سراب النَذالَة في شعارهم "الحرية والعدَالَة"!
الخميس | 31/05/2012 - 11:59 مساءً

سراب النَذالَة

 في شعارهم  "الحرية والعدَالَة"!  

 إعداد: هشام بن فهمي العارف

تاريخ 10/07/1433 الموافق 31/05/2012

www.Alaqsasalafi.com

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد؛

ينتعش القصص الباطل في زمن الفتن، زمن الضعف والهرج، الزمن الذي يصدَّق فيه الكاذب، ويكذّب فيه الصادق. فعن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ:

1- "لم يكن يُقَصُّ في زمان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، إنما كان القصص في زمن الفتنة".["صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" لشيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ(97-111)]      

والشائعات الكاذبة أيضاً من الوسائل المهمة لمشايخ السوء المبتدعة لأجل كسب ودِّ العوام، وتحقيق غاياتهم الخسيسة في الوصول إلى المال، والحصول على الجاه، وحب الظهور، وابتغاء الشهرة.

وعليه فإن تذكير الناس من خلال هذا اللون من القصص المكذوب، والاستشهاد بأحاديث ضعيفة وموضوعة، صناعة الضلاَّل الذين يفسدون دين العوام.

ويسعى القصّاص السوء وغيرهم من المنتفعين إلى تشويه الحق وأهله، عبر وسائلهم الفاجرة كالأخبار الكاذبة، والشائعات المغرضة، والحيل الفاسدة، والشبهات الفاجرة، والقصص الخيالية والغريبة، بقصد التهييج لحشد الطاقات ! والضرب على وتر العاطفة ! لتحقيق غاياتهم الدنيئة تحت شعارات كذّابة كقولهم : الجهاد الإسلامي! والدعوة والتبليغ! والحرية والعدالة!، وشعارات: نصرة الشريعة، ونصرة السنَّة، ونصرة منهج السلف، إلى غير ذلك من المسميّات التي يبنون عليها نفاقهم، أو يصنعون منها في عيون السذَّج سرابهم.  

ويستخدم القُصّاص قصصهم لاسترضاء العامة، وتشتد محنة الناس بالمنافق عليم اللسان، فعن مالك بن دينار ـ رحمه الله ـ قال:

2- "تلقى الرجل وما يلحن حرفاً، وعمله لحن كلُّه".["أخرجه الخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم العمل"(151)]

وبالتالي فإن كثيراً من علماء السوء ممن فتنوا بالدنيا قلبوا الحقائق في وجوه العوام، وحوَّلوهم من السنة إلى البدعة، وأقنعوهم بالباطل، وفتنوهم بالتزييف البارع. قال ابن قتيبة ـ رحمه الله ـ:

3- ".. والوجه الثاني: القصّاص ... فإنهم يميلون وجوه العوام إليهم، ويستدرّون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب من الأحاديث. ومن شأن العوام القعود عند القاصّ ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن فطر العقول، أو كان رقيقاً يحزن القلوب ويستغزر العيون". ["تأويل مختلف الحديث"(ص:279)]

وعادة الوعّاظ في الكذب على الناس إما تخويفهم بحيث يقنِّطونهم من رحمة الله، أو يؤملونهم بحيث يجعلونهم يأمنون مكر الله ويتجرؤون على معصية الله، ولو نظرنا إلى وعظ لقمان لوجدناه خلاف وعظهم البتة، وعظاً قائماً على الحق والحكمة والرحمة. قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:

4- "والقصّاص لا يذَمّون من حيث هذا الاسم لأن الله عز وجل قال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وقال: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) وإنما ذم القُصَّاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورده وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القصص صدقاً ويوجب وعظاً فهو ممدوح".["تلبيس ابليس"(ص:110)]

ومع دخول فتنة الانتخابات إلى البلاد الإسلامية بحجة الديمقراطية المستوردة من دول الكفر، ارتفعت حدَّة القصص الفاجر، وبدأ ترويج المنافقين لبضاعتهم الكاسدة حتى بلغ الحال بالنذالة؛ رفع شعارات متعددة ـ منها على سبيل المثال ـ "الحرية والعدالة"!

وقد نبَّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذا حين ذكر ما وقع لبني إسرائيل حين تركوا العمل فقال:

5- "إن بني إسرائيل لمّا هلكوا قصّوا".[أخرجه الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "الحلية"، وهو في "السلسلة الصحيحة"(1681)]

فالضعف الذي منيت به أمة بني إسرائيل في نهاياتها نجم عن تركهم العمل بشرع الله، فبدل أن ينتصروا للحق وأهله ركنوا إلى القصص والدعايات المزيَّفة، قال في "النهاية":

6- "لمّا هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص".

فالقصص الخيالي والدعايات المكذوبة عمل المفلسين، فما بالك إذا آل هذا الصنيع إلى المنافقين المفسدين، فإذا اتكل الناس على أقوال الضلاّل وتركوا العمل حصل الهلاك. لذا قال في "النهاية" أيضاً:

7- "أي: لما اتكلوا على القول وتركوا العمل، كان ذلك سبب هلاكهم".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

8- "وأما القُصَّاص الذين يقومون على رءوس الناس ويشغلون الناس عما يشرع من الصلاة والقراءة والدعاء، لا سيما إن قصوا والإمام يخطب فإن هذا من المنكرات الشنيعة التي ينبغي إزالتها باتفاق الأئمة، وينبغي لولاة الأمور أن يمنعوا من هذه المنكرات كلها، فإنهم متصدّون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".["المستدرك على مجموع الفتاوى"(3/129)]

وقال شيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ:

9- "ومن الممكن أن يقال: إن سبب هلاكهم اهتمام وعاظهم بالقصص و الحكايات دون الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم فيحملهم ذلك على العمل الصالح، لما فعلوا ذلك هلكوا. وهذا هو شأن كثير من قصاص زماننا الذين جل كلامهم في وعظهم حول الإسرائيليات والرقائق والصوفيات نسأل الله العافية".["السلسلة الصحيحة"(4/247-248)]

وعن أبي قلابة قال:

10- "ما أمات العلم إلا القصّاص".[أخرجه المروزي في "كتاب العلم"، وأبو نعيم في "الحلية" وأورده السيوطي في "تحذير الخواص من أكاذيب القصّاص" (الفصل العاشر)]

وعن أيوب السختياني قال:

11- "ما أفسد على الناس حديثهم إلا القصّاص".[أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(3/11)]

فالوعّاظ السوء المبتدعة ومن يشاركهم من المنافقين لمّا أرادوا توجيه الناس إلى مصالحهم وضلالهم نسجوا في زمن الفتنة حكايات الحرية والعدالة، والجهاد والمقاومة، والتغيير والإصلاح، والتحرير والعودة، والإضراب والصمود، إلى غير ذلك، من السلع الكلامية حتى أخرجوا الناس من استقرارهم إلى هلاكهم. قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

12- "القُصّاص ثلاثة: أمير، أو مأمور، أو مختال (وفي رواية: مراء)".[أخرجه البخاري في "التاريخ" وأحمد، وغيرهما، وهو في "السلسلة الصحيحة"(2020)]

أي: لا يخطب إلا الأمير; لأن الأمراء كانوا يتوَلَّوْن الخُطب بأنفسهم. والمأمور: الذي اختاره الإمام ليخطب، والمختال: الذي يَنْتَدِبُ لها رياء وخيلاء. وقال المناوي ـ رحمه الله ـ:

13- "سمّاه مرائياً لأنه طالب رياسة متكلف ما لم يكلفه".

ولو أنك عاينت بعين النقد خطباء المساجد في العالم الإسلامي لوجدت الكثير منهم حزبيون أو من أنصار الجماعات الضالة، أو من صنف أهل الرياء والسمعة والخيلاء، أو قصّاص يغلب على خطبهم إثارة المشاعر والحماسات بدون فقه، أو أن الساسة أمروهم لتوجيه العوام إلى سياسات رسمتها الدولة، نقل الشيخ محمد يوسف البنّوري ـ رحمه الله ـ قرار المشايخ في الهند في حق المودودي:

14- "إن مطالعة تآليف المودودي وحزبه الجماعة الإسلامية تجعل الناس في حرية من اتباع أئمة الدين وألاَّ يبقى لهم صلة بهم، وهذا مما يهلك العامة ويضلهم ضلالاً، ووسيلة لانتقاص المسلمين بصحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والسلف الصالحين، وإن كثيراً من تحقيقاته وأفكاره الخاطئة إذا اتخذها الناس تكون وسيلة لفقه جديد، وإحداث في الدين وبدعة في الإسلام باليقين، وهذا في غاية الضرر في الدين، فنحن نقول بكل صراحة إن كل حركة تحوي أموراً مثل هذه خطأ يضر بالمسلمين، ونعلن براءتنا عن هذه الجماعة وعن هذه الحركة".[آخر الكتاب الأول وعنوانه"الأستاذ المودودي وشيء من حياته وأفكاره"]

فمن الواجب على المسلم ألاَّ يغتر بالخطب الحماسية المفتعلة والمرتجلة، أو الخطب السياسية  الموجَّهَة والموجِّهَة، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بأقوال المنافقين الطنّانة، ولا ينجرف وراء الوعود أو القَصَصِ المكذوب، فعن معاوية بن قرة قال:

15- "كنا إذا رأينا الرجل يقصُّ قلنا: هذا صاحب بدعة".["البدع" لابن وضّاح(1/46 رقم 44)]

فالانتساب إلى أي جماعة أو حركة للدجاجلة المبتدعة، أو للدجاجلة المنافقين تفريق لكلمة الأمة، وإبعاد لها عن الصواب وتفكيك للحمتها، مع العلم أن هذه الجماعات ـ بدون استثناء ـ تسعى لهدم جماعة المسلمين، بما فيها جماعة الحق المبين، وهي جماعة الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، لذلك فلن يكتب لأي فريق من هذه الفرق الضّالة النجاح؛ لأنها تخضع لمعايير الهوى والضلال ومنها: الخروج، والمنافسة على السلطة، والانتصار للباطل، والتعصب المقيت، والحزبية الفاجرة المهلكة، واعلم أن تكادمها سيستمر وأخشى أن تملأ الأرض بظلمها وجورها لأن قياداتها ستكون من ذوي لكع.

وقد دفعت هذه الجماعات بقُصَّاصها إلى منابر المساجد، والفضائيات، وكراسي التدريس في الجامعات والمدارس.

16- "فالعالم عند العوام من صعد المنبر".!![قاله ابن الجوزي في كتابه"القصّاص والمذكّرين"(ص:318)]

واستمرت الجماعات والحركات بدفع قصّاصها ودجّاليها إلى حلبات الصراع تخطب وتقُص وتحرِّض حتى هاجت معها العوام ففعلت أفاعيلها فانتقلت بها من المظاهرات السلمية إلى المسلحة، وبعد وقوع الهرج اختفت فذكَّرنا حالها بالمثل القائل:

17- "رمتني بدائها وانسلت".

ومن هؤلاء القصّاص على سبيل المثال: دجال العصر (المنافق علي الحلبي)، وأمثاله: عمرو خالد، وابن حسّان، وسفر الحوالي، وسلمان العودة، وربيع المدخلي، وسعد الحصين، وعبد الرحمن عبد الخالق، ومحمد حسين يعقوب،  ومحمد المنجد، وأتباعهم، وغيرهم الكثير والقائمة من هذا الصنف تطول، ممن كذبوا ونافقوا ولا يزالون مستمرون في نفاقهم وكذبهم على الناس، ومن وراء الكواليس كالأباليس، قـال شيخ الإسـلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

18- "وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُمَّةِ وَامْتِحَانِهَا بِمَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلا رَسُولُهُ: مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ شكيلي، أَوْ قرفندي، فَإِنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلا سُنَّةِ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلا فِي الآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ سَلَفِ الأَئِمَّةِ لا شكيلي وَلا قرفندي.

وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لا أَنَا شكيلي وَلا قرفندي؛ بَلْ أَنَا مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.

وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ فَقَالَ: أَنْتَ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ أَوْ مِلَّةِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: لَسْتُ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ وَلا عَلَى مِلَّةِ عُثْمَانَ، بَلْ أَنَا عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ. وَكَذَلِكَ كَانَ كُلٌّ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُونَ:

19- "كُلُّ هَذِهِ الأهْوَاءِ فِي النَّارِ".

وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ:

20- "مَا أُبَالِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمُ ؟ عَلَى أَنْ هَدَانِي اللَّهُ لِلإسْلامِ أَوْ أَنْ جَنَّبَنِي هَذِهِ الأهْوَاءَ".

وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّانَا فِي الْقُرْآنِ: الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ فَلا نَعْدِلُ عَنْ الأسْمَاءِ الَّتِي سَمَّانَا اللَّهُ بِهَا إلَى أَسْمَاءٍ أَحْدَثَهَا قَوْمٌ ـ وَسَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ ـ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ".["مجموع الفتاوى"(3/415)]

والمطالبة بالديمقراطية في المجتمعات الإسلامية حوَّلت الشعوب الإسلامية إلى التنافس عند صناديق الاقتراع لانتخاب قَصَّاص، أو دجّال، أو منافق، أو منتفع، أو... الخ ممن يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل، فالديمقراطية وهي صناعة الغرب والشرق الكافر أدخلت على الأمة تفريقاً أخطر من سابقه، فعلى الرغم من وجود الجماعات المبتدعة كان التفريق في السابق نطاقه أضيق ـ نوعاً ما ـ مما نراه الآن، أما وقد هجمت الفتن وكشَّرت عن أنيابها فإن الديمقراطية والانتخابات أشعلته ونقلته إلى فتنة الهرج بفعل القُصّاص والدجاجلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

21- "وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلامِ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ .

وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بِالْبَاطِلِ بَاطِلاً بِبَاطِلِ أَخَفَّ مِنْهُ وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.

وَمِثْلُ هَؤُلاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلاً يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الأمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بِخِلافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ وَعَادَى مُخَالِفَهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الآرَاءِ وَالاجْتِهَادَاتِ؛ وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ فَهَؤُلاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالاخْتِلافَاتِ . وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ "الْخَوَارِجُ" الْمَارِقُونَ" .["مجموع الفتاوى"(3/348-349)]

ولا تزال الانتخابات في العالم الإسلامي تتجدد يوماً بعد يوم، من المجالس المحلية إلى البلديات إلى التشريعي إلى الحكومة إلى الرئاسة! وتدفع باتجاه الإعلان عن مزيد من مرشحي الجماعات والأحزاب التي تتبارى في خطبها وقصصها لإقناع العوام ببرنامجها الكاذب، وتتشدق وتتفيهق بمشروعات خدّاعة، ويكون لها فذلكات وفتاوى تضارب وتصارع فيها، مستعملة في أحيان كثيرة مشيختها المزيَّفة المزيِّفة لإنقاذ انتفاضاتها وهي في الرمق الأخير. وما أحسن ما قاله الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في بشر المريسي إمام الجهمية قال:

22- "كان صاحب خطب لم يكن صاحب حجج".["بيان تلبيس الجهمية"(1/370)]

إننا في الحقيقة نعيش في زمن اجتمعت فيه فتن كثيرة، ومن هذه الفتن فتنة القصّاص الضلاّل موضوع بحثنا، فقد قال ـ عليه السلام ـ:

23- "إن بين يدي الساعة كذّابين فاحذروهم".[أخرجه مسلم، وأحمد]

وعن أبي هريرة مرفوعاً:

24- "سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا به أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم".[أخرجه الإمام مسلم]

وكنت حذَّرت من العولمة والفتن مراراً وتكراراً، وحذَّرت من هذا الصنف اللئيم الذي لبس ثوب الدين، وقلت في مقال لي تحت عنوان:

25- "الحدّادية المحتالة أهل النفاق".[تاريخ 29/6/1429 الموافق 3/7/2008]

منذ زمن قريب جداً، قبل الفتنة التي بدأها ابن حسَّان الفتَّان، قلت: إن أخطر ما تواجهه الدعوة السلفية ـ اليوم ـ النفاق والمنافقين. وقلت: وكلما ازدادت الدعوة السلفية شوكة، ازدادت حيلة المنافقين بالانتساب إليها ـ زوراً وبهتاناً ـ. وقلت: على علم من ربي أن هذه الصيحة يخشاها من في قلبه مرض النفاق. وقلت: حين يكتب العالم السلفي في النفاق والمنافقين، ليس كغيره في الكتابة. لأنه يكتب وقلبه ولسانه وقلمه وكل جارحة من جوارحه تشد بعضها بعضاً في بيان الحق.

إن مدخل الشر على الدعوة السلفية من جهة من أحسن التمثيل على السذَّج الهَمج الرعاع، ولبس لباس السلفية وليس منهم. وقد شرعت في بيان حال المنافقين وصفاتهم يوم سئلت على شبكة الدعوة السلفية من المسجد الأقصى ـ التي خرَّبها المخرّبون المنافقون ـ عن حال المدعو "حسام عفانة"، فجعلت على رأس المقالة التي بيَّنت فيها حاله وحال شيخه المدعو "يوسف القرضاوي" عنواناً

26- "خطر النفاق والمنافقين".

واستمرت لعبة المنافقين حتى وصلوا إلى تشكيل الأحزاب، والدخول في البرلمانات، والترشح للوزارات والرئاسات، وقد حملوا عدتهم من الخطب والخطابات، فلم يكتف القصّاصون بالكذب بل راحوا يرّوجون له عبر خطبهم حتى وصل حال الناس إلى الحال التي أخبر بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي من أعلام نبوَّته:

27- "ويأتي من بعد زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، من استمسك بعشر ما يعرف فقد نجا".[أخرجه الهروي في "ذم الكلام" وهو في "السلسلة الصحيحة"(2510)]

وذلك لهول الافتراءات والفتن التي يحدثها الخطباء المنافقون، وجهل الناس وبعدهم عن شرع الله تعالى.