لا يوصف بالعناد من استمسك بالهدى والرشاد
الجمعة | 18/05/2012 - 07:25 صباحاً

لا يوصف بالعناد من استمسك بالهدى والرشاد

 إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 26/06/1433 الموافق 17/05/2012

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

إذا جاءك الحق، كن سهلاً ليناً في قبوله والعمل به، واشرح صدرك له، ولا تخالف ولا تعاند، ولا تشقَّ على نفسك وتحمِّلها بعنادك الغليظ وخلقك المشاكس ما لا تحتمل، وإلاَّ فستعاقب. وقد زجر الله تعالى عن العناد في مطلع سور التنزيل ورهَّب من عقابه فقال:

1- (كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) [سورة المدثر]

قال قتادة:

2- "عذابا لا راحة فيه".[أخرجه الحافظ أسد بن موسى في "الزهد"(38)، وابن جرير]

والمؤمن يتميَّز عن غيره بقبوله الحق، والكافر يتميَّز بالمخالفة والمبالغة بالجحود، ومعاندته للحق مع علمه بأنه حق. فيكون مصيره في الآخرة نار جهنم يعذب فيها عذاباً لا راحة فيه، فيأمر الله تعالى الملكين ـ أو السائق والشهيد ـ بقذفه في نار جهنم بكل احتقار. قال تعالى:

3- (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) [سورة ق]

والمؤمن سهل ليِّن حرَّمه الله على النار، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

5- "من كان سهلاً هيناً ليناً حرَّمه الله على النار".[أخرجه الحاكم، والبيهقي، وهو في "صحيح الجامع"(6484)]

وجاء الحديث برواية أخرى بصيغة سؤال تشويقاً لسماع الجواب وترغيباً للعمل به، فقال ـ عليه السلام ـ:

6- "ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هيِّن سهل".[أخرجه الترمذي، وأحمد، وابن حبان، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(938)]

وجاء في القرآن أن عيسى ـ عليه السلام ـ أخبر قومه بما منَّ الله تعالى عليه فقال:

7- (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) [سورة مريم]

أي: ولم يجعلني ربي جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته فأشقى بذلك. والكافر جبّار لديه كِبْر ويبس في الطبع وشراسة في الأخلاق لا يقبل الحق، وعاقبته الخيبة والخسران قال تعالى:

8- (.. وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) [سورة إبراهيم]

وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه:

9- "يخرج عنق من النار (وفي رواية: يتكلم) يوم القيامة لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت [اليوم] بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين (وفي رواية: وبمن قتل نفساً بغير نفس، فينطوي عليهم، فيقذفهم في غمرات (وفي رواية: حمراء) جهنم)".[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة، وأحمد، والطبراني في الأوسط"، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري، وهو في "السلسلة الصحيحة"(512) و (2699)]

والمؤمن بعد انقياده للحق متمسك به ثابت عليه، فلا يجوز وصفه بعد التمسك والثبات بالعناد، لأن العناد صفة الكافر المستكبر، والعنيد معجب بما عنده مستمر على ضلاله. فهي صفة مذمومة، بينما وصف الله تعالى المؤمنين بقوله:

10- (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) [سورة الأعراف]

فهؤلاء أخذوا الكتاب بجدٍّ وعزم، وعملوا فيه بصدق وإخلاص، ولم يعاندوا، بل تمسَّكوا بالكتاب واعتصموا به واستمرّوا عليه ثابتين، قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:

11- "أي: يمسّكون إمساكاً شديداً يتجدَّد على كل وجه الاستمرار، وهو إشارة إلى إن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد".

وشتان بين التمسِّك والعناد، فإن التمسك يعني الصلابة على مواقف الرجال أهل الحديث الذين يحبون الله ورسوله، ويحافظون على دين الله تعالى من غير تمييع ولا تحريف، ويعني الثبات على دين الوسطية من غير إفراط ولا تفريط، بينما العناد صلابة على ضلالة، فإما صلابة على غلو، أو صلابة على تأويل فاسد، أو صلابة على خلاعة، وهي مواقف المخنثين الذين يناضلون من أجل دنياهم.

وقد رأيت من وَصَف شيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ بالعناد، وهم بلا شك مبتدعة حاقدون عليه وعلى منهج السلف الصالح، فقد نقل ـ رحمه الله ـ عن عبد الله بن الصديق الغماري المعروف بعدائه الشديد لأنصار السنة تهجمه على شيخنا بقوله: "وأكثر ظاهرية من ابن حزم، مع سلاطة في اللسان، وصلابة في العناد!".["سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"(3/15)]

وفي مقدمة المجلد الرابع من ذات السلسلة نقل ـ رحمه الله ـ تهجم هذا الحاقد عليه فكان من كلامه: "ولولا خبث مذهبه وعناده لكان من أفراد الزمان في معرفة الحديث.."

ويرد عليه الشيخ بعد ثلاث فقرات فيقول ـ رحمه الله ـ:

12- "وأما الاتهام بالعناد وغيره فهو كما يتهمنا الكفّار أو المنحرفون عن الشرع بالتعصب، والحقيقة أنه التعصب للحق الذي جاء به الدين".["سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"(4/6-7)]  

فوَصْف شيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ بالعناد، وصف جائر لأنه بعيد كل البعد عن الإنصاف والعدل، بل كان ـ رحمه الله ـ مستمسكاً بالعروة الوثقى، هكذا عرفته لا يخشى في الله لومة لائم، وهو هين لين إن قيد انقاد وإن سيق انساق، ولا أدل على ذلك من تراجعاته في كتبه التي كثيراً ما كان يكرر فيها استعداده لقبول الحق، وقوله:

13- "أن يعلمَ من شاءَ اللّه أن يعلم أن العلم لا يقبل الجمود، فهو في تقدم مستمر من خطأ إلى صواب، ومن صحيح إلى أصح، وهكذا... وليعلموا أننا لا نصرّ على الخطأ إذا تبيَّن لنا".["السلسلة الصحيحة"(1/44)]

وقال في مقدمة الجزء الخامس من "سلسلة الأحاديث الضعيفة (ص:11)":

14- "إن العلم لا يقبل الجمود، أكرر ذلك في مجالسي ومحاضراتي، وفي تضاعيف بعض مؤلفاتي، وذلك مما يوجب على المسلم أن يتراجع عن خطئه عند ظهوره، وأن لا يجمد عليه، أسوة بالأئمة الذين كان للواحد منهم في بعض الرواة أكثر من قول واحد توثيقاً وتجريحاً، وفي المسألة الفقهية الواحدة أقوال عديدة، وكل ذلك معروف عند العلماء. من أجل ذلك فإنه لا يصعب علي أن أتراجع عن الخطأ إذا تبين لي، و(ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون)".

قال تعالى في سورة لقمان:

15- (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..(22) [سورة لقمان]

والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التام، وفيه ثناء على المسلمين، ومعنى قوله تعالى: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى):

16- "أي: استقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم". [قاله: ابن كثير ـ رحمه الله ـ]

وفي تفسير العروة الوثقى أقوال:  القرآن، الإيمان، الإسلام، لا إله إلا الله، الحب في الله والبغض في الله، وكلها صحيحة لا تنافي بعضها. وقال تعالى:

17- (...فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..(256) [سورة البقرة]

فمن لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

18- "المؤمنون هَيْنُون لَينون مثل الجمل الألِف الذي إن قيد انقاد و إن سيق انساق وإن أنخته على صخرة استناخ". [أخرجه العقيلي في "الضعفاء"، والبيهقي في "الشعب"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(936)، وفي رواية غير العقيلي: "الأنِف"]

إشارة إلى أن المؤمن ذلول، لأنه شديد الانقياد لشرع الله تعالى، وهو مأمور أن ينقاد إلى الحق ويستمسك به ويحافظ عليه، وقد أمر الله تعالى نبيه محمد ـ عليه السلام ـ بهذا فقال:

19- (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) [سورة الزخرف]

فهل يعقل أن يتهم المتمسِّك بشرع الله بالعناد؟ وهل يقال لمن تمسَّك بالملة الحنيفية والقرآن العظيم، وكان على الصراط المستقيم ثابتاً على منهاج النبوة والسلف أنه عنيد؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

20- "وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وغيرهم من الأئمة". ["مجموع الفتاوى" (4/50-51)]

فكون المؤمن على منهاج النبوة والسلف هو الذي يجعل هؤلاء الحاقدين يصفونه بالتشدد والعناد، وحاشاه لأنه لا يتبع أهواءهم، ولا يوافقهم على بدعهم، بل ينكر عليهم ويصرُّ على التحذير منهم، فهو على الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.    

وكون المؤمن هين لين لا يفهم منه أنه غافل!! كما جاء في بعض الروايات المكذوبة: "تخاله من اللين أحمق"! ولعلَّ كثيراً من الناس في العصر الحالي لضعف إيمانهم يعدّون السهل اللين غبي! بينما الخب اللئيم المخادع يعدّونه الذكي! لذا وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المؤمن بالغِر فقال:

21- "المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خِبٌّ لئيم".[أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وهو في "السلسلة الصحيحة"(935)]

قال الإمام الطحاوي ـ رحمه الله ـ:

22- "(الغِر) في كلام العرب: هو الذي لا غائلة ولا باطن له يخالف ظاهره، ومن كان هذا سبيله أمن المسلمون من لسانه ويده، وهي صفة المؤمنين".["بيان مشكل الآثار"(8/14)]

وفي "النهاية":

23- "يُريد أنَّ المؤمنَ المحمودَ من طَبْعه الغَرارة وقِلةُ الفِطْنة للشَّرّ وتركُ البحث عنه، وليس ذلك منه جَهلاً، ولكنه كَرَمٌ وحُسْن خُلُق".

ومن صفات المؤمن كما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه:

24- "لا يلدغ من جحر واحد مرتين".[متفق عليه]

أما الفاجر ـ والعياذ بالله ـ فإنه على العكس من ذلك تماماً، لكع لئيم لا بدَّ من أخذ الحذر منه، لأنه يخادع، فظاهره خلاف باطنه، كالمنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فإذا قدّر الله تعالى أن يسلِّط عليه لئيما مثله، فإنه يخدعه المرة تلو المرة لأن من طبعه الاشتغال بالخداع والنفاق. على عكس المؤمن فإنه سرعان ما يأخذ حذره من اللُّكع اللئيم، والمخادع المراوغ، فلا يلدغ من جحر واحد مرتين لأن من طبعه السماحة وعدم الاشتغال بالخداع.

وأشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الآتي إلى:

استمرار الحق في الأمة.

وحذَّر من وقوع الخلافات من بعده.

ودلَّ على المخرج منها وهو: التمسك بهديه وهدي أصحابه ـ رضوان الله عنهم ـ، وقد عبَّر عنه بقوله: "عضوا عليها بالنواجذ".

وأمر بالطاعة وعدم الخروج على ولاة الأمر.

وجعل الشطر الأخير من الحديث وصفاً للمؤمن مثَّلَه بالجمل الأنف حيثما قيد انقاد.

فيكون ـ عليه السلام ـ قد جمع في الحديث بين الصلابة على الحق والسهولة في الأخلاق وأراد بهما التمسك بالحق.

فعلى المؤمن أن يأخذ حذره من الخلافات والفتن، ولا ينقاد ولا يكون مذعناً إلاَّ للحق بعيداً عن الأهواء والتفرق، ومن أعظمها الخروج على ولاة الأمر، فإن الخروج عليهم يفضي إلى فساد عظيم.

أما الاستكبار على العمل بالقرآن والسنة الصحيحة بفهم سلف الأمة، والاحتكام إلى الآراء السقيمة الضالَّة فهي صلابة على الباطل لأنها صلابة المعاندين اللُّكع اللئام، وهي خلاف صلابة أهل الحق والإسلام. قال ـ عليه السلام ـ:

25- "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها ِ إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد".[أخرجه ابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وهو في "السلسلة الصحيحة"(937)]   

 

 

ِ