "باب (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وما أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم".

ومن اعتصم بالكتاب والسنة وكان على منهاج النبوة والسلف ينصر الحق وأهله؛ فقد نجا في الدنيا والآخرة من الضلال والعذاب، قال أبو شامة ـ رحمه الله ـ:

46- "حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وإتباعه وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف كثيراً؛ أي الحق هو ما كان عليه الصحابة الأول من الصحب ولا نظر لكثرة أهل الباطل بعدهم".["الباعث على إنكار البدع والحوادث"(ص:22)]

وقال البيهقي ـ رحمه الله ـ:

47- "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانوا عليه من قبل؛ وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ".[نقله المناوي في "فيض القدير" ط1 عام 1356]

فالجماعة وإن كنت وحدك؛ لأنك تشهد بحق ما بلَّغك إياه نبيُّك محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وشرط قبول الشهادة العدالة، وقد ثبتت لهم هذه الصفة بقوله: (وَسَطًا) قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

48- "فمن لم يقم بهذه الشهادة علماً وعملاً ومعرفةً وإقراراً ودعوةً وتعليماً وإرشاداً فليس من شهداء الله".["مدارج السالكين"(3/474)]  

 

 

وقال صاحب "بحر الفوائد":

49- "فإذا جعل الله هذه الأمة شهداء على الناس يوم القيامة، وعدَّلهم الله بقوله: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي:عدل، فشهادة العدل مقبولة لا ترد، والحكم به واجب في القضاء، فإذا شهدوا على إنسان بصلاح قبلت شهادتهم، وإن كان الأمر في المغيب غير ذلك، وإذا شهدوا على آخر بفساد قبلت شهادتهم، وإن كان الأمر في المغيب غير ذلك؛ لأن على الحاكم القضاء بشهادة العدول، فهذه الأمة شهود، والله عدَّلهم، ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زكَّاهم بقوله: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وقد قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فوصفهم الله تعالى بهذه الصفة وقال في غيرهم: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) فغيرهم كانوا يأمرون الناس بالبر وهو الإيمان بالله تعالى ورسوله، ثم لا يؤمنون هم، وهم اليهود وبعض مشركي قريش، والمؤمنون بخلاف ذلك، فهم يأمرون بالمعروف ويأتونه، وينهون عن المنكر ويجتنبونه، فهم عدول صادقون بتعديل الله لهم، وهم أزكياء صدِّيقون بتزكية رسول الله لهم، فوجبت القضية بشهادتهم".["المسمى بمعاني الأخبار"(ص:477)]

وقال المناوي ـ رحمه الله ـ في "فيض القدير":

50- "فهم عدول بتعديل الله لهم، فإذا شهدوا على إنسان بصلاح أو فساد؛ قبل الله شهادتهم وتجاوز عن من يستحق العذاب في علمه فضلاً وكرماً لأوليائه".

المقال كاملا من هنا